سبيل المتقين
سبيل المتقين

يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز مخاطباً عباده المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ويقول مخاطباً أولي الألباب ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ويقول رسول الله ﷺ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».

0:00 0:00
السرعة:
May 20, 2018

سبيل المتقين

سبيل المتقين

يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز مخاطباً عباده المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ويقول مخاطباً أولي الألباب ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ويقول رسول الله ﷺ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».

فما هي التقوى؟ وما هو السبيل لتحقيقها؟

التقوى لغةً: مأخوذة من الوقاية وهي الصون والحماية والحذر، جاء في لسان العرب أنَّ: التُّقاة، والتَّقيَّة، والتقوى، والاتِّقاء بمعنى واحد، وقاه الله وقياً ووقاية: صانه، تقول: وقيت الشيء أقيه: إذا صنته وسترته من الأذى.

أما اصطلاحاً فقد عبر عنها العلماء بتعبيرات مختلفة وعرفوها تعريفات عدة، لكنها كلها تدور حول كونها اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه طمعاً في جنته وخوفاً من عذابه، ومن التعريفات الجامعة المانعة للتقوى ما يُنسب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث عرفها على أنها (الخوفُ من الجَليل، والعملُ بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعدادُ ليوم الرَّحيل) وهذا هو عين التقوى.

فتحقيق التقوى يستلزم منا الخوف من الله سبحانه وتعالى، واتِّباع أوامره واجتناب نواهيه لمعرفتنا وإيماننا التام بأنّه مطَّلِعٌ على أفعالنا ومراقبٌ لها، وأنه عزَّ وجل لا تخفى عليه خافية لا في السر ولا في العلن، يقول تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ولذلك فإن المؤمن يضع مخافة الله بين عينيه دائماً، فلا يعمَلُ عملاً أو يقولُ قولاً قد يُغضِب الله ويخالف ما أمر به أو نهى عنه.

ومن المفارقات أن الإنسان كلما خاف من شيء ابتعد عنه ليتقي شره، إلا الله سبحانه وتعالى كلما زاد خوف العبد منه ازداد تقرباً إليه بالطاعات والأعمال الصالحات، ولما سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ». قال الحسن: "عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا".

وتحقيق التقوى يستلزم منا أيضاً العمل بما أنزله الله على نبيه محمد ﷺ من أحكام وتشريعات في الكتاب والسنة، وعدم اتباع أهوائنا، والسير خلف مصالحنا الدنيوية، أو الاحتكام للأنظمة الوضعية والبحث عن حلول لمشاكلنا في غير الكتاب والسنة، فالإسلام لم يترك كبيرة ولا صغيرة إلا ووضع لها حكمًا وأرشدنا لفعل الصواب وسلوك الطريق المستقيم فيها، ابتداء من دخول الخلاء حتى إقامة الدولة وشكل نظام الحكم في الإسلام، فهو دين شامل لكافة مناحي الحياة، وهو عقيدة ينبثق عنها نظام، ينظم علاقة الإنسان بربه من خلال (العقيدة والعبادات)، وينظم علاقته بنفسه من خلال (المطعومات والملبوسات والأخلاق)، وعلاقته بغيره من بني الإنسان (كالحكم والمعاملات والزواج والميراث والقضاء…).

وإن مما يستلزمه تحقيق التقوى أيضاً أن يتذكر المسلم بشكل دائم أنه راحلٌ عن هذه الدنيا لا مَحالة، والراحلُ لا بُدَّ له أن يتزوّد بالطاعات والنوافل والأعمال الصالحات وبكل ما من شأنه أن يُعينه في رحلته، استعدادا لذلك اليوم المهيب، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. فالمسلم لا ينغمس في الحياة الدنيا وملذاتها، على حساب العمل للآخرة، لأنه يدرك أن الدنيا فانية، وأنها دار اختبار وليست دار قرار، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يرتدي خاتماً نُقش عليه "كفى بالموت واعظاً يا عمر".

يقول سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة متحدثاً عن صفات المتقين: ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، فالمتقون كما بينتهم الآيات: يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله، وكذلك يؤمنون بما أنزل على محمد ﷺ، وما أنزل على الرسل السابقين عليهم الصلاة والسلام، ثم هم يوقنون بالآخرة ويعملون لها، فكان خير وصف لواقعهم أنهم على هدى من ربهم، أي يسيرون بحسب ما أمر الله تعالى ملتزمين أوامره، ومجتنبين نواهيَه، وهذا هو الفلاح بعينه، الفوزُ في الدنيا والآخرة.

أيها الإخوة والأخوات:

لقد جعل الله سبحانه التقوى هي الحكمة والثمرة المرجوة من الصيام فقال سبحانه وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل لا بد من الامتثال لأمر الله سبحانه في جميع النواحي، فالصوم الحقيقي هو الصوم الذي تصوم فيه الجوارح عن كل ما حرم الله عز وجل، فيصوم القلب عن الكبر والحسد والغل والحقد، ويصوم اللسان عن الكذب وشهادة الزور والحلف الباطل والغيبة والنميمة والسب والشتم واللعن والقذف والسخرية والاستهزاء وكل آفات اللسان، وتصوم العين عن النظر المحرم، وتصوم الأذن عن سماع الباطل والمحرمات، واليد تصوم عن الرشوة وأذى الناس والاعتداء عليهم، والرجل تصوم عن المشي إلى الحرام وأماكن الفسق والفجور، والبطن تصوم عن أكل الحرام كما تصوم عن أكل الطعام والشراب.

والصائم كما امتثل لأمر الله فترك الطعام والشراب والشهوات، واجتهد في القربات من قراءة للقرآن وقيام لليل والذكر والاستغفار، فإنه عليه أيضاً الامتثال لأمر الله في جميع شؤون الحياة على الصعيد الفردي - كما بينا سابقاً -، وعلى صعيد الجماعة أيضاً فلا يقبل منه أن يسكت على انتشار المنكرات والفواحش في بلاد المسلمين، ولا يقبل منه أن يرى شرع الله معطلا ولا يسعى لتطبيقه في الأرض، ولا يقبل منه أن يرى دماء المسلمين وأعراضهم ومقدساتهم تنتهك ولا يحرك ساكناً، فذلك ينافي مفهوم التقوى جملة وتفصيلاً.

وختاماً فإني أدعوكم كما أدعو نفسي لاغتنام النفحات والفرص السانحات من الطاعات في رمضان، محققين ثمرته "التقوى"، مبتعدين عن كل ما يفسد علينا صيامنا وعباداتنا وطاعاتنا فيه، عاملين لإعزاز هذا الدين ونصرة المسلمين بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، حتى نفوز في الدارين بإذن الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

براءة مناصرة

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو