صدام الجيش مع حكومة حزب الشعب يدفع بالولايات المتحدة إلى تغيير عميلها القديم بأخر جديد!
December 29, 2011

صدام الجيش مع حكومة حزب الشعب يدفع بالولايات المتحدة إلى تغيير عميلها القديم بأخر جديد!

كما كان متوقعا، مع بدء مرحلة حملة التفاوض حول أفغانستان وباكستان، فإنّ الولايات المتحدة تعمل الآن على تغيير عميلها في باكستان، وهذا المخطط تعلمه الحكومة التي يقودها حزب الشعب الباكستاني، في صراع يتزايد باستمرار بين الجيش والحكومة، وأصبح الصدام واضحا بعد فضيحة "ميموجيت" والتي تم فيها نقل رسالة زرداري إلى الأدميرال مولين عبر القنوات الخلفية، حيث طلبت حكومة زرداري في المذكرة من أمريكا منع انقلاب محتمل في باكستان بعد "اغتيال" أسامة بن لادن وتقديم "تنازلات كبيرة" في الحرب على الإرهاب، والقضية النووية وتطبيع العلاقات مع الهند وغيرها.

هذه ليست المرة الأولى التي تغير فيها أمربكا عميلها القديم بآخر جديد، فكلما كانت ترى أن عميلها عاش أكثر من اللازم وأصبحت فائدته قليلة أو أنّ الرأي العام أصبح معاديا له إلى درجة أنّ هناك خطرا حقيقيا على مصالحها، كانت تقوم بتغيير الوجوه قبل أن تصل المطالب إلى تغيير النظام أو التغيير الجذري، ففي عام 1999 شهد الباكستانيون عميلا للولايات المتحدة، نواز شريف، وجرى استبداله فيما بعد بألعوبة من العسكر وجاء مشرف، وخلال الفترة ما بين عام 2008-2009 اضطرت الولايات المتحدة إلى قبول اتفاق لاقتسام السلطة بين مشرف وبنظير بوتو ومن ثم استبداله في النهاية بالديمقراطي الفاسد آصف علي زرداري، والآن مشيا على نفس النهج فإنّه عندما قارب تاريخ صلاحية زرداري على الانتهاء، وفي ظل أنّ المرحلة الآن في أفغانستان وباكستان هي مرحلة إستراتيجية المفاوضات وليست الحرب، فإنّ الولايات المتحدة تريد التخلص من زرداري وإحضار عميل جديد يكون أكثر ملاءمة للمفاوضات، ومن أجل تحقيق ذلك، فإنّ الولايات المتحدة تعتمد مرة أخرى على عملائها في القوات المسلحة، وكياني وباشا هما من يقودان هذه الحملة، ويجري حاليا استخدام فضيحة ميموجيت والقضية النووية لممارسة الضغط على نظام زرداري، وما يسمى بالقضاء المستقل بوصفه ذراعا حقيقيا للجيش هو الآخر بطاقة لتحقيق أهداف الولايات المتحدة، وهذه "المعاداة" دور يناسب كياني، حيث سيبدو كما وأنّه يعمل ضد مصالح الولايات المتحدة وأنها تراهن على حصان خاسر، زرداري، وهذا يساعد على بناء شخصية كياني بين صفوف الجيش من الذين كرهوه لتواطئه مع الولايات المتحدة في غارة أبوت أباد، فضلا عن هجوم حلف شمال الأطلسي الذي خلّف أكثر من 28 جنديا باكستانيا والعديد من الجرحى، كما أنّها تساعد كياني في تصوير نفسه أمام العامة بالمستقل والمناهض للولايات المتحدة الذي يمكنه جلب طالبان باكستان وطالبان أفغانستان إلى طاولة المفاوضات، بحيث يمكن أن توفر العملية السياسية تحقيق مكاسب عسكرية أمريكية في أفغانستان والمناطق القبلية، وقد ألمح جورج فريدمان في مقالته "ستراتفور" لهذه النقطة بالذات حيث قال: "إنّ الباكستانيين يستعدون للانسحاب الأمريكي علنا، فمن المهم بالنسبة لهم أن يبدو وكأنهم مستقلين، بل وحتى معاديين للأمريكيين، من أجل الحفاظ على مصداقيتهم المحلية، فلغاية الآن فإنهم يبدون في أعين الباكستانيين أذنابا لأمريكا... والاتهامات الأمريكية بأنّ الحكومة لم تتعاون مع الولايات المتحدة في محاربة الإسلاميين هي بالضبط ما تحتاجه المؤسسة الباكستانية من أجل الانتقال إلى المرحلة المقبلة ".


إنّ تحويل أفغانستان والمناطق القبلية إلى مناطق مستقرة، مع وجود القواعد العسكرية الأمريكية في أفغانستان وباكستان ونقاط تفتيش تابعة للجيش في المناطق القبلية، يسمح ذلك كله للشركات الأمريكية ببناء خطوط أنابيب مربحة للتدفق الحر للمواد الهيدروكربونية من خلال منطقة جوادار لبقية العالم، وبالتالي فإنّ مشرف وكياني قتلوا وشوهوا الآلاف من المسلمين وأوجدوا ملايين المشردين فقط لخدمة مصالح أمريكا، وبعد العملية العسكرية الأخيرة في كورام، المسماة "بمطاردة الساحرات" لطالبان باكستان فإنّ هذه العمليات وصلت إلى نهايتها، لأنّ الجيش قد بنى نقاط تفتيش في جميع أنحاء المناطق القبلية والتي كانت في السابق منطقة محظورة، وقد بدأت الولايات المتحدة في مرحلة التفاوض والتي تحتاج إلى دعم سياسي من عملاء الولايات المتحدة في القيادة السياسية في باكستان، ولا يمكن لزرداري أن يخدم هدف الولايات المتحدة هذا، لذلك هي بحاجة إلى وجه آخر لطالما دعا إلى المفاوضات ويعتبر ذو مصداقية أمام المسلمين وخصوصا في المنطقة القبلية، لهذا السبب فإنّ التفاوض مع طالبان لا يأتي بمثابة المفاجأة، حتى أنّ نائب الرئيس جو بايدن لا يعتبر طالبان عدوا لهم!


ومن أجل المرحلة الجديدة من المفاوضات فإنّ القيادة العسكرية العامة والمخابرات تخطط إلى إحضار لاعب الكريكيت الباكستاني عمران خان، وكل الوجوه الفاسدة عادت مرة أخرى إلى باكستان بعد أن كان محظور عليهم العودة من قبل وكالة الاستخبارات الباكستانية، وهذا هو السبب في تدني شعبية عمران خان بشكل حاد في أوساط الطبقة الوسطى المتعلمة والمواطنين الذين كانوا يأملون في رؤية تغيير حقيقي تحت قيادة "سياسي نظيف"، وأصبح نقد عمران خان لاذعا إلى درجة دفعته للقول بأنّه لا يمكن بناء فريق من الملائكة في بلد الفساد فيها ضارب أطنابه.!!


ولقد قلنا في حزب التحرير مرارا وتكرارا، بأنه لا يمكن إحداث التغيير من خلال النظام الفاسد، ففي العملية الديمقراطية فإنّ على المرء أن يعتمد على السياسيين الفاسدين للوصول إلى السلطة، وهؤلاء الساسة هم من يسنون القانون الذي لا يغير من الواقع الراهن في مجلس النواب، فعلى سبيل المثال فإنّه لا يوجد قانون لفرض الضرائب على القطاع الزراعي ليس لأن الضرائب محرمة بل لأنّ معظم ملاك الأراضي أعضاء في البرلمان.


لا يمكن أن يحدث التغيير الحقيقي إلا من خلال إتباع طريق المصطفى محمد عليه السلام، الأمر الذي يتطلب منا بناء الرأي العام من أجل تطبيق أحكام الإسلام والسعي لأخذ النصرة من أهل القوة والمنعة لاقتلاع الكفر وإقامة الخلافة الإسلامية، أما فكرة العمل لتنظيف النظام الفاسد من الداخل فهي فكرة سخيفة بالكلية، وخصوصا عندما يدعو إلى ذلك ذوو المناصب العليا الفاسدة.


نفيد بوت
الناطق الرسمي لحزب التحرير في باكستان

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار