December 26, 2014

سفينة النجاة في الحياة والممات


لقد عادت الخلافة في الآونة الأخيرة لِتُشكِّل محور الحديثِ في المنابرِ الإِعلاميَّة وفي نقاشاتِ الناس، فبعد الثوراتِ الأخيرةِ أصبحَ لنا مجالٌ أرحب للحديثِ في شتى المواضيع وخاصة التي كانت غامضةً لنا، فحالُنا كالأعمى الذي أبصر فجأةً بقدرة قادر لتختلط عليه الأمور في الوهلة الأولى ثمّ سرعان ما بدأت تتجلى شيئاً فشيئا.


لقد درسونا أنّ الخلافة هي استعمار العجم للعرب وأنَّها سيرك كبير يكون فيه الخليفةُ في مشهد فلكلوري مُحاطاً بالجواري والطَّعام وأن الرعيّةَ عبيدٌ عِنْده وخدمٌ لعائلته؛ نعم هكذا كُنَّا نخالُها للأسف. فقد كانت أفكارُنا رهينةً لمناهجهم العفِنة لكن سرعان ما عاد إلينا رُشدنا عندما بدأنا نتلمس خياناتِهم وتذلُلهم لسيِّدِهِم الغربي، فهُم بحق الجواري في حضرة ولي أمرهم الغربي - من يسمونهم زوراً وبهتاناً حكاماً للمسلمين -. إن ما تحتاجه الأمة اليوم هو تصحيح المفاهيم والمناهج لتميزَ الخبيث من الطيّب ولها في مصادرها المستوحاة من ربِّ البريَّة ما يكفيها مؤونة ذلك.


بيد أن الغرب الكافر وبعد أن دب الوعي في جسد الأمة وراحت تبحث عن الانعتاق من ربقته ونظامه الذي أذاقها الويلات وضنك العيش، لم يلبث أن طور في أساليبه القذرة من أجل حرف الأمة عن مسارها باستئناف العيش بالإسلام وصار مطلب الخلافة يقرع آذان أعداء الأُمّة ويهدد مصالحهم وعروشهم المُعوجّة.


وفجأة نسمع أنّ تنظيماً فوضوياً انتصبَ ليُعلن قيامَ خلافةٍ هكذا دون ضوابطَ شرعيةٍ ودون أن نعلم من الخليفة حتى، ولسان حال القوى الغربية - التي استغلت وحشية هذا التنظيم - يقول: ها هي الخلافة التي ترغبون في إقامتها طوال هذه السنين، هي أشبه بمجزرة كبيرة ومحرقة لصفوة شبابكم، في محاولة يائسة وبائسة من أجل تشويه وشيطنة الخلافة من جديد وهي التي لم تتوقف يوماً، لإدراكهم أنها الوحيدة التي ستنشر الحق وتُزهِق باطلهم وترميه في مكان سحيق.


إن واجب حملة الدعوة والعاملين المخلصين هو المضي قدما في إفهام الناس أسس هذه الدولة العظيمة وفي انسجامٍ تام معهم وبإقبالٍ منقطع النظير لإدراكهم أنها تاجُ الفروض ومبعث عز المسلمين، وأنَّها الحلّ الوحيد لكافة مشاكِلِهم بعد أن أنهكتنا شتى الأنظمة الوضعيَّة والتي واللهِ ما زادتنا إلا رهقاً وذُلًّا وانكساراً، وهم على ثقة بنصر الله وأن مكر أولئك هو يبور.


فكلما صعَّدوا من حربِهم ومارسوا علينا كل أنواعِ الإرهاب والتعذيبِ إلاَّ واقترب النّصر ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. فها هم حَمَلَةُ الدعوة يُقْتلون تارة ويُسجنون أخرى وذنبهم الوحيد هو السعي لتوحيد الأمّة الإسلاميَّة في ظلِّ نظامِ الخلافة حيث تكون فيه السيادة لشرع الله وَحْدَه - لا لمجالس تأسيسية شركية ولا لمجالس نيابية وثنية -، مُستظِلّةً برايةِ العُقاب راية رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم خلف إمامِ المُسلمينَ وقائِدِهم والذي قال فيه سيدنا عليه الصلاة والسلام: «الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ». وكم نحن في أمسِّ الحاجة لقائِدٍ يكون لنا جُنّة من أعدائنا الذين تكالبوا وتداعوا علينا كما تتداعى الأكَلَةُ على قصعِتها لا يرقبون فينا إلا ولا ذمة... وشِعارهم إنْ أطْعتُمُونا أضللناكم وإنْ عصيْتُمُونا قتلْناكُم، وخيْراتُكُم وثَرَواتُكم مِلكٌ لنا، نَنْهبُها كلَّ حينٍ دون حسيبٍ ولا رقيب.


إن الخلافة ليست مجهولةً عندنا بل هي بوضوح الشمسِ في رابعة النّهار؛ هي رئاسةٌ عامّةٌ للمسلمين جميعا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي وحمل الدعوة الإسلامية للعالم، وإقامتها فرضٌ على المسلمين كافة في جميع أقطار العالم. والقيام به كالقيام بأي فرض من فروض الله؛ هو أمرٌ محتّم لا تخيير فيه ولا هوادة في شأنه، فهي باختصارٍ قضية مصيرية وجب أن يتخذ حيالها إجراء الحياة أو الموت فإما أن تُقام أو نهلك دونها، والأدلة على ذلك عديدة ومستفيضة.


إن الخلافة نظامٌ متميز عن غيره من الأنظمة من ملكيةٍ وجمهوريةٍ وغيرها وهي عقد مراضاةٍ واختيار لأنها بيعةٌ بالطاعة لمن له حقّ الطّاعة من ولاية الأمر. أما الشروط الواجب توفرها في الخليفةِ فهي سبعة: أن يكون مسلماً، ذكراً، بالغاً، عاقلاً، عدلاً، حراً، قادراً من أهل الكفاية، كما أن طلبها والتنازع عليها جائزٌ لجميع المسلمين وليست من المكروهات ولم يرد أي نص في النهي عن ذلك، ولكن ما أوجبه الحكم الشرعيُّ أن يكون الخليفة واحداً فلا يجوز وجود خليفتين لا متفقيْن ولا مفترقيْن، ولنصْبِهِ حدد الشرع الطريقة التي يجري بها ذلك وهي ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة.


وعزل الخليفة ممكن إن تغيّر حاله في أمور ثلاثة؛ رِدتهُ عن الإسلام وإصراره عليها، وجنونه أو أسرُه أسرا ميئوساً فكاكُه منه.


هذا المُختَصرُ المفيدُ؛ لكل إنسانٍ مسلمٍ صادقٍ يرغب أن يتجسد فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.


فكيف ذلك وتاجُ الفروض - كما وصَفَها العلماء - معطلٌة وغائبٌة، فالواجب الالتحاق بسفينةِ الخلافة لنرسو على برَّ الأمان ليسود سُلطَانُ الإسلام فنَنْعم في الآخرة بالجنان ويرضى عنَّا الواحد الديّاَن.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
فراس الخبو - تونس

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو