شهر رمضان المبارك
May 12, 2019

شهر رمضان المبارك

شهر رمضان المبارك

قال الله تبارك وتعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أنزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].

إن عظمة شهر رمضان وبركته جاءت من اختيار الله تبارك وتعالى لينزل فيه الكتب السماوية كلها، وقد ختمها بالقرآن الكريم، فصيام رمضان طاعة لله وتعظيما لأمره ونهيه تبارك وتعالى، وحرصا على الالتزام بالقرآن الكريم، تلاوة وفهما وتدبرا، يفضي إلى الالتزام بحلاله وحرامه بتطبيقه وتنفيذه، امتنانا وامتثالا لأمر الله على القرآن الكريم، الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأنشأ الأمة الإسلامية وجعل لها شأنا عظيما، تزهو به على الناس، أنها تعبد الله الواحد الأحد الفرد الصمد.

وقال الله تبارك وتعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان: 1-6].

وهذه الليلة المباركة هي ليلة القدر، وهي ليلة من ليالي شهر رمضان، تكاد تكون أكرمها وأفضلها فهي ليلة عظيمة في شهر عظيم، وذلك باختيار الله تبارك وتعالى لها لبدء نزول القرآن الكريم فيها، وليلة القدر تستمر على الكرة الأرضية مع دورانها، من مطلع الشمس ومغيبها إلى أن يتم ليل ونهار ذلك اليوم.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 1-5].

وقال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. إن العقيدة الإسلامية ينبثق منها نظام ينظم حياة الإنسان، لا تنفصل الشريعة فيه عن الشعائر التعبدية، كلها نابعة من العقيدة الإسلامية، تدعو لعبادة الله الواحد القهار وإخلاص العبادة والطاعة والخضوع والاستسلام لأمره ونهيه وحسن عبادته، إن الصيام فرض والصلاة فرض وهي من الشعائر والحكم بما أنزل والقضاء فرض والسياسة والاقتصاد والبيع والشراء كلها تنظم بالشريعة الإسلامية، والالتزام بالشريعة والشعيرة، والقيام بها حق القيام طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم من المعلوم بالدين بالضرورة، وإن كانت الشعائر سبيلا لتحقيق التقوى، والتقوى محلها القلب وهي مخافة الله واتقاء غضبه وسخطه وعذابه وهذا لا يتحقق إلا باتباع أمره ونهيه وإقامة دينه باستئناف الحياة الإسلامية، بإقامة الدولة الإسلامية، التي تحكم بما أنزل الله، أي بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم والسنة الشريفة وما دلا عليه.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7]، وهذا يعني أن السيادة للشرع والسلطان للأمة بمعنى أن الذي يسير إرادة الأفراد والمجتمع هو الشرع الإسلامي، أي أن الشرع هو السيد الذي يقرر الأنظمة والقوانين التي يجب أن يتبعها الجميع وتشكل المجتمع، فالحاكم والمحكوم لا يستطيع أحد أياً كان الخروج على الأحكام الشرعية ويستبدل بها غيرها والحاكم ملتزم بتطبيق الشريعة الإسلامية على الناس وإلا فقد شرعيته، والمحكوم ملتزم بالانصياع للأحكام الشرعية والرضا بها، والسهر على تطبيقها، ومحاسبة الحاكم إذا تراخى أو أخذ غيرها، فلا يملك الحاكم أو المحكوم مخالفة ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن لم يتبع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا شرعية له ولا لحكمه مهما حمل من أسماء وأوصاف، والسلطان للأمة أي أن المسلمين يختارون من يحكمهم بحرّ إرادتهم لا جبرا عنهم أو خديعة لهم وتنطبق على أهليته الأحكام الشرعية.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ تقوى الله من الضمانات التي يذكر الله تبارك وتعالى المسلمين ويدعوهم للاتصاف والالتزام بها في كثير من الآيات الكريمة، ليجعل قلب المسلم حساسا شفافا مرهفا مخبتا طائعا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، منفذا لأمر الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون يعلمون أن الله تبارك وتعالى هو الآمر الناهي المتصرف في الحياة والكون والإنسان، المطّلع على أسرارهم الرحيم بهم، يدعوهم إلى اتقاء عذابه وسخطه وغضبه، بطاعته وتنفيذ أمره، بأخذهم ما أتاهم به الرسول صلى الله عليه وسلم، عن رضا وقبول، وقد آمنوا به وبما جاءهم به عن طوع دون إكراه أو جبرا عنهم، وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، وهو شر لهم في الدنيا والآخرة.

فالصيام سبيل لتحقيق التقوى في النفس والقلب، والجوارح تترجمها في واقع الحياة العملية بإقامة دين الله وتطبيق شرعه، وتنظيم شؤون حياة المسلمين، وسائر الناس بالشريعة الإسلامية.

فالمقصود من الصيام ليس الامتناع عن الطعام والشراب، بل لتحقيق التقوى التي توقظ القلوب، وتنشط النفس لإخلاص العمل بطاعة الله وحسن عبادته، التي تظهر في عمل الجوارح، والسلوك والمعاملات في واقع الحياة، وتنظيم شؤون حياة الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

شهر رمضان شهر الرحمة والبركة، شهر الخير والتوبة والمغفرة، شهر رمضان المبارك، شهر يحاسب المسلم نفسه، فيتوب عن ذنب اقترفه، أو تقصير عليه جبره قبل فوات الأوان، خسر من دخل عليه رمضان ولم يتعظ بغيره فيتوب ويتقي ربه، عن أبي هريره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا، قَدْ حُرِمَ» رواه أحمد.

شهر رمضان شهر الصيام والقيام شهر الصلاة وشهر قراءة القرآن لمن لا يقرأ القرآن في أيام السنة الماضية جعل الله له شهر رمضان ليجتهد ويعوض ما فاته، وجعل لمن تراخى عن قراءة القرآن والصلاة والدعاء في شهر رمضان، ليلة القدر ليقومها إيمانا واحتسابا ليعوض ما فاته، والله أعلم.

وعلى أهمية الشعائر التعبدية فإنها لا تكفي لوحدها، فالإسلام لا يتجزأ، ويجب أخذه كله جميعا وحدة واحدة الشريعة والشعيرة كلها تنبثق من العقيدة الإسلامية التي تحدد غاية الخلق. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]

إن وظيفة الجن والإنس في الحياة هي عبادة الله تبارك وتعالى، بالانصياع لأمر الله سبحانه ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، بتنظيم حياتهم بشرع الله، وتنفيذ أمره ونهيه بإقامة المجتمع الإسلامي الرشيد، الذي تحكمه العقيدة الإسلامية، بكتاب الله وسنة رسوله، بتنظيم شؤون حياة الناس بالعدل والإنصاف وتحقيق مصالحهم وحفظ أمنهم ورعاية شؤونهم، بالشريعة الإسلامية.

والعبادة لا تقتصر على الشعائر المعروفة من صلاة وصوم وزكاة وحج، إنما تشمل حياة الإنسان كلها، من المهد إلى اللحد، كل حركاته ونشاطه في الحياة، إن كانت الشعائر التعبدية أو الأعمال الدنيوية، من تجارة وبيع وشراء، وسياسة وحكم وقضاء، وزواج وطلاق، وسلوك وأخلاق ومعاملات، وجهاد في سبيل الله، والصبر على الشدائد والمحن، وتعمير الأرض، كل ذلك بالالتزام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتطبيق شرعه وتنفيذ أمره ونهيه. وإلا كان في حق المسلم الذي يفصل بين الشريعة والشعيرة قول الله تبارك وتعالى على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم في سورة الفرقان قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان: 30].

إن قومي هجروا القرآن الكريم، ولم يتدبروه ويطبقوا أحكامه، وينفذوا أمره وينتهوا عن نهيه، وينظموا شؤون حياة الناس بما أتاهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتاب الله وسنة رسوله وما دلا عليه.

ربنا اغفر لنا ذنوبنا وارحمنا وارحم والدينا واعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار وارحم المسلمين والمسلمات المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع الدعاء... وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إبراهيم سلامة

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو