July 05, 2011

شرعية الحاكم

قام المسلمون في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي بثورات عظيمة مباركة ضد الحكام والأنظمة الجاثمة على صدورهم عقوداً طويلة. وما زلنا نشهد استمرار هذه الثورات وانتقالها من مكان إلى آخر، وبزخم أكبر رغم محاولات الأنظمة وقفها ومنع استمرارها. فها هو حاكم ليبيا بعد أن رأى ما حصل في تونس ومصر أخذ يقتل الناس ويقصفهم، ويدمّر المدن والقرى، ولسان حاله يقول « أنا ومن بعدي الطوفان». فالقتل والتجويع لكل من يخالف أو يحاسب أو يطالب بشيء. وها هو سليل النصيريّين في سوريا بعد أن أرسل ودعم القذافي بالسلاح والرجال، يقتل الناس دونما رحمة أو شفقة سائراً في ذلك على درب أبيه من قبل في قتل الناس في حماة وتدمر. ويرسل «شَبّيحته» تضرب الناس وترهبهم وتقتلهم. وها هم المسلمون في اليمن يخرجون بالملايين مُطالبين «الطالح» بالتنحي والرحيل، فيرد عليهم بالقتل والخطب المخزية.

والناظر في مطالب الناس يرى أنها تَنصبُّ على حقهم في اختيار حكامهم ومعاقبة السارقين والناهبين للمال العام، ومحاسبة بعض رؤوس الأنظمة على جرائمهم، مع أن المطلب العام لجميع الناس هو التغيير. والمدقق لأحوال الناس وأوضاعهم يرى أن التغيير الحقيقي يكون بتغيير أوضاعهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويكون بتغيير طراز عيشهم وحياتهم. وهذا التغيير لا يتم إلا بتبني أفكار ومفاهيم ينبثق عنها معالجات وتشريعات تعالج مشاكل الناس. وهذه الأفكار والمعالجات والتشريعات لا تكون إلا من عند الله عز وجل كالإسلام أو من عند البشر كالنظام الرأسمالي.

وقد جاء الإسلام ليضمن عيش الإنسان في ظل حياة كريمة يُحافظ فيها على النفس والعقل والمال والعرض والكرامة. وكل هذا يحتاجه المسلمون ويدعوهم للمطالبة بالتغيير. وقد جاء الإسلام بتشريعات شملت كل جوانب حياة الإنسان. فهناك نظام حكم متكامل يحدد العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم، ويحدد أركان وأجهزة الدولة، وصلاحيات ومهام كل جهاز. وهناك نظام اقتصادي يقوم على العدل في توزيع الثروة، ويحدد كيفية الحصول على المال وكيفية نفقته، ويمنع كنز المال وحصره في يد فئة قليلة من الناس. وهناك نظام اجتماعي يقوم على تحديد علاقة المرأة بالرجل وما ينتج عنها من زواج أو طلاق أو اجتماع أو اختلاط أو لباس. وهناك نظام تعليمي يقوم على أساس إنتاج شخصيات ذات ثقافة إسلامية وذات علوم مدنية قادرة على الاختراع والاكتشاف والتقدم المدني. وهناك نظام صحي يقوم على رعاية الناس وتقديم أفضل الخدمات الصحية والطبية المجانية دون انتظار أشهر أو سنوات للحصول عليها. وهكذا في كل شأن من شؤون الحياة تجد الإسلام قد وضع الحلول المناسبة بما يكفل عيش الناس بأمان وطمأنينة.

وقد أشكل على الناس في الوقت الحاضر مسألة اختيار الحاكم أو انتخاب المسئولين والممثلين عنهم، ونظروا إلى الديمقراطية فرأوا أنها تجعل انتخاب الحاكم أو الرئيس من قبل الناس شرطاً لتولي صلاحياته، فرأوا ألا بأس بالقبول بالديمقراطية -ولو في بداية الأمر- ما دامت تضمن حق الانتخاب الذي مُنع منه المسلمون عقوداً طويلة. وحتى يُزال هذا الإشكال فدعونا ننظر إلى واقع الحاكم أو الخليفة في الإسلام.

إنّ نظام الحكم في الإسلام قائم على أربعة قواعد، أولها أنّ السيادة للشرع أي أن الذي يسيّر إرادة الفرد والأمة أوامر الله ونواهيه، وثانيها أنّ السلطان للأمة، أي أن الأمة هي التي تختار بإرادتها دون إكراه أو إجبار من يحكمها بالشرع، وثالثها أن تنصيب خليفة واحد فرض على المسلمين، ويأثم المسلمون بفراغ وشغور هذا المنصب، ورابعها أن للخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية. ولما كانت الأمة هي التي تختار حاكمها، فقد جعل الإسلام أسلوب اختيار الخليفة متعدداً ومختلفاً كما حصل مع الخلفاء الراشدين على مرأى ومسمع من الصحابة رضوان الله عليهم. وقد أباح الإسلام أسلوب الانتخاب للخليفة حيث لا يعدو أكثر من أسلوب لمعرفة رأي الأكثرية في رغبتهم فيمن يحكمهم. فأسلوب الانتخاب لا يختص بمبدأ أو بنظام معين، بل يمكن استعماله واستخدامه في أيّ زمان ومكان. والخليفة لا يصبح حاكماً إلا بعد مبايعة الأمة له - بالرضا والاختيار- على الحكم بالإسلام. وقد وضع الإسلام شروطاً معينة من أجل انعقاد البيعة للخليفة، منها الإسلام والذكورة والعدالة والبلوغ والعقل والحرية والقدرة على القيام بأعباء الخلافة وبتسيير أمور الحكم. وأمر الخليفة برعاية مصالح الناس والقيام على معالجة مشاكلهم، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته. وأمر الإسلام بطاعة الخليفة في السر والعلن ما لم يأمر بمعصية، وجعل «أمر الإمام نافذ ظاهراً وباطناً». وقد أمر الإسلام بمحاسبة الحاكم إن خالف أيّاً من أحكام الإسلام.

وقد أوجب الإسلام عزل الخليفة -مع وجوب طاعته- عن طريق محكمة المظالم، إن حصل أحد الأمور التالية: (1) أن تُجرح عدالته بأن يصبح ظاهر الفسق، (2) أن يتحول إلى أنثى أو خنثى، (3) أن يُجنّ جنوناً غير مُطبق بأن يجنّ أحياناً ويصحو أحياناً، (4) العجز عن القيام بأعباء الخلافة، (5) القهر الذي يجعله عاجزاً عن التصرف بمصالح المسلمين وفق رأيه، كأن يتسلط عليه أحد أفراد حاشيته، أو أحد أفراد عائلته كزوجته أو إخوته، أو أن يقع تحت الأسر في يد عدو إما بالفعل أو بوقوعه تحت تسلط عدوه.

وأوجب الإسلام عزل الخليفة وعدم طاعته إن حصل أحد الأمور التالية التي تُخرجه عن الخلافة وتفسخ عقدها: (1) الارتداد عن الإسلام، (2) الجنون المُطْبق الذي لا يصحو منه، (3) الوقوع في يد عدو قاهر لا يُؤمل الخلاص منه.

والناظر في حكام المسلمين اليوم يجد أنهم قد اغتصبوا السلطان والحكم من المسلمين، ولم يُنتخبوا ويُبايَعوا من قبل المسلمين بالرضا والاختيار على الحكم بالإسلام، فلا تجب طاعتهم. وكذلك نجد لو أنهم بويعوا من قبل الأمة، فإن توفر شروط عزلهم وتغييرهم قد انطبقت عليهم جميعاً. فكلهم غير عدول قد أظهروا الفسق، بل وقد ظهر الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله عز وجل برهان. وكلهم عاجز عن التصرف بأعباء الحكم بنفسه: فإما زوجة مُتحكِّمة أو عائلة مُتنفِّذة، وجميعهم واقع تحت تَسلُّط الأعداء فهم ينفذون رغبات ومصالح أسيادهم في الغرب.

إنّ المسلمين مُطالبون بتغيير أوضاعهم تغييراً صحيحاً يُرضي الله عز وجل عنهم، تغييراً يرفع الضيم والظلم والقهر الذي عايشوه طويلاً، تغييراً يأتيهم بسلطان يحبهم ويحبونه، يعطف على ضعيفهم ويحنو على صغيرهم. يحثو المال ولا يسرقه، يوزع الثروات بالعدل وعدم المحاباة فيعم الخير بقاع المسلمين. ويحمل الإسلام إلى غير المسلمين فيخرجهم من الضيق إلى السعة والرحمة، ومن الظلم إلى العدل والطمأنينة، ومن الشقاء إلى السعادة. ويخرج الناس من استعباد بعضهم لبعض، ويعيد للإنسان كرامته بعد هذا الامتهان الطويل لها. ألا إنّ رياح التغيير قادمة بإذن الله، وإنّ نسمات الخلافة لأقرب من الفجر القادم، وما ذلك على الله بعزيز.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير

 الأستاذ أبو هيثم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم null

كلما ذكرت الخلافة وفرضيتها كنظام للحكم، انبرى العديد من المضبوعين بالفكر الغربي للهجوم على الخلافة من باب أن السلطات فيها مركزة في يد شخص واحد, وهذا ما يجعله مستبدا. ولقد انطلق الفكر الغربي في بلورته لمبدأ الفصل بين السلطات من رغبته في منع الاستبداد لكي توقف كل سلطة السلطة الأخرى وتمنعها من الطغيان.وقد أكد مونتسكيو أن الحرية تفقد معناها حين تتركز السلطة التنفيذية والتشريعية في يد شخص واحد.

وقد اعتبر كثير من المفكرين السياسيين المسلمين المعاصرين أن هذا الفصل لا يتنافى مع الفكر السياسي الإسلامي، نظرا لتغير الظروف البيئية, ومن منطلق المصلحة- حسب رأيهم- برغم اعترافهم أن مبدأ الفصل بين السلطات لم يكن مأخوذا به في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين الذين جمعوا السلطات الثلاث.

والواقع أن مشكلة الاستبداد لم تنشأ لوجود مشكلة تركز السلطات, وإنما وجدت أساسا لانعدام القواعد الشرعية الثابتة في الفكر الغربي، بل إن القواعد التي فيه تعطي العقل السلطة في التشريع, ومن المعلوم أن ما ينتجه العقل من أحكام لا يتصف بالثبات, وإنما هو عرضة للتغيير والتبديل من وقت لآخر. أما الشريعة الإسلامية فقد جاءت بأنظمة وتشريعات ثابتة لكافة جوانب الحياة ومنعت الحاكم من تجاوزها مطلقا, وأكدت أن تجاوزها يؤدي إلى خروج الحاكم عن الإطار الإسلامي المتضمن للشرعية مما يستلزم "عدم الطاعة" للحاكم الجائر في المعصية, ويستلزم النصيحة له, أو الخروج عليه إذا تحققت الشروط المؤدية الى ذلك من كفر بواح, فضلا عما نصت عليه الشريعة من حقوق الرعية في محاسبة الحاكم وإنكار المنكر.

وإننا إذا استعرضنا واقع النظام الغربي فإننا نلحظ أنه باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية التي نرى فيها هذا الفصل بين السلطات, نجد دولا أخرى كسويسرا تأخذ بمبدأ دمج السلطات. كما يمكننا أن نرى دول أخرى كإنجلترا تقيم تعاونا بين السلطات. ولذلك فمبدأ الفصل بين السلطات لا يعد قاعدة لبناء حكم ديمقراطي بعكس ما يتوهمه المضبوعون بالغرب الذين لا يرون أي تناقض بين الديمقراطية والإسلام. وبنظرة بسيطة للممارسات السياسية في الدول الديمقراطية نلاحظ هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، فالبرلمان رهين بالموافقة على برنامج الحكومة التي تأتي ومعها مجلسها التشريعي الذي يرتبط بتأييدها.

إن إقامة هيئة مستقلة تتولى التشريع وسن القوانين مخالف لإجماع الصحابة على حصر سلطة تبني التشريعات في الخليفة , وأن له وحده الحق في إلزام الرعية بالأحكام الشرعية التي يتبناها من المصادر الشرعية, والإلزام بالقوانين الإجرائية التي تحقق مصلحة الدولة والرعية بما لايخالف الشرع, نحو القوانين التي سنها أبوبكر وعمر رضي الله عنهما بشأن العطاء ووقف الأراضي الخراجية, وما سنه عثمان رضي الله عنه من الإلزام بكتابة المصاحف بلغة قريش "فالإمام راع وهو مسؤل عن رعيته".

ولقد راعى الشارع واقع كون الخليفة شخصا غير معصوم قد يضعف عنده الوازع الديني ما يؤدي إلى الاستبداد. ولهذا جاء الإسلام بأحكام وضوابط شرعية تعالج هذا الواقع وتحول دون حصول إساءة التطبيق أبرزها ما يلي:


1-إن الحاكم في الإسلام ليس منشأ للأحكام ابتداء وإنما هو متبنٍّ لها. ولهذا فإن مسألة التشريع تعد محسومة سلفا في النظام السياسي الإسلامي، بخلاف الأنظمة الوضعية التي لا يستند التشريع فيها إلى قواعد وأحكام ثابتة مما قد يؤدي إلى استغلال سلطة التشريع لتبرير استبداد الحاكم أو تركيز سلطة أفراد أو طبقة معينة في الحكم, ولقد رأينا كيف يتدخل الحكام في سن التشريعات في الأنظمة المعاصرة لما يوافق هواها, وكيف يمكن لها تغيير الدستور لتقوم بتمديد فترة حكمها, أو توريث أحد أبنائها.

2-الخليفة ملزم بالتقيد بالشرع في كل أمر عند سن القانون, كما أن طاعة الحاكم في الدولة الإسلامية مقيدة بالتزامه بالشرع وعدم الخروج عليه. ولهذا فإن سيادة الشرع في الدولة الإسلامية تعتبر ضمانا لمنع الاستبداد السياسي وإستغلال التشريع كأداة للسيطرة السياسية.

3- القوانين الإجرائية في الدولة الإسلامية مقيدة بعدم مخالفة الشريعة, فليس للدولة مثلا إلزام الناس بقانون يمنع تعدد الزوجات أو الطلاق أو منع زواج المسلم للمسلمة بسب الانتساب القبلي أو الإقليمي, فهذا ليس من تنظيم المباح الذي أعطي للخليفة حق تنظيمه, وإنما هو في حقيقته تحريم لما أحل الله.

4-حق الأمة في محاسبة الحاكم انطلاقا من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله", وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره". كما أن وجود الأحزاب الإسلامية في الدولة التي تراقب عمل الحكام وتأخذ على أيديهم وتأطرهم على الحق أطرا ضمانة أخرى تمنع الاستبداد.

5-أشار الفقهاء إلى الجهة المنوط بها التأكد من شرعية القوانين ومحاسبة الحاكم إن هو قصر في أداء مهامه وهي محكمة المظالم استنادا إلى قول الحق سبحانه وتعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً" أي أن الإسلام يوجب وجود هيئة قضائية عليا في الدولة تتكفل بمراقبة الحكام للتأكد من حسن تطبيق الإسلام ومنع أي مظهر من مظاهر الاستبداد.


بهذا يتبين لنا أن النظام الإسلامي هو نظام يملك الضمانات الكافية لمنع الاستبداد, وهو فوق ذلك أعظم نظام عرفته البشرية لأنه من عند العليم الخبير الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلحه, قال تعالى "آلا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير".

شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية مصر

دولة الخلافة ليست دولة مدنية ولا دولة دينية بل دولة إسلامية


يسود في هذه الأيام سجال بين التيارات الفكرية المختلفة وعلى رأسها الإسلامية، حول ما هي طبيعة الدولة التي يجب ان تحكم المجتمعات الإسلامية، هل هي دولة مدنية أو دولة دينية، ولأن المسألة أصبحت محسومة عند كثير من التيارات وخاصة الإسلامية، كان لابد من توضيح ماهية هذه المصطلحات، وتوضيح واقع الدولة الإسلامية، هل هي دينية أم مدنية؟ وحتى لا نطيل في بحث هذا الموضوع سوف أركز على أهم النقاط.


أولا: هذه المصطلحات واعني هنا مصطلح الدولة الدينية والدولة المدنية، لا تعنينا نحن المسلمين، لأنها مصطلحات غربية تخص غير المسلمين، فالدولة الدينية هي الدولة الكهنوتية أو الثيوقراطية، والتي كانت موجودة في اوروبا في العصور الوسطى عصور الظلام بالنسبة للغرب، وكان يحكمها الباباوات باسم الحق الإلهي او التفويض الإلهي، اذ كان هؤلاء الباباوات يعتبرون أنفسهم متصلين مباشرة مع الإله دون واسطة، لذلك انتشر الجهل والفقر والظلم والحرمان في المجتمعات التي حكمتها الكنيسة لقرون طويلة، وبقيت كذلك إلى أن قامت الثورات وفصلت الدين عن الحياة، وأوجدت عقيدة الحل الوسط بين رجال الدين ورجال السياسة، فأوجدت السلطة الروحية المتمثلة برجال الدين، ومكانهم في الكنيسة، وأوجدت السلطة الزمنية لرجال السياسة ومكانهم في الحكم والدولة، ومن هنا وجد ما يسمى بالدولة العلمانية التي تقصي الدين عن الحياة، وتقوم على فصل الدين عن الحياة والدولة والمجتمع، هذا باختصار شديد مفهوم الدولة الدينية والدولة العلمانية، ولأن كلمة العلمانية قد ارتبطت في أذهان المسلمين بالكفر والزندقة، فقد استخدم بعض مفكري التيارات غير الإسلامية في البلاد الإسلامية بدلا عنها مصطلح الدولة المدنية، كي يكون أكثر قبولا من العلمانية، وقد انطلى هذا التحايل على كثير من رواد الحركات والأحزاب والجماعات الإسلامية، الى أن وصل الأمر في بعض هذه الحركات إلى تبني هذا المصطلح، والذي هو في الأساس يقابل عسكرة الدولة أي الدولة التي يقودها العسكر، فالدولة التي تحكم من قبل الجنرالات تسمى دولة عسكرية، والدولة التي تحكم من قبل رجال السياسة المدنيين تسمى دولة مدنية، لكن هؤلاء قد محوروا هذا المعني إلى معنى الدولة العلمانية اللادينية، وبهذا يتبين لنا أن هذه المصطلحات غير موجودة في القاموس الإسلامي، ولم تستخدم من قبل حكام المسلمين الذين حكموا بالإسلام طوال ثلاثة عشر قرنا.


ثانيا: دولة الخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين في الدنيا، حكامها بشر؛ يحكمون فيها بشرا مثلَهم، ويطبقون فيها أنظمة وقوانين معدة للتطبيق على البشر، تشتمل احكاما عامة تطبق على كل من يحمل تابعية الدولة دون تمييز، بغض النظر عن الدين او اللون او اللغة او غير ذلك، لكن الفرق بينها وبين الأنظمة والقوانين في الدول الأخرى، أنّ هذه الأنظمة والقوانين والأحكام مأخوذة من الكتاب والسنة وما أرشدا اليهما من إجماع صحابة وقياس فقط، أي انها مأخوذة من عند رب البشر، والأنظمة والقوانين والأحكام عند غيرها من الدول مأخوذة من البشر.


ثالثا: المسلمون ملزمون بأخذ الإسلام كاملا، ومعلوم أنّ الإسلام هو عقيدة ينبثق عنها أنظمة تشمل جميع مناحي الحياة والدولة والمجتمع، وتنظم علاقات الإنسان مع نفسه ومع ربه ومع غيره من بني البشر، ولا يجوز لهم أخذ الأنظمة والأحكام من غير الإسلام لقوله تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } ولقوله { أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } وغيرها الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، فلا يجوز لنا أن نحكم بغير الإسلام بل لا يجوز لنا أن نأخذ بعضه ونترك بعضه لقوله تعالى: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ }، ومصادر هذه الأحكام هي الوحي.


رابعا: معلوم من الدين بالضرورة أنّ الكتاب والسنة هما من الوحي، فالكتاب لفظا ومعنى من الله، والسنة معنى لا لفظا من الله، ولم يقل احد أن السنة هي فقط الأقوال دون الأفعال، وإذا كان الأمر كذلك فيجب الالتزام بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ووجوب التأسي والإتباع له، لقوله تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } وقوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر }، ورجاء الله واليوم الآخر هي قرينة على وجوب الإتباع، وقد كانت له أفعال وأقوال في الأحكام المتعلقة بالأفراد، وكانت له كذلك أفعال وأقوال في علاقات الحاكم - بصفته الدولة- مع الدول الأخرى ومع الأفراد، وله أقوال وأفعال متعلقة بالمعاونين والولاة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "... وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر" وأيضا من إرساله ولاة على الأمصار، كما أرسل معاذا وعليا، فكيف يصح أن يأخذ المسلمون بعض أحكامه ويتخلوا عن بعضها، يأخذون ما وافق هواهم ويتركون ما خالفه، { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّ الله قد نهى نهيا جازما عن إتباع الهوى في التشريع، بقوله تعالى: { وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك }، وكيف نفعل بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذ شيء ليس من مطلق البشر فحسب، بل حتى من أهل الكتاب فقد روى الإمام أحمد : عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال: فغضب وقال: [ أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ] وقال الإمام أحمد: عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا قال: فسري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال : [والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين] تفسير ابن كثير [ جزء 2 - صفحة 613، وكذلك لم ينقل أحد حتى برواية ضعيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ عن الفرس أو الروم نظام حكمهم أو جزءا ولو يسيرا منهم، قال تعالى: { ثمّ جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون }، فوصف أخذ غير أحكام الشريعة باتباع أهواء الذين لا يعلمون، وكذلك أمر في حالة التنازع بين الحكام والرعية برده إلى الله والرسول أي إلى الكتاب والسنة وليس الى أهواء البشر، قال تعالى: { يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر }، والحكام هم ولاة الأمر الشرعيين، وليسوا مغتصبي السلطة.


وفي المحصلة بماذا يصف من يطالب بالدولة المدنية من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوس الناس في الدولة، ويطبق فيها نظام حكم واقتصاد وسياسة خارجية وغيرها من الأنظمة؟! ومن هم ولاة الأمر الذين ذكروا في القرآن والسنة؟! وبماذا يسمون أبا بكر وعمر وعثمان وعلي عندما كانوا يحكمون الناس؟! فإذا كان هؤلاء ليسوا حكاما مسلمين فماذا يكونون إذن؟! وهل استطاعوا أن يوجدوا هم هذا النظام المتميز في الحكم والاقتصاد والسياسات المختلفة وغيرها؟! ما لهؤلاء الذين يفترون على الله الكذب لا يكادون يفقهون حديثا!!.


وكيف يقبل بشر أن يأخذ بتشريع بشر، ونحن نرى أن الثورات قامت على تشريعات البشر، فكيف يقبلون استبدالها بتشريعات بشر أيضا، { أفحكم الجاهلية يبغون } ومعلوم أن من يشرع من البشر يشرع حسب أهوائه ومصالحه، واتخاذ البشر مشرعين من دون الله هو اتخاذهم آلهة يعبدون من دون الله، كما قال تعالى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله }، رُوِيَ عَنْ عُدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لِي: "يَا عُدَيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ"، فَطَرَحْتُهُ ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأ:( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله(حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، قُلْتُ لَهُ : إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُم، فَقَالَ : " أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ " ؟ قَالَ قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : " فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ "


والنتيجة أنّ العقيدة الإسلامية كما ينبثق عنها أحكام العبادات، ينبثق عنها أيضا نظام حكم ونظام اقتصاد ونظام سياسة خارجية وجميع أنظمة الحياة والدولة والمجتمع، طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم عمليا، في الدولة الإسلامية الأولى التي أقامها في المدينة، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون من بعده، واستمر هذا التطبيق لهذه الأنظمة في جميع عصور الدولة الإسلامية حتى إلغائها من قبل مجرم هذا العصر مصطفى كمال أتاتورك في مطلع القرن الماضي، وما حدث من بعض الإساءات في التطبيق لم يخرج الدولة عن كونها دولة إسلامية، بل بقيت تستمد أحكامها وأنظمتها وقوانينها من الإسلام، وكان الإسلام هو المصدر الوحيد للدولة الإسلامية في جميع تشريعاتها وأنظمتها وأحكامها، ولم يُنقل أن حكما واحدا أخذ من غير الإسلام، وها هي كتب الفقه وهي التي تمثل الثروة التشريعية للأمة الإسلامية والدولة الإسلامية زاخرة بالأحكام المستنبطة من أدلتها التفصيلية، ولمن أراد الإطلاع على تفاصيل أنظمة الحكم والاقتصاد وغيرها فعليه بالرجوع إلى كتب حزب التحرير التي أفرد لها كتبا خاصة بكل نظام، وضعها نتيجة استقراء واستنباط للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ومما ارشدا اليه من قياس وإجماع صحابة فقط، والسنة تشمل السنة القولية والسنة الفعلية وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حدد أربع قواعد للحكم هي:


1- السيادة للشرع وليست للشعب أو للأمة، ودليلها قوله تعالى { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم }.
2- السلطان أي الحكم للآمة، ودليله "بايعْنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره".
3- نصب خليفة واحد فرض على المسلمين، " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما".
4- للخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية، "أمر الإمام يرفع الخلاف"


وبهذا يتبين لنا أنّ دولة الخلافة هي دولة بشرية تستمد أحكامها من الإسلام فقط، وبالتالي فهي ليست دولة مدنية او علمانية وكذلك ليست دولة دينية او كهنوتية.


أحمد أبو قدوم