شرح مواد النظام الاقتصادي في الإسلام (ح19)- من منشورات حزب التحرير - شرح المادة (144)
August 05, 2009

شرح مواد النظام الاقتصادي في الإسلام (ح19)- من منشورات حزب التحرير - شرح المادة (144)

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

نص المادة (144):

( تجبى الجزية من الذميين, وتؤخذ على الرجال البالغين بقدر ما يحتملونها, ولا تؤخذ على النساء ولا على الأولاد).

عرفت الجزية بأنها: هي حق أوصل الله المسلمين اليه من الكفار, خضوعا منهم لحكم الإسلام, ويلتزم المسلمون للكفار الذين يعطون الجزية بالكف عنهم, والحماية لهم, ليكونوا بالكف آمنين, وبالحماية محروسين. ودليل الجزية في الكتاب والسنة.

أما الكتاب: فقد قال سبحانه وتعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }التوبة29.

وأما السنة: (فقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام، فمن أسلم قُبل منه, وإلا ضربت عليه الجزية في أن لا تؤكل له ذبيحة ولا تنكح له امرأة)، وتؤخذ على القادر من أهل الكتاب أي من اليهود والنصارى بدليل الآية السابقة (مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) عربا كانوا أم غير عرب, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذها من يهود اليمن ومن نصارى نجران, وفي الحديث عن عروة بن الزبير قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا إلى أهل اليمن: (....ومن كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا يفتن عنها وعليه الجزية)، وعن أبن شهاب قال: (أول من أعطى الجزية أهل نجران, وكانوا نصارى) وأخذها أبو بكر من نصارى الحيرة وكانوا عربا, كما أخذها عمر من نصارى الشام من عرب وعجم .

وتؤخذ كذلك من غير أهل الكتاب من الصابئة والمجوس والهندوس والشيوعيين وأمثالهم, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذها من مجوس هجر, عن الحسن بن محمد قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام, فمن أسلم قُبل منه, ومن لا, ضربت عليه الجزية في أن لا تؤكل له ذبيحة ولا تنكح له إمراة, كما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) رواه مالك .

أما العرب من عبدة الأوثان: فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام, وإلا فالسيف, لقوله تعالى: {... فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ...}التوبة5، وقوله سبحانه: {....سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ...}الفتح16، وكان هذا عام تبوك في السنة التاسعة للهجرة, وفيها نزلت سورة براءة, التي أوجبت الجزية على أهل الكتاب, وقتل المشركين من العرب من عبدة الأوثان، وقد انتهى وجودهم منذ السنة العاشرة للهجرة.

أما الأشخاص أو الفئات التي كانت مسلمة وارتدت عن الإسلام وهي موجودة اليوم في بلاد المسلمين, فإنه ينظر, فإن كانوا قد ولدوا من المرتدين, ولم يرتدوا هم أنفسهم, وإنما الذي ارتد آباؤهم أو أجدادهم أو أجداد أجدادهم, مثل الدروز والبهائيين والإسماعيليين والنصيرين الذين يؤلهون عليا كرم الله وجهه, فإنهم لايعاملون معاملة المرتدين, بل يعاملون معاملة المجوس والصابئة, فتضرب عليهم الجزية ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم, إلا إن جددوا إسلامهم ودخلوا في الإسلام. أما إن ارتدوا هم عن الإسلام ,كأن تحولوا إلى اليهودية أو النصرانية أو الشيوعية, أو إلى أية فكرة تنكر أن الإسلام دين منزل من عند الله, وتنكر أن محمدا رسول الله, اوتنكر أن الإسلام واجب التطبيق أو تنكر السنة أو غير ذلك مما يخرجهم عن الإسلام ,فإنهم يعاملون معاملة المرتدين سواء بسواء.

تؤخذ الجزية من الرجال العقلاء البالغين, ولا تؤخذ منصبي ولا مجنون ولا امرأة، فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذا إلى اليمن (أمره أن يأخذ من كل حالم دينار ) رواه أبو داود .

وكتب عمر إلى أمراء الأجناد (أن يضربوا الجزية ولا يضربوها على النساء والصبيان, ولا يضربوها إلا على من جرت عليه الموسى) أي البالغين, رواه أبو عبيد, فإذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون, وجب عليه الجزية, وتجب على الرهبان في أديرتهم ,وعلى أهل الصوامع وعلى المرضى وعلى العمى والشيوخ، إن كانوا من أهل اليسار, فآية الجزية تشملهم, أما إن كانوا فقراء فتسقط عنهم الجزية لقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) البقرة 286, وروى أبو يوسف وأبو عبيد عن عمر بن الخطاب (أنه مر بشيخ من أهل الذمة يسأل أبواب الناس, فقال له ما ألجأك إلى ما أرى؟

قال الجزية والسن والحاجة, فقال له عمر: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شيبتك ثم ضيعناك في كبرك ) وأخذه إلى بيته, وأعطاه ما يقيته, ثم أرسله إلى خازن بيت المال, وأمره أن يسقط عنه الجزية, وأن يعطيه من بيت المال من غير الزكاة.

وتسقط الجزية عند إسلام الشخص, سواء أسلم في أول الحول أم في منتصفه أم في منتصفه أم بعد انقضائه, لقوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ ..... }الأنفال38، ولما روي أبن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس على مسلم جزية)، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( الإسلام يجب ما كان قبله) رواه أحمد, وإذا كان الإسلام يهدم ما قبله من الشرك والكفر والمعاصي، فكيف لا يهدم الجزية وصغارها؟ والجزية لا تسقط بالموت، يعني إن مات الشخص بعد مرور الحول, فيجب عليه سدادها من تركته كبقية ديونه فإن لم يكن له تركه سقطت عنه, ولا يعفى الذمي من دفع الجزية حتى ولو كان جنديا متطوعا في الجيش الإسلامي يقاتل الكفار, طالما هو باق على كفره.

يختلف مقدار الجزية من مكان إلى أخر, فالرسول النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذا عندما أرسله إلى اليمن ( أن يأخذ من كل حالم من أهل الذمة دينارا, أو عدله من المعافر) رواه أبو داود. وعمر رضي الله عنه فرض أهل الشام وأهل مصر على الغني منهم أربعة دنانير, وعلى المتوسط ديناران وعلى الفقير المتكسب دينارا, كما فرض عليهم فوق ذلك طعاما للجند, وضيافة للمسلمين, وفرض على أهل العراق ثمانية وأربعين درهما على الغني وأربعة وعشرين درهما على المتوسط, وأثنى عشر درهما على الفقير المتكسب.

يتبين من هذا أن مقدار الجزية ليس واحدا, وليس محددا بحد واحد ولا يجوز تعديه, بل ترك الشرع للخليفة أن يراعي فيه ناحية اليسار والضيق, بحيث لا يشق على أهل الذمة ولا يكلفهم فوق طاقتهم, فأهل الخبرة وكذلك العرف اللذان يرجع لهما الخليفة عند التقدير, فيعين من أهل الخبرة أشخاصا للتميز بين الأغنياء, والمتوسطين والفقراء, لوضع حدودها كي لا يظلم أهل الذمة ولا يظلم بيت المال فينتقصه حقه.

ويعمل سجل خاص لجميع أهل الذمة حسب أديانهم وفرقهم, يكون له مكان خاص في دائرة الجزية, يحوي جميع المعلومات اللازمة من تواريخ ميلادهم وأعمارهم وموتهم وحالتهم المالية ليكون تقدير أخذ الجزية على أساسه.

والجزية تستوفي بحلول الحول ويكون مرة في السنة, ويعين الحول بأول محرم وينتهي في آخر ذي الحجة, حتى يكون الحول محدد الأول والآخر للجميع, لا أن يكون لكل شخص حول خاص به, ويعين جباة خاصون لاستيفائها, ويمنعوا من أخذ ما يزيد عن مقدارها المفروض على الأشخاص, لأن الزيادة ظلم وغلول, والغلول في النار, ويمنع الجباة من ضرب أو تعذيب من يمتنع عن أدائها, لأن الرسول النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فقد روى أبو يوسف عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب مرّ عن قوم وهو بطريق الشام, قد أقيموا في الشمس, يصب على رؤوسهم الزيت, فقال ما بال هؤلاء, فقالوا عليهم الجزية لم يؤدوها, فهم يعذبون حتى يؤدوها, فقال عمر فما يقولون هم, وما يعتذرون في الجزية؟ قالوا يقولون لا نجد, قال فدعوهم, لا تكلفوهم مالا يطيقون, فإني سمعت رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تعذبوا الناس, فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله يوم القيامة) فَخُلي سبيلهم. فعلى المعسر منهم أن يأتي بالبينة على عسره, فإن أثبته يمهل إلى ميسرة, فإن لم يثبته وثبت أنه مماطل سجن وترك حتى يدفع الجزية.

والجزية تدفع بالذهب أو الفضة أو غير ذلك من عروض أو حيوان,، فقد أخذ معاذ بدلا عنها مغامرا أي ثيابا, ويجوز أن تجعل الجزية من النقد المتداول.

وإلى أن نلتقي في حلقة قادمة إن شاء الله نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.