August 13, 2009

شرح مواد النظام الاقتصادي في الإسلام (ح24)- من منشورات حزب التحرير - شرح المادة المادة (148) - الأستاذ أبو الصادق

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:


شرح المادة (148)
نص المادة : 148
(لميزانية الدولة أبواب دائمية قررتها أحكام شرعية، وأما فصول الميزانية والمبالغ التي يتضمنها كل فصل، والأمور التي تخصص لها هذه المبالغ في كل فصل، فإن ذلك موكول لرأي رئيس الدولة واجتهاده).


تستعمل الدول القائمة اليوم ألفاظا لم تكن مستعملة من قبل لدى الفقهاء، مثل الميزانية والموازنة.
فهل يجوز للدولة الإسلامية أن تستعملها؟


والجواب على ذلك هو: إن لفظ الميزانية أو الموازنة إصطلاح غربي، ومعناه بيان الواردات التي تأخذها الدولة، وذلك ببيان أبوابها، وهي الجهات التي التي تجمع منها، وبيان فصولها وهي فروع هذه الجهات، وبيان المبالغ التي ترد. هذا من جانب ومن جانب آخر، هو ما يكون نفقات تنفقها الدولة، وبيان أبوابها وهي الجهات التي يجري الانفاق عليها، وبيان فصولها اي فروع هذه الجهات، وبيان المبالغ التي تنفق على كل امر من هذه الامور المذكورة في كل فصل.


هذا هو واقع الميزانية او الموازنة، وهذا الواقع لم يكن المسلمون يعرفونه كما اسلفنا بل كانوا يعرفون بيت المال، وقد استعملوه طيلة الفترة التي كان بها للمسلمين دولة الى ان هدمها الكافر المستعمر سنة 1342هـ فاخذوا يطبقون مفاهيمه الاقتصادية الرأسمالية، فلم يعد لبيت المال وجود في حياة المسلمين الى يومنا هذا، أي بعد ثمان وثمانين سنة من هدمها.


وبيت المال هو الجهة التي تختص بكل ما يرد الى الدولة، أو يخرج منها مما يستحقه المسلمون من مال، أرضا كان أو بناء، أو معدنا أو نقدا أو عروضا، استحقه المسلمون وفق الأحكام الشرعية، ولم يتعين شخص مالكه، وإن تعينت جهته، فهو حق لبيت مال المسلمين سواء أدخل في حرز بيت المال أم لم يدخل.


وكل مال وجب صرفه على مستحقيه وأصحابه، أو على مصالح المسلمين، ورعاية شؤونهم، أو على حمل الدعوة، فهو حق على بيت المال، سواء صرف بالفعل، أم لم يصرف، فبيت المال بهذا المعنى، وهو الذي ترد اليه الواردات، وتنفق منه على مصالح المسلمين، ووجود مثل هذا اي الواردات والنفقات يشكل واقع الميزانية أو الموازنة، وان لم يسم بهذا الاسم، ولهذا لا يوجد ما يمنع من اخذ هذا اللفظ بما يعنيه من اصطلاح، وهو بمثابة العلم او التكنولوجيا التي لا ترتبط بحضارة الغرب فيجوز أخذها.


والميزانية والموازنة هي مجموع ابواب الواردات، وأبواب النفقات، وفصول كل منها.


وبناء على ذلك تكون للدولة ميزانية او موازنة، ويكون بيت المال هو الموكل في هذه الميزانية، إذ انه في واقعه الشرعي قد عرفه الفقهاء بأنه (( الجهة التي تختص بكل دخل او خرج لما يستحقه المسلمون من مال ))، وهذا يعني انه ليس اسم مكان، بل هو الجهة في قبض ما أمر الله الخليفة أن يقبضه، وصرف ما أمر الله به الخليفة أن يصرفه. هذا هو واقع بيت المال.


أما بيت المال بمعنى المكان الذي توضع فيه الأموال الواردة، وتصرف منه الأموال الخارجة فلم يخصص له في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مكان معين، إذ إن الأموال التي كانت ترد لم تكن بعد كثيرة، ولا تكاد تفيض بشيء عما يوزع على المسلمين، وينفق على رعاية شؤونهم، روى أبو عبيد عن الحسن بن محمد (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقيل مالا عنده، ولا يبيته) أي إن جاءه غدوة، لم ينتصف النهار حتى يقسمه، وإن جاءه عشية لم يبيته، لذا لم يكن هنالك مال مدخر يحتاج الى مكان أو سجل .


وبقي الحال على ذلك طيلة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما ولي أبو بكر، استمر على ذلك في السنة الاولى من خلافته، وفي السنة الثانية أنشأ نواة لبيت المال، حيث خصص مكانا في داره يضع فيه ما يرد المدينة من مال، وكان ينفق جميع ما فيه على المسلمين ومصالحهم. ولما تولى عمر،جمع الأمناء ودخل دار أبي بكر وفتح بيت المال فلم يجد فيه الا دينارا واحدا سقط من غراره، ولما كثرت الفتوحات زمن عمر، وكثرت الأموال، وانهالت على المدينة. خصص عمر لها بيتا، ودون لها الدواوين، وعين لها الكتاب،وفرض منها الأعطيات، وجند الجند، وقسمها دون تأخير، عن ابن عباس قال: ( دعاني عمر، فإذا حصير بين يديه، عليه الذهب منثورا نثر الحثا (التبن) فقال هلم فاقسم بين قومك، فالله أعلم حيث حبس هذا عن نبيه صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وأعطنيه، ألخير أراد بذلك أم الشر رواه أبو عبيد.


وبذلك أصبح للمسلمين بيت مال مستقر، تجمع فيه الأموال، وتحفظ فيه الدواوين، وتخرج منه الأعطيات، وتعطى الأموال لمستحقيها. وترد إليه الواردات وتنفق منه على مصالح المسلمين ووجود مثل هذا يشكل واقع الميزانية او الموازنة.


والميزانية أو الموازنة : هي مجموع أبواب الواردات، وأبواب النفقات، وفصول كل منهما. وبناء على هذا تكون للدولة ميزانية أو موازنة، ويكون بيت المال هو الموكل في هذه الميزانية .


أما إعداد هذه الميزانية في ابوابها وفصولها، والمبالغ التي توضع فيها فانها خاضعة للاحكام الشرعية ليس غير، والأحكام الشرعية هي التي قررتها، فالواردات جاءت احكام شرعية وقررتها، مثل الأحكام المتعلقة بالخراج والفيء والغنائم وغير ذلك.


والنفقات جاءت احكام شرعية وقررت كيفيتها، وبيان ما يجب صرفه حتما وما لايصرف الا اذا وجد مال في بيت المال.


فالذي جعل هذه الواردات دائمية هي من دوام الشرع الاسلامي الذي لايتغير ولا يتبدل، ودائم ما دامت السماوات والأرض، وكذلك النفقات فهي أيضا دائمية لانها قد جاءت أحكام شرعية قررتها.


أما فصول الميزانية وهي الفروع التي تتفرع عنها مثل خراج أراضي البعل، وخراج أراضي السقي، وتقدير الجزية وتقدير الخراج، فإن الخليفة هو الذي يضعها، لأنها من رعاية الشؤون، و رعاية الشؤون هي موكلة للخليفة اي لرأيه واجتهاده، وكذلك المبالغ التي توضع، ويكون الخليفة قد وضعها برأيه و اجتهاده.


والدليل على هذه المادة: هوما أورده الشرع من أدلة الواردات من خراج و جزية وغير ذلك، وما أورده من أدلة النفقات وما أورده من أدلة رعاية الخليفة لشؤون الناس.


فيجوز للخليفة شرعا ان يضع برأيه واجتهاده فصول الواردات والمبالغ التي توضع في كل فصل، وفصول النفقات والمبالغ التي توضع في كل فصل، فإنه لا يستدعي أن يوضع ميزانية سنوية للدولة في فصولها والمبالغ التي لكل فصل، سواء في الواردات او في النفقات، كما هي الحال في النظام الرأسمالي، الذي يسن كل سنة قانونا خاصا بها، يعرضه على مجلس الأمة أو على البرلمان ليأخذ رأيه بها.


والقانون عندهم يسنه البرلمان لسنة واحدة، مع بعض اختلافات فرعية في بعض السنين حسب الوقائع المختلفة، أو مع بعض اختلافات فرعية بين الدول حسب الوقائع المختلفة .


وهذا كله لا تحتاج اليه الدولة الإسلامية، لأن واردات بيت المال تحصل بسبب الأحكام الشرعية المنصوص عليها، وتصرف بسبب الاحكام الشرعية المنصوص عليها، وهي أحكام شرعية دائمية، فلا مجال لأخذ رأي مجلس الأمة أو غيره بها، لا في الواردات ولا في النفقات وعلى هذا لا يوجد أي مجال لوضع ميزانية سنوية للدولة،


وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الإقتصادي في الإسلام نستودعكم الله.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أبو الصادق

المزيد من القسم null

مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما يمر به العالم اليوم من أزمات إقتصادية خانقة، هو نتيجة الأنظمة الإقتصادية السائدة في هذه الأيام، وهي في غالبها منبثقة عن المبدأ الرأسمالي، أو خليط منه أو من غيره، ومن أهم الأسباب التي تجعل النظام الإقتصادي الرأسمالي يخفق في معالجة الأزمات الإقتصادية هي:


1- ان هذا النظام منبثق عن مبدأ هو من وضع البشر
2- ان هذا المبدأ يخلط ما بين النظام الإقتصادي والعلم الإقتصادي
3- ان هذا المبدأ يعتبر المشكلة الإقتصادية هي زيادة الإنتاج
4- إعتبار النفعية هي الأساس في كافة التعاملات.
5- مناداته بحرية التملك.
6- إعتبار الملكيات ملكية واحدة هي الملكية الفردية (الخاصة).
7- إعتماده على الربا في كافة تعاملاته المالية من خلال البنوك.
8- بالإضافة إلى بعض الأمور والترقيعات التي أضيفت وتراكمت عليه حسب الظروف، من مثل
أ- استبدال النقد المعدني (الذهب والفضة) بنقد الأوراق غير النائبة.
ب- شركات الأموال مثل الشركات المساهمة.


لذلك كان لزاما على من يتصدى لمعاجة هذه الأزمات أن يبين خطأ هذه الأسس ثم يبين النظام الذي يستطيع معالجة هذه الأزمات مع أبرز الأسس التي يقوم عليها، وسأبدأ ببحث أسباب الأزمة الحالية المباشرة وأعراضها ومضاعفاتها والتي عصفت بأمريكا أولا.


إن من أهم أسباب هذه الأزمة هو مشكلة ما يسمى بالرهن العقاري والمضاربات الوهمية في الأسواق المالية (البورصات)، وقد كان للعولمة الدور الكبير في انتقال الوباء من أمريكا إلى باقي دول العالم، وكانت البنوك الأمريكية قد فتحت المجال لأي كان بالإقتراض من أجل امتلاك بيت له، بنسبة تمويل وصلت إلى 100%، وبنسبة فائدة كانت في حدها الأدنى 1%، وكان ذلك بين عامي 2002و2006 بداية هذا القرن، وقد كان هناك نوع من المبالغة في تقديم التسهيلات بدون أخذ ضمانات كافية، وقد تضاعف سعر المنازل عدة أضعاف، وكان نتيجة العولمة دخول رؤوس الأموال الأجنبية من مختلف البلاد وخاصة من دول أوروبا والخليج، إلى السوق الأمريكية على شكل سندات دين وأسهم قامت الشركات والأفراد وصناديق الإدخار وغيرها بشرائها، بهدف الربح السريع، وقامت على أثر ذلك الحكومة الأمريكية برفع سعر الفائدة من 1% إلى أكثر من 5% خلال أربع سنوات، واستغلت البنوك الكبرى وشركات الرهن العقاري مثل بنك ليمان برذر وشركة فاني ماي وشركة فريدي ماك كثيرا من البنوك الصغيرة والشركات للترويج لبيع المنازل من خلال سماسرة محترفين، مما دفع إلى صعود عمليات البيع إلى أعلى مستوياتها، وهذا دفع الجشعين من كبار المستثمرين الأجانب إلى دخول السوق الأمريكية بقوة مفاجئة جعلت من أسواق الأسهم وسندات الدين مكانا خصبا للمضاربة والنصب والإحتيال أظهر هذه الأسواق على حقيقتها، باعتبارها صالة قمار كبرى يجتمع فيها الحيتان من أصحاب رؤوس الأموال يأكلون جميع أنواع السمك الصغير والكبير الذي يدخل ملعبهم بناء على مغريات السماسرة، ونتيجة عدم مقدرة المشترين على سداد أقساط المنازل بسبب ارتفاع الفوائد، ولأن كثير منهم لم يكن لديه ضمانات لسداد الديون، قامت الشركات والبنوك باسترجاع المنازل منهم، ولم يكن هناك مشترين لها فحصل الركود في سوق الرهن العقاري، وكان ذلك بمثابة الشرارة التي أشعلت النار مسببة بالأزمة الحالية.


وما زاد النار اشتعالا ما كان يحصل من مضاربات وهمية في أسواق الأموال (البورصات)، والتي كانت تعتمد على المضاربات في مجال الأسهم وسندات الدين، وأضيفت لها المضاربات في المعادن كالنفط والذهب والحديد، وكذلك في بعض المواد التموينية كالقمح والسمسم، حتى أن كمية النفط في الناقلة كانت تباع عدة مرات وهي في البحر، حتى وصل سعر برميل النفط إلى أعلى حد له وهو 147 دولارا للبرميل الواحد في تموز من عام 2008، وكله كان يحدث بدون تقابض وإنما في الدفاتر وعلى الورق، وبعد وصول سعر الأسهم والمعادن إلى مستويات غير مسبوقة في الإرتفاع، بدأ المشترون الصغار والكبار يعرضونها للبيع فلم يجدوا أحدا يشتريها، ولوجود التزامات دين ومستحقات أخرى كالرواتب والنفقات وغيرها على هؤلاء المشترين، دفعهم لعرضها بسعر الشراء فلم يجدوا أيضا من يشتريها وبدأوا بتنزيل سعرها إلى أن وصل إلى أقل من قيمتها الإسمية، وهنا عاد الحيتان ليبتلعوا المشترين الصغار والكبار من جديد هم وأسهمهم ومعادنهم، وحصلت الكارثة التي عصفت بالجميع، باستثناء الحيتان وهم كبار الرأسماليين الذين قامروا في لعبة مدروسة ومحسوبة جيدا لهم بحيث حسمت نتيجة اللعبة لصالحهم على حساب باقي سكان الكرة الأرضية، ولم يسلم من شرها أحد لا تاجرا ولا مستثمرا ولا موظفا ولا طالبا ولا عاطلا عن العمل، وهنا بدأ دور الحكومات الغربية وخاصة امريكا التي وجدت أصلا لخدمة الحيتان الرأسماليين، فبدأت تضخ كميات هائلة من أموال دافعي الضرائب لإنقاذ كبرى الشركات والبنوك، وبعيدا عن لغة الأرقام فإن الكارثة كانت عامة وطامة، تتحمل الحكومات والأنظمة مسؤوليتها في الدرجة الأولى والحيتان في الدرجة الثانية، لكن الحكومات قامت بانقاذ هذه البنوك والشركات بأموال الفقراء والمسحوقين، بدل أن تقوم بوضع يدها على الأموال الضخمة التي استولى عليها الحيتان من خلال عمليات نصب واحتيال كبرى قاموا بها وابتلعوا أموال الناس بالباطل، هذا كحل مؤقت وفوري، لا أن تنقذ شركات الحيتان بأموال الفقراء ودافعي الضرائب، أما الحل الجذري فهو الذي لا تستطيعه هذه الدول كبيرها وصغيرها، لأنه يقتضي إلغاء النظام الرأسمالي الذي يسمح لمثل هذا التغول، والذي يستطيع إلغاء النظام الرأسمالي واستبداله بنظام الإسلام المنزل من عند رب العالمين هو دولة الخلافة فقط، والذي أشار له النبهاني مؤسس حزب التحرير قبل ما يزيد على نصف قرن تقريبا.


أما عن خطأ الأسباب والأسس التي تجعل النظام الرأسمالي يخفق في معالجة الأزمات الإقتصادية فإنني سأبينها تباعا على حلقات إن شاء الله

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أحمد أبو أسامة

تعريفات شرعية- النظام الإقتصادي

النظام الاقتصادي: هو تدبير أمور الجماعة من حيث توزيع المال المدبر, وهو فكر يؤثر في وجهة النظر في الحياة, ويتأثر بها, وهو لا يتأثر بكثرة الثروة أو قلتها وليست هي المشكلة الاقتصادية. وإنما المشكلة موجودة في علاقات الناس أي في المجتمع, وناجمة عن تمكين الناس بالانتفاع بهذه الوسائل أو عدم تمكينهم. أي ناجمة عن موضوع حيازة الناس لهذه الوسائل.

56/ ن/ الاقتصادي.