شرح مواد النظام الاقتصادي في الإسلام (ح6) - المادة (131)
June 11, 2009

شرح مواد النظام الاقتصادي في الإسلام (ح6) - المادة (131)

نص المادة 131:

الملكية الفردية في الأموال المنقولة وغير المنقولة مقيدة بالأسباب الشرعية الخمسة وهي:

(أ) العمل.

(ب) الإرث.

(ج) الحاجة إلى المال لأجل الحياة.

(د) إعطاء الدولة من أموالها للرعية.

(ه) الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد.

هذه المادة قيدت أسباب حيازة أصل المال, أي قيدت الحالات التي أذن الشارع فيها بالانتفاع بالعين, فيجب أن يفرق بين أسباب الملكية بالفعل, وأسباب تنمية الملك .

فالشارع بين السبب أو الحالة التي تم بها إنشاء ملكية المال للشخص بعد أن لم يكن مملوكاً, وبين اسباب تنمية الملكية له, أي أسباب زيادة المال الذي يملكه, وقد جاء الشرع لكل من الملك ومن تنمية الملك بأحكام تتعلق به, فالعقود من بيع وأجاره وغيرها, من الأحكام المتعلقة بتنمية الملك, والعمل من صيد ومضاربة وغيرها, من الأحكام المتعلقة بالملك أي بحيازة أصل المال, فهذه المادة تبين اسباب الملكية, ولا تبين اسباب تنميتها.

ولبيان دليل هذه المادة لا بد من استقراء الأدلة التي بينت أذن الشارع في الانتفاع بالعين, أي استقراء أدلة الملكية بالفعل, فتبين بعد الاستقراء إن اسباب الملكية خمسة, والدليل المطلوب يدخل تحت واحد من هذه الخمسة.

أما الأدلة على هذه الأسباب الخمسة فهي:

السبب الأول هو: العمل.

أدلته هي أدلة الأحوال التي يحوز فيها الفرد المال بالعمل ، أي تنشأ ملكية المال من حيث هو بالعمل ، وهذه الحالات سبعة وهي:

أولا: إحياء الأرض الموات

ودليله قوله عليه السلام: (من أحيا أرضا مواتا فهي له)، وقوله: (من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها)، وقوله: (من أحاط حائطا على أرض فهي له )، والأرض الميتة هي الأرض التي لم يظهر عليها ملك أحد من الناس، فلم يظهر فيها شيء من إحاطة، أو زرع أو عمارة أو نحو ذلك، وإحياؤها يكون بأي شيء يدل علي العمارة, من تشجير, أو زراعة, أو بناء أو غير ذلك، أو وضع سياج أو أوتاد ظاهرة، أو إحاطتها بحائط من الطوب أو الحجارة .

ثانيا: الصيد

ودليله قوله تعالى:{... وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا ...}المائدة2، وقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ...}المائدة96

وثالثا: السمسرة والدلالة أي ما يسمى بالعمولة في وقتنا الحاضر، وهي المال الذي يؤخذ من أحد المتبايعين لقاء جلب مشتر أو بائع لسلعة تجوز حيازتها .

والدليل على جواز السمسرة أو الأدلة هو ما رواه قيس بن غرزه الكناني قال: كنا نبتاع الأسواق في المدينة ونسمي أنفسنا السماسرة فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمانا باسم هو أحسن من اسمنا، قال صلى الله عليه وسلم: ( يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة) فمعنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم سكت عن عملهم هذا.

رابعا : المضاربة

ودليله ما روي أن العباس بن عبد المطلب، كان إذا دفع مالا مضاربة، شرط على المضارب أن لا يسلك به بحرا وأن لا ينزل به واديا، ولا يشتري به ذات كبد رطب، فإن فعل ذلك فقد ضمن, فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحسنه.

خامسا : المساقاة

ودليلها ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر مما يخرج من ثمر أو زرع).

سادسا:العمل للآخرين بأجر

ودليلها قوله سبحانه تعالى: {.... فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أجورهن ...} الطلاق6، وما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: استأجر رسول الله رجلا من بني الديل هاديا خريتا وهو على دين قومه ، ودفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال.

سابعا: الركاز

ودليله قوله عليه السلام: (وفي الركاز الخمس) .

فهذه الأدلة للحالات السبع هي أدلة السبب الأول للتملك وهو العمل .

أما السبب الثاني من أسباب التملك: الإرث.

وهو انتقال المال من شخص ميت إلى شخص آخر أو أشخاص ، بسبب القربى المورثة شرعا, ودليله قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ......}النساء11

وهنالك آيات وأحاديث كثيرة تبين وتدلل على الإرث .

والسبب الثالث من أسباب التملك: هو الحاجة للمال لأجل الحياة.

ودليله دليل النفقة من كونها واجبة له إذا كان عاجزا عن الكسب فعلا ، كمن كان صغيرا، أو لا يستطيع العمل، أو كون النفقة واجبة حكما كمن لا يجد عملا وهو قادر على العمل، فالشرع أوجب نفقته على الأقارب، ثم على بيت المال، إذا لم يستطع الأقارب الإنفاق عليه ،فأدلة ذلك دليل على أنه يملك هذا المال الذي يأخذه نفقة، أي يأخذه من أجل الحياة.

والسبب الرابع: إعطاء الدولة من أموالها .

كإقطاع الأراضي ، وكإعطائها مالا لسد الديون ، أو لإعانة المزارعين.

ودليل إقطاع الأرض، ما روي عن بلال المزني (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه العقيق أجمع)، وما روي عن عمر بن شعيب قال: (أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من مزينة أو جهينة أرضا)، وأما إعطاؤهم مالا لسداد الديون، فالله تعالى جعل من أسهم الزكاة (الغارمين)، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (فمن ترك دينا فعلي ومن ترك مالا فلورثته)، ومعنى قوله صلى الله عليه (فعلي) أي على الدولة، وأما إعطاء المزارعين مالا للزراعة فقد أعطى عمر من بيت المال للفلاحين في العراق مالا غير مسترد، لإعانتهم وسد حاجاتهم ، فكان عمله هذا إجماعا.

أما السبب الخامس: وهو الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد.

فيشمل خمسة أحوال:

أحدها صلة الأفراد بعضهم بعضا كالهدية والهبة والوصية، فقد روي عن أبي حميد الساعدي قال: (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، وأهدى ملك إيلية للنبي بغلة بيضاء وكساه بردا )، فهذا الحديث دليل على جواز الهدية, وقال عليه الصلاة والسلام: (تهادوا تحابوا).

أما الهبة فدليلها قوله عليه صلى الله عليه وسلم: (العائد في هبته كالعائد في قيئه ).

وأما الوصية فدليلها قوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن مالك: (أوص بالثلث والثلث كثير).

وثاني الحالات: استحقاق المال عوضا عن ضرر، كدية القتيل وديات الجراح، قال تعالى في الدّية: {.... وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ....}النساء92، وقال صلى الله عليه وسلم في ديات الجراح: (في السن خمس من الإبل).

وثالث الحالات: استحقاق المهر وتوابعه ، قال تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ....}النساء4

ورابع الحالات: اللقطة، فاللقطة يملكها من التقطها بشروطها، قال عليه السلام: )من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، أو ليحفظ عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها فلا يكتم فهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها، فهو مال الله يؤتيه من يشاء)

وخامس الحالات: تعويض الخليفة والمعاونين وسائر الحكام مالا مقابل حبسهم عن القيام بأعمالهم قبل استعمالهم بالقيام برعاية شؤون المسلمين. فقد ورد أن أبا بكر لما بويع للخلافة، خرج في اليوم الثاني يبيع الثياب كعادته قبل البيعة، فلقيه عمر فقال: إلى أين؟. قال إلى السوق، قال عمر: ومصالح المسلمين. قال أبو بكر ومن أين أطعم العيال؟ قال عمر: نفرض لك في بيت المال، فرجع وفرض له من بيت المال ما يكفيه وعياله، فكان ذلك إجماعا من الصحابة رضوان الله عليهم على تعويض الخليفة, ومثله تعويض المعاونين والولاة وسائر الحكام فهو تعويض وليس أجرة, كما هو معمول به في أنظمة الحكم اليوم.

وهكذا أيها الأخوة المستمعون: بينت لكم الأدلة على اسباب الملك الخمسة وهي أدلة قد ثبت بالاستقراء انه لا يوجد غيرها أسبابا للملك وهي الإذن الشرعي بالتملك, وما عدا هذه الأسباب الخمسة فهي اسباب لتنمية الملك كالتجارة والصناعة والزراعة, وليست أسبابا للتملك .

والى حلقة قادمة إن شاء الله ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.