شتان بين أسلافنا الذين جالسوا الملائكة   وبين من يجالس الكفار يعلمونهم قوانين الكفر
December 29, 2020

شتان بين أسلافنا الذين جالسوا الملائكة وبين من يجالس الكفار يعلمونهم قوانين الكفر

شتان بين أسلافنا الذين جالسوا الملائكة

وبين من يجالس الكفار يعلمونهم قوانين الكفر

نظمت وزارة العدل اليوم ورشة عن المدخل لصياغة التشريعات، بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والتي قدمها الخبير القانوني في مجال صياغة التشريعات والاتفاقيات والعقود البروفيسور وليام أدور كوسار لعدد من المستشارين بوزارة العدل، وأكد الخبير أهمية استصحاب الخبراء القانونيين في عملية وضع القوانين والتشريعات والدساتير مضيفاً أنه لا يتم إجراء أي تعديل على القوانين إلا بالشراكة مع كافة الجهات ذات الصلة. كما أكد على ضرورة الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في صناعة القوانين، ‎وقدم وليام شرحا شاملا لمصطلح السياسة العامة مشيرا إلى أن عملية صنع القوانين هي عملية مستمرة ودائمة وتتطلب من الخبراء القانونيين العمل يداً بيد لتجاوز كل المعضلات ولضمان شمولية مشاورات عملية صناعة القوانين، ‎وركز وليام في الختام على أهمية إشراك الشباب والاستفادة منهم في المرحلة الانتقالية وفي صناعة القوانين حتى يكون لهم دور في تشكيل مستقبلهم. (سونا 2020/12/21م).

تحدٍ سافرٌ تقوم به حكومة الفترة الانتقالية لشرع الله دون حياء ولا مواربة، فهي تفتح الباب على مصراعيه للكفار للقيام بتغيير القوانين لتوافق وجهة نظر الغرب ويستضيفون من الغرب من يعلمهم وينظّر حول كيفية صناعة وصياغة هذه القوانين بوصفها عملية مستمرة، وضرورة إشراك الشباب في ذلك. لا نعتب على هذا الكافر فهو كافر بما أُنزل على محمد ﷺ، لكن ما بال قوم مسلمين يأتون به ليعلمنا كيف توضع القوانين؟! ومن يضعها ويصوغها؟! ونحن نملك مبدأ ودستوراً لكل العالم، هو قرآن ربنا وسنة نبينا ﷺ؟!! ﴿هو الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾.

وبدل أن يقوم حكام السودان بتطبيق شرع الله ليظهر الدين الحق، ها هم يجالسون من يعلمهم قوانين الكفر، فشتان بين مجلسهم الذي تغشاه شياطين الإنس والجن، ومجلس آخر علا فيه شأن البشر فجالستهم الملائكة! ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن مجيء جبريل ومجالسته النبي ﷺ والصحابة حديث عظيم الشأن يشتمل على شرح الدين كله، ولهذا قال رسول الله ﷺ في آخره: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ».

واليوم وليام كاسر يعلم حكومة الفترة الانتقالية نسبية القوانين وتغيرها، وعدم ثباتها، انطلاقاً من نظرة الغرب للقانون على أنه حصيلة التطور الطبيعي المعبّر عن رأي الجماعة، ولهذا فإن التشريع الغربي في واقعه وباعتراف فقهائه، إنما هو تشريع خاص، وليد ظروف مجتمعية وتاريخية معينة. مما حدا بالمُشَرِّعِ الغربي أن يسترشد بأحكام نظرية "القانون الطبيعي" في صياغة قوانين وضعية مبنية على قواعد عقلية محضة، مثل العدل والضمير المنبثق عن الإنسان ذاته.

لا غرابة أن يقوم الغرب بملء الفراغ الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يعانيه السودان، ولتخلو الساحة للغرب ومنظومته الوضعية، فعمد إلى تشويه ما تبقى من آثار البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الإسلامية، بغية إحداث خلل فكري في المجتمع ليُمكّن للأنظمة والتشريعات الغربية أن تسود! فكلما ذكر الإسلام ذكر ظلم نظام الإنقاذ. فالتشريعات والقوانين الإسلامية، لم يكن لها أي أثر أو وجود في واقع الناس السياسي والتشريعي لأكثر من ثلاثين عاما.

وتتعمق حالة الارتكاس في المفاهيم اليوم متمثلة في ما تقوم به وزارة العدل في السودان وما نجم عنها من التبني التام للتشريعات الغربية دونما اعتبار لمناقضتها لأحكام الشريعة الإسلامية، وفي هذا السياق هالني ما رأيته من تجييش للناس في السودان نحو قبول كل ما يأتي من الغرب بوصفه العلاج الناجع، رغم عدم جدواه في الغرب نفسه! ومما يُثير الاستغراب أن معظم هؤلاء لم يلتفتوا إلى الأثر الواضح لفلسفة التشريع الغربي عندما تم تطبيقها في الغرب، هذه الفلسفة التي تكاد تسيطر على أغلب بنود دستور الفترة الانتقالية، وتكاد تقضي على أي فلسفة أخرى يمكن أن يظهر أثرها على بعض المواد، ناهيك عما في بنود هذا الدستور من عوار ومخالفة للنصوص القطعية في الإسلام. ويظهر التناقض بين فلسفة الإسلام التشريعية التي تقوم على لا إله إلا الله محمد رسول الله، التي تجعل التشريع لله وحده، وبين فلسفة الغرب التي تقوم على قواعد عدة أهمها حفظ الحرية الفردية وفصل الدين عن الحياة ونسبية القوانين والتشريعات والحريات، وتُعَدّ الحرية في الفكر الغربي أصل قيام المجتمعات، وقاعدة لبناء الوجود السياسي الذي ينحصر هدفه في الحفاظ عليها. ولكن لما كان الإنسان مضطرا إلى العيش في جماعة، وهذه تحتاج إلى دولة تمتلك سلطة لتنظيم شؤونها، كان لا بد من ربط التشريع بفكرة التوفيق بين السلطة والحرية، فأصبحت التشريعات تهدف إلى (تنظيم التعايش بين السلطة والحرية في إطار الدولة-الأمة). وكان نتيجة ذلك إرساء قاعدة الفصل بين السلطات، للحيلولة دون الاستبداد الفردي، ولقد ظهر جليا أثر هذه الفكرة في باب كامل من الوثيقة الدستورية الذي يحمل اسم الحقوق والحريات، كما ظهر في التأكيد على مسألة الفصل بين السلطات في هذا الدستور.

وهذا يتناقض مع الإسلام تناقضا تاما، والذي لم ينطلق من إعطاء الفرد حريته أو تقييد حريته، بل انطلق من أساس أن كل مشكلة هي مشكلة إنسانية ابتداءً، فيعالجها لهذا الإنسان بصفته إنساناً له غرائز وحاجات مختلفة، وخالق الإنسان هو الأدرى بهذه الغرائز والحاجات: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، فالحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، وهو مقياس الأعمال وليس الحرية أو غيرها، فلا يمكن جعل الحرية قاعدة لبناء التشريعات عمليا، فإذا كانت حرية المرء تنتهي حين تبدأ حرية الآخرين فهذا يعني أنه لا توجد حرية للمرء في أن يفعل ما يشاء. وواقع الأمر أن الحرية في المجتمعات الغربية قد قيدت بقيود قانونية واجتماعية وسياسية واقتصادية أخرجتها تماماً عن مضمونها الذي افتُتِن به الناس، وجعلت منها مجرد كلمة يتغنى بها المفتونون بالحضارة الغربية أمثال حكام السودان! كما أن منظومة الغرب تناقض الإسلام في تشريعها فصل الدين عن الدولة الذي تم بعد الصراع الدامي بين المفكرين والكنيسة، مما جعل أوروبا لا تملك تشريعات دائمة ثابتة، طالما أُبعدت القواعد الدينية الثابتة، ولذلك أصبحت التشريعات تعبر عن رأي عام، والقانون خاضع لرغبات الأمة وحاجاتها، وأصبح الشعب من الناحية الشكلية مصدراً للقوانين، وارتكز النظام الديمقراطي على حق الشعب في سن قوانينه كجزء من قاعدة السيادة للشعب.

وتأثرا بهذه الفكرة تم وضع المادة التي تجعل السيادة للشعب التي تنص على السيادة للشعب وتمارسها الدولة طبقاً لنصوص الوثيقة الدستورية، وهي القانون الأعلى بالبلاد وتسود أحكامها على جميع القوانين، ويلغى أو يعدل من أحكام القوانين ما يتعارض مع أحكام هذه الوثيقة الدستورية بالقدر الذي يزيل التعارض، وهذا النص هو تكريس لفصل الدين عن الدولة، وإبعاد للدين الإسلامي عن واقع الدولة والدستور والقوانين.

فكيف يستطيع الشعب أن يسن قوانين، والعقل البشري ليس له الموازين الثابتة، والتي لا يمكن تحقيقها إلا باستمداد التشريع من رب البشر؟! كما أن مبدأ فصل الدين عن الدولة ليس تنظيرا مبنيا على البحث والبرهان العقلي، وبذلك استطاع الغرب عولمة تشريعاته وأن يحشر العالم في عنق زجاجة (فصل الدين عن الحياة)، وهو ليس تنظيرا مبنيا على البحث والبرهان وإنما هو حل وسط بقبول الدين، مع عزله عن الحياة. ومما لا شك فيه أن فصل الدين عن الدولة يناقض الفطرة الإنسانية، فالإنسان كل لا يتجزأ وليس بالإمكان فصل عقيدته ومشاعره عن ممارساته وتصرفاته بصورة دائمة. كما أن القول بسيادة الأمة وتخويلها إصدار التشريعات، يناقض ويخالف الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، والتي تحرم جعل التشريع لغير الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَمَا كانَ لِمُؤمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُه أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُم الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم﴾.

والحقيقة أن الشعب ليس هو من يقوم بسن القوانين، كما يدعي أصحاب الفكر الغربي الرأسمالي. حيث ينحصر التشريع في هيئة محدودة العدد في البرلمان أو في لجنة تأسيسية، ولذلك لا تصح نسبة القوانين إلى الشعب لمخالفة ذلك للواقع، حتى لو تم إقرار هذه القوانين أو الدساتير بعد الاستفتاء الشعبي عليها. إذ يتشكل الدستور من مجموعة مواد فيها مسائل معقدة لا يدركها إلا أهل الاختصاص، وبالتالي فإن الموافقة أو الاعتراض من باقي الشعب ممن هم ليسوا من أهل الاختصاص لا قيمة له. كما أن موافقة الموافِق لا تعني موافقةً حقيقية في ظل ضغوط من أطراف خارجية أو تأثير الآلة الإعلامية في تشكيل الرأي العام. وفي النهاية فإن إقرار دستورٍ ما في فترة ما هو إقرار أغلبية الشعب الموجود في هذه الفترة لا قيمة له.

هذه هي أبرز التناقضات التي يحويها فكر الغرب التشريعي والتي تناقض شرع الله الحنيف جملة وتفصيلا، وحكومة السودان رضيت باستيراد فلسفة الغرب التي بنيت عليها القوانين التي تحكمهم اليوم. لكن أهل السودان مسلمون، ولا بد أن يزول قريباً من لا يحكم الناس بقناعاتهم وعقيدتهم وما انبثق عنها.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذة غادة عبد الجبار (أم أواب) – ولاية السودان

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو