January 07, 2014

سلامة المجتمع كلٌّ لا يتجزأ

هناك جدلية حلال وحرام، وصحيح وخطأ، تطل علينا كل عام في المساجد عندما يتسلل عام وتلوح تباشير عام جديد، استقبال العام الجديد تصاحبه احتفالات ضخمة، وأصبح الشباب يحضّرون ليشهدوا هذا الحدث وما يصاحبه من رفع للقوانين حتى يعيش هؤلاء الشباب حياة فيها انفلات كامل. هذا الأمر يثير حفيظة أئمة المساجد، ففي آخر أيام السنة المنتهية وأول أيام السنة الجديدة تكتظ الشوارع بالشباب في الخرطوم إلى نهاية ليلة رأس السنة وتزدحم الشوارع بالفتيات والفتيان في منظر يندى له الجبين.


أما في مدينة بورتسودان فحدّث ولا حرج! فالشباب تمتلئ بهم الفنادق والشقق المفروشة، وأصبحت أيام رأس السنة مناسبة لأصحاب العقارات والفنادق لحصد المال من إيجار غرف وشقق وغيرها، وموسماً لثراء بعضهم، وفي مساء آخر يوم من العام يمتلئ كورنيش البحر وأنديته التي تستعد لهذه المناسبة بحضور شبابي منقطع النظير ومع أول ثانية في العام الجديد تضيء سماء بورتسودان بالألعاب النارية مع أصوات منبهات البواخر الرأسية في الميناء، وصرخات وأصوات الحضور وكأننا في عالم آخر، والحكومة تستبشر خيراً بتنشيط حركة السياحة.


البعض يحكم على المشاركين في الحدث بالخروج عن الكثير مما يطلق عليه قيم سودانية، وفي المقابل يرى البعض أن الأمر مجرد احتفالات لا تستحق كل هذه الضجة من خطباء المساجد والسلفيين؛ الذين ينهمكون في تعليق ملصقاتهم التي تندد بالتشبه بالكفار والتي لا تتسق مع المشاهد المجاورة له من اختلاط وسفور وتعرٍّ.


تتجدد هذه الأحداث كل عام وفي هذا العام حذرت سلطات ولاية الخرطوم من وجود عصابات خاصة تنشط عملياتها في ليلة الاحتفال بالاستقلال الذي يصادف رأس السنة الميلادية، خاصة في المناطق المتطرفة، فتسعى للتخريب وخلق الفوضى، فيما قللت من مخاوف ارتفاع نسبة ارتكاب الجرائم، وكشفت الشرطة عن استنفار «20 ألف شرطي للحد من الظواهر السلبية التي تصاحب الاحتفالات وتسيير حركة المرور».


وقال المعتمد برئاسة الولاية الفريق أحمد إمام التهامي إن الضوابط الموضوعة لن تخرج عن مفهوم الحفاظ على أرواح المواطنين من العصابات التي تسعى للتخريب وخلق الفوضى، ونبه إلى عدم وجود ضوابط استثنائية في مواجهة المحتفلين إلا إذا تجاوزوا الحدود وتعدوا على الآخرين، بجانب الضوابط الأخرى المتعلقة بانسياب حركة المرور، وأكد التهامي في مؤتمر صحفي أن الأجهزة الأمنية اتخذت احتياطاتها لحدوث أي طارئ يهدد وجود المواطنين المكثف في مناطق الاحتفال خاصة في ظل النزوح والهجرة المتزايدة التي تشهدها الولاية، وأشار إلى تكثيف الأمن بالمناطق المتطرفة (المركز السوداني للخدمات الصحفية2013/12/31)


لأول مرة توضح الحكومة خطتها بكل سفور ودون مواربة فتقول للمحتفلين حسب التصريحات السابقة: احتفلوا كيفما شئتم وسنعينكم بكل ما يضمن لكم الأمن والأمان، والتصريح بعدم وجود ضوابط استثنائية في مواجهة المحتفلين، إلا إذا تجاوزوا الحد وتعدوا على الآخرين وفي ذلك تخلٍّ عن رعاية شؤون الناس بالأخذ على أيديهم كما أمر الشرع الحنيف، وهو كذلك تمجيد لفكرة الحريات التي تجعل الدولة متفرجة على الفسوق والفجور والعصيان، فحسب المبدأ الرأسمالي الفردي فإن المجتمع مكون من أفراد، والفرد هو الأساس، ولا ينظر للمجتمع إلا نظرة ثانوية، بل الاهتمام بالفرد هو من مقتضيات وجود الدولة التي عندهم هي مجرد وسيلة لضمان الحريات (حرية العقيدة وحرية الرأي والحرية الشخصية وحرية التملك) وهذه الحريات مقدسة عندهم ولا تقيد بناء على فلسفة الرأسمالية، والدولة تقيدها فقط لغاية لضمان حرية الأفراد ما لم يتعدوا على بعضهم. وتنفذ الدولة هذا التقيد بقوة الجندي وصرامة القانون ولكن تظل الدولة وسيلة وليست غاية ولذلك كانت السيادة النهائية للأفراد لا للدولة - حسب زعمهم، لذلك يفعل أي إنسان ما يشاء وكيفما يشاء لدرجة أوجدت مجتمعاً بلا قيم ولا أخلاق؛ تنتهك فيه الأعراض في كل ثانية وتختلط فيه الأنساب، ويستباح كل شيء لمن شاء من منحرفي الفطرة، ليتزوج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة. هذا هو المبدأ الرأسمالي الديمقراطي، وعلى أساسه يحكم بأنظمته ويدعو لها ويحاول أن يحملها قيادة فكرية للعالم بل ويفرضها فرضاً على الشعوب والأمم.


أما في الإسلام فإن المسلم مقيد بأوامر الله ونواهيه وهذه صلة المسلم بربه الذي خلقه في الحياة لغاية محددة هي العبادة، وكانت الأهداف العليا لصيانة المجتمع شرعاً حنيفاً من رب الناس لا تتغير ولا تتطور ولا يترك الناس فيها ليفعلوا ما يشاؤون، بل وضع المولى عز وجل عقوبات صارمة لمن يتعداها، وهكذا تقوم الدولة والفرد فيها بجميع الأعمال وفق أوامر الله ونواهيه، وهذا ما يوجد الطمأنينة والسعادة في المجتمع الإسلامي، ومن هنا كانت السعادة ليست في إعطاء الجسد المتع والملذات، بل مفهوم السعادة في الإسلام نوال رضوان الله.


أما الغرائز والحاجات العضوية التي تتطلب الإشباع، فقد نظمها الإسلام تنظيماً يضمن إشباع جميع جوعاته من جوعة المعدة أو جوعة نوع أو جوعة روحية، لكن ليس بإشباع بعضها على حساب بعض ولا بكبت بعضها وإطلاق البعض الآخر، ولا بإطلاقها جميعها، بل نسقها جميعا وأشبعها الإسلام بنظام دقيق يهيئ للإنسان الهناءة والرفاهية، ويحول بينه وبين الانتكاس إلى درك الحيوان بفوضوية الغرائز، ولضمان هذا التنظيم ينظر الإسلام للجماعة باعتبارها كلاً لا يتجزأ وينظر للفرد باعتبار أنه جزء من هذه الجماعة لا ينفصل عنها. صنف النبي صلى الله عليه وسلم الناس في المجتمع من خلال حديث شريف إلى ثلاثة أصناف، أولهم: المستقيم على حدود الله تعالى الذي لم يتجاوزها، وهو الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، وثانيهم: التارك للمعروف المرتكب للمنكر، وثالثهم: المتباطئ عن دفع المنكر الساكت عنه.


وهذه الأصناف الثلاثة حالها كحال ركاب سفينة أخذ كل منهم مكانه عليها بالقرعة، فكان من في الأسفل يرغبون بالصعود إلى أعلى السفينة ليأخذوا منها الماء، حيث إن هذا التصرف من وجهة نظرهم يسبب ضررًا لغيرهم؛ لذا أرادوا أن يفتحوا فتحة في نصيبهم أسفل السفينة تمكنهم من أخذ حاجتهم من الماء دون إيذاء غيرهم، فإن تركوهم وما أرادوا من تخريب السفينة بالخرق، فإنهم سيهلكون جميعًا بلا شك، سواء من سكن في الأعلى أو من سكن في الأسفل، وذلك لأنه بخرق السفينة ستغرق هي ومن فيها.


وفي ذلك دلالة على أن الناس إن منعوا الفاسق عن فسقه، نجا ونجوا معه، وإن تركوه يفعل المعصية ولم يردعوه، نزل بهم عذاب الله تعالى وهلكوا جميعاً، يقول سبحانه: ﴿وَاتّقُوا فِتنَةً لا تُصِيبَنَّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُم خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]، وهذا ما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم حينما سُئل: "أنهلك وفينا الصالحون؟" قال: «نعم.. إذا كثُر الخبث» [رواه البخاري].


كما أن هذا الحديث الشريف يُقرر سنة من سنن الله سبحانه وتعالى في الكون، وأصلاً من الأصول العظيمة، وهو تكافل أفراد الأمة وتضامنهم، وتعاونهم في سبيل تثبيت دعائم الحق والخير والفضائل، والقيام على حراسة هذه الأصول والقضاء على أهل الباطل والشرور والرذائل، وإلا فلا قيام لحق، ولا استقرار لفضيلة، ولا دوام لعزة وسلطان.


يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا».


هذه النظرة تجعل للمجتمع والفرد مفهوماً خاصاً، فالأفراد وهم جزء من الجماعة لا بد من أفكار تربطهم يعيشون بحسبها، ولا بد أن يكون لديهم مشاعر يندفعون بها ويتأثرون بها، وأن يكون لهم نظام يعالج مشاكل حياتهم، وينظم علاقاتهم، ومن هنا كان الفرد مقيدًا بأوامر الله ونواهيه وليس له حرية مطلقة فيما يفعل، وكان الخروج على هذه القيود جريمة تختلف باختلاف نوع الخروج، وكان لا بد من تأثير المبدأ على معتنقيه، فيكون الحفظ طبيعياً، ولا بد من دولة لتطبق النظام لتحفظ الفرد والجماعة. ومن هنا كان المبدأ هو الذي يقيد، والدولة هي المنفذة، وكانت السيادة للشرع وليس للفرد ولا للمجتمع يفعل ما يشاء.


إن الإسلام عقيدة وأنظمة للحياة وليس دينا كهنوتياً في المساجد والزوايا! إنه دين يوقف تعدي الأفراد على أنفسهم، وعلى غيرهم، فلا يجوز شرعا أن تذر الدولة الناس يقومون بفعل المنكرات، بل عليها أن تأخذ على أيديهم وتردعهم طاعة لله سبحانه وتعالى.


هكذا هو الإسلام وجهة نظر معينة في الحياة وطراز خاص للعيش لا مثيل له، كان، وسيكون بالقريب العاجل بإذن الله بقيام الخلافة التي ستعيده للحياة بعد أن حبسوه في الكتب زهاء قرنٍ من الزمان ولمثل هذا فليعمل العاملون.


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم أواب غادة عبد الجبار

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو