سلسلة مجموعة خطب : (1)  لا طريق للتغيير الحق سوى طريق واحد
April 11, 2019

سلسلة مجموعة خطب : (1) لا طريق للتغيير الحق سوى طريق واحد

سلسلة مجموعة خطب

(1)

لا طريق للتغيير الحق سوى طريق واحد

إن الحمد لله منزل السحاب وهازم الأحزاب السميع العليم القوي الشديد المتين، حمدا كثيرا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخليله وصفيه، صلوات ربي وسلامه عليه، بلغ الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاد حتى أتاه اليقين، ونحن على ذلك شاهدين وسائرين.

أيها الناس: يقول الحق تعالى في محكم كتابه في سورة المائدة ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ.

 إن هاتين الآيتين تتحدثان عن وجوب الحكم بما أنزل الله، وهناك بضع وثمانون آية في القرآن العظيم كتاب ربنا تتحدث عن الحكم بما أنزل الله وتحثنا على الحكم به، وهذا ليس من باب العبث، لا والله وحاشا لله، بل لفرضيته وعظمته وعدله لأنه من الله، فهل بات الحكم بما أنزل الله ماثلاً وقائماً بيننا؟ ويسأل سائل هل لو كان الحكم بما أنزل الله قائماً وحادثاً، هل سيؤول حال الأمة إلى ما نحن عليه اليوم من بأس وشقاء ودماء؛ أمة يقتلها الفقر والجوع والجهل والحروب والدمار والفرقة وتسلُّط أعدائها عليها فورثوها الذل والهوان؟ وقد قال الرسول ﷺ في ذلك فعن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس يرفعه إلى النبي ﷺ: أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ حَتَّى رَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَإِنِّي أُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّيسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ قَوْمِي بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا، وَلَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَقَالَ: يَامُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَلَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِمَّنْ سِوَاهُمْ فَيُهْلِكَهُمْ بِعَامَّةٍ، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَبَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا، وَبَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا». فقال النبي ﷺ: «إِنِّي أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، فَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي، لَمْ يُرْفَعْ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وقال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».

نعم لماذا أصبح هكذا هو الحال والمقام والمقال؟

ما أشبه الليلة بالبارحة وما أشبه حالنا اليوم بحال قبائل العرب قبل الإسلام من تشرذم وفرقة واقتتال وتسلط الفرس والروم عليهم، الدول الكبرى آنذاك، مع فارق أنهم كفار يعبدون الأصنام ويقدسون قوانين قريش الوضعية، أما نحن فمسلمون ونعبد الله ولكن نتبع قوانين قريش عام 2019 والمتمثلة اليوم بقوانين الرأسمالية وأحكامها وأممها المتحدة، فدستورنا دستور علماني فرنسي استقبلته مصر ونشرته لبلاد المسلمين وكل بلد منها فصله حسب قياسه ومقاييسه وعاداته وتقاليده، وكذلك مع فارق تغير وتقدم العلم والوسائل والأساليب، فماذا فعل رسول الأمة حيال ذلك؟ فماذا فعل حتى نهض بقريش والعرب؟ فهل ذهب للروم والفرس ليتشرب ثقافتهم ودستورهم وحضارتهم؟ وهل شارك مجتمع مكة ونظامها وحكومتها وهو نظام حكم بغير ما أنزل الله رغم أنهم رحبوا بذلك أشد ترحيب؟ أو هل شكل فرقة وقتل الكفار كفار قريش؟ أو هل شكل وأنشأ جمعية خيرية لفقراء المسلمين لمعونتهم؟ وهل تحالف وانضم لقبيلة عامر بن أبي صعصعة والتي اشترطت عليه الحكم من بعده والتي كانت طامعة في دولة محاصصة الأولى لبني هاشم والثانية لها فيما يسمى بتداول السلطة اليوم فإذا كانت الأولى لبني هاشم والثانية لبني صعصعة فمن لآل المسلمين وهم كثر؟ فهل قبل ذلك؟ أم رد عليهم وقال صلوات ربي وسلامه عليه: «الأَمْرُ إِلَى اللهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»؟ وهل قبل الحكم المشروط كذلك من قبيلة بني شيبان عندما قبلت أن تمنع الرسول ﷺ ولكن من العرب أما العجم فرفضت ذلك لأنه بينها وبينهم عهد وميثاق؟ فقد يقول قائل لماذا لم يحسب الرسول ﷺ الأمر عقليا وبقاعدة (نتمسكن نتمسكن لما نتمكن)؟ فهل فعل ذلك أم أبى كل ذلك ولم يقبل إلا أمر الله وهو حكم الشرع لا حكم العقل؟ نعم لم يقبل إلا حكم الشرع، أي حكم الإسلام، أي أفكار الإسلام. لذلك كان ﷺ تغييره فكريا لا أي من هذه الطرق المخالفة والضالة للطريق القويم. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبيلِي أَدْعُو إلى اللهِ عَلَى بَصيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتبَعَنِيِ وسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكينْ﴾ فلم يقبل سبل الشيطان المخالفة لأمر ربه واتبع سبيل الله فالتزم بالطريق التي رسمها له رب العزة وهي إنشاؤه لكتلة عمل فيها على:

1- الأمر الأول: تثقيفها بثقافة الإسلام عقيدةً وأحكاماً، عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله وما انبثق عنها من أحكام الشرع في الحكم والاقتصاد والمعاملات والقضاء وغيرها بحيث إن هذه الثقافة تصبح جزءاً منهم لا يعقلون ولا يحيون إلا بها، أي وفق الحلال والحرام وليس المصلحة والهوى، فهذا هو دينهم وديدنهم حتى لو عارضت هوى مجتمعهم وأفكاره ومعتقداتهم، وهكذا كان الحال والمقال فقد كانوا يتعرضون للأذى بسبب مخالفة أفكار الإسلام لأفكار الكفر ورغم ذلك كانت شيمتهم التحدي والثبات والعزيمة والصبر على الأذى، وما يأتي الصبر إلا بالنفس المؤمنة القوية التي تثبت على الحق وترى الجنة والنار رأي العين لا حديثا مفترى أو إنشاء أو شعرا دون واقع، بل عقيدة جازمة في القلب والعقل تدفع صاحبها للتضحية في النفس والمال والأهل كحال أصحاب الأخدود وماشطة فرعون في الأمس ومسلمي الروهينجا وآسيا الوسطى وتركستان الشرقية في الصين اليوم. هذه هي الشخصية الإسلامية التي أنشأها رسول الله ﷺ والتي تتميز بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، عقلية يتزود صاحبها بالثقافة الإسلامية أي أفكار الإسلام وأحكامه حتى يكون نبراساً يهدي طريق الآخرين ويفرض هذه الأفكار في مجتمعه بالدليل القاطع والحجة الدامغة والبرهان الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، وكذلك تتميز هذه الشخصية بالنفسية الإسلامية وهي النفسية التي تعتصر شوقا وقربا وحبا للقاء الله في الدنيا وذلك بالتزود بالطاعات والقربات من صيام ونسك وصدقة وصلاة ودعاء، فأقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد بين يديه آناء الليل يخشى الآخرة وسعيرها، وابتهاجا آخر حين لقاء الله وحين انتهاء الأجل، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه... فاللهم اجعلنا من المتقين واجعلنا من المرضيين عنهم وممن يحبون لقاء الله ويحب الله لقاءه.

2- الأمر الثاني: تفاعل هذه الكتلة مع أفكار الإسلام وأحكامه وذلك بعد تفهمها لهذه الأفكار واقتناعها بها يقينا فإن هذا يدفعها لنشر هذه الأفكار والأحكام التي اقتنعت بها وخوضها الصراع الفكري والكفاح السياسي، أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالإيمان يدعو للعمل، الإيمان يدعو للعمل، نعم كتلة تدعو في كل مكان؛ في الشارع، في السوق، في البيت، في العمل، في طابور ما، في كل مكان وزمان ما استطاعت إليه سبيلا. نعم تدعو البشر إلى الصلاح وإلى الحق، فمن هؤلاء من يستجيب ثم لا يلبث أن يحجم عن الدعوة لسبب ما، يعالج السبب ويتابع عليه حتى يصلح حاله ويقوم اعوجاجه، ومنهم من يستجيب ويثبت على الحق، فهم بحق بشر وليسوا بآلة... نعم بشر لهم فكر يقوى ويضعف ومشاعر تلتهب وتبرد وقناعات تتغير حسب وعي الشخص وإدراكه وعلمه... ولكن الذي يبقى سيد الموقف هو الفكر والحجة التي يجب الأخذ بها أخذا بالأسباب وما نحن مكلفون به من الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. ويستمر عرض الفكر والنقاش والحوار والدروس والمواعظ والحجة بالحجة والبرهان بالبرهان حتى يتكون عند الأمة رأي عام إيجابي في المجتمع نحو الفكرة والدعوة التي يُدعى لها، فتحتضن هذه الفكرة والكتلة احتضانا طبيعيا لأن هذا الاحتضان كان ناتجاً عن قناعة بأفكار الإسلام المقنعة للعقل والموافقة للفطرة التي فطر الله الناس عليها فتتحقق السعادة والرضا، وذلك كما احتضن مجتمع المدينة الفكر الذي أتى به سفير الإسلام الذي أرسله الرسول ﷺ مصعب بن عمير حينما أقنع سكان المدينة وقبائل المدينة وسيد بني عبد الأشهل سعد بن معاذ والذي كان يمثل أهل القوة والمنعة في المدينة فآمن بالفكرة الإسلامية ونصرها نصراً مؤزرا، فعلى هذه الجماعة أن تذهب لطلب النصرة اليوم ممن يملكونها، ضباطاً وجنرالات في الجيش أو قادة قبائل مؤثرين ليجددوا سيرة الأنصار رضي الله عنهم.

3- الأمر الثالث استلام الحكم، وهذا يكون بعد إيجاد رأي عام في الأمة مبني على وعي عام، فتقوم الجماعة بدعوة أهل القوة لهذا الفكر لكي يُسَلِّمُوا ويوصلوا الإسلام ورجاله للحكم، فها هو رسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه يطلب النصرة من أهل القوة وهي في ذلك الوقت 15 قبيلة وترفض كل عروضه، فقد عرض على ثقيف وأبت ورجموه بالحجارة حتى اندمت قدماه الطاهرتان، هو بأبي وأمي ومن في الأرض جميعا، ثم يسير حزينا ويعتصر قلبه ألما لامتناعهم عن نصرته ورغم الألم والكَلَمْ فلم يتوجه للروم ولا للفرس بل لله عز وجل يشكي ويبكي حزنه وبثه إليه فيقول دعاءه الذي تعتصر له القلوب وتذرف له المقل «اللَّهُمَّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي، وَقِلّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ! أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي؟ أَمْ إِلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِكَ» وهذا الحدث العظيم إن دلّ فإنما يدل على فرضية هذا الدور إضافة للدورين السابقين في إقامة القوة والكيان والدولة التي تحمي المسلمين وتجعلهم يبلغون دين الإسلام من خلال هذه الدولة، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، فهي أدوار مهمة وعظيمة، كل يأتي بعد الآخر ولا غنى لأحدها عن الآخر، فبها يوصل الإسلام للحكم. فهل سارت الحركات بهذه الخطوات الشرعية أم خالفت الطريق وأبلت بلاءً سيئا؟

إن الكثير من الجماعات اليوم خالفت طريقة الإسلام في التغيير ظنا منها أن كل حركة لها اجتهادها وطريقتها مع أن طريقة تغيير الواقع هي طريق واحد لا غير لأنها من أحكام الطريقة؛ فالطريقة في الإسلام لأي حكم شرعي فرض وليست اختيارية حسب الهوى، فقطع يد السارق وجلد الزاني و2.5% من الزكاة وطريقة أداء الصلاة ومناسك الحج والصيام وشروط انعقاد الخلافة للحاكم وعزله لمخالفته للشروط مثلا... كل هذه طرق لأحكام شرعية يجب الالتزام بها، فهل يجوز مخالفة أي مما سبق فلا نقطع يد السارق أو جعل مقدار زكاة المال 5% مثلا ونغير من طريقة أداء الصلاة مثلا؟ لا شك أنه لا يجوز. كذلك طريقة إقامة دولة الإسلام فهل الإسلام أوجد طريقة للطهارة والوضوء وعجز عن إيجاد طريقة لإقامة الدولة؟ إن طريقة إقامة الدولة أثبتها القرآن والحديث والسيرة والفقه وحث عليها الشرع، فهي طريقة شرعية وطريقة عملية لإقامتها، من اعتصم بها وصل ومن خالفها شقي وضل. وكثير من الجماعات قد قامت بمخالفة طريقة الرسول ﷺ؛ فمنها من استخدم العنف للوصول للسلطة وأعادت الأمة للخلف فخلفت الدمار والشقة بين شرائح الأمة وأبنائها وبين هذه الأحزاب، ومنها من استخدم الديمقراطية طريقا للوصول للحكم ومن ثم على رأيها إيصال الإسلام للحكم فقد وصلت للحكم كحركة إسلامية ولم توصل الإسلام كمبدأ عقيدة ونظام للحكم، فاستمر الحكم كما سبق؛ حكماً ديمقراطياً علمانياً مفصولاً فيه الدين عن الحياة، وصار كل ناهق حاقد على الإسلام يتشفى ويصبّ جام غضبه عليه ويفرغ سمه فيه بقوله إن الإسلام السياسي لا يستطيع الحكم! رغم أن العيب في الحركات وليس الإسلام. ومن هذه الحركات من أطاع الحكام المأجورين بحجة أنهم أولياء أمور، فهل نحكم نحن اليوم بما أنزل الله؟ ومن ثم هل الحاكم الذي يحكمنا بغير ما أنزل الله هو ولي أمر طالما أن الحكم القائم ديمقراطي تنتشر فيه الرذيلة بحجة الحريات وحرية المرأة وانتشار للربا والزنا والقتل وغيرها من المعاصي وكذلك من تسلط أعداء الإسلام علينا؟؟ ومن الحركات من أدخل الأمة في صراعات وفتن مذهبية هي بغنى عنها بحجة محبة الصحابة أو محبة آل بيت رسول الله؟ إن مُفرّقات الأمة كثيرة منها على أساس قومي عربي أو عجمي أو تركي أو أمازيغي، ومنها على أساس وطني مصري عراقي يمني تركي أوزبيكي صومالي... وهكذا، ومنها على أساس طبقي وما يسمى سيد أو بدوي أو حيك أو قبيلي... مفرقات ما أنزل الله بها من سلطان أو حجة أو برهان رغم أن الصحابة رضوان الله عليهم كان منهم عبد الرحمن بن عوف يشتغل ببيع الجبن وعلي بن أبي طالب كان يشتغل بالحفر يحفر كل دلو بتمرة، وذاك يشتغل ببيع اللحم وكل حرفة حلال بارك الله فيها وفي أصحابها... فمن الذي أعز ذاك أو ذاك فهل النسب أو العربية أو الطبقية أو الوطنية أم هو الإسلام؟ فهذا بلال بن رباح حبشي أين هو؟ أليس في الجنة؟ وأين أبو لهب وهو من سادة قريش ومن أنسب العائلات وعم رسول الله ﷺ فأين هو؟ أليس في جهنم؟ إذا أين الميزان أيها المسلمون أليس التقوى؟

ألم يقل رب العزة في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وكما قال رسول الله: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ إِلاّ بِالتَّقْوَى» وقال ﷺ: «وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا» فهل الله عادل أم - حاشا لله - ظالم؟ بل هو العدل وهو الحق. نحن قوم أعزنا الله بماذا؟ بالإسلام، فلو ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. وهذا هو واقعنا؛ ابتغينا العزة بغيره فأذلنا الله! نسأل الله العظيم أن يعلي شأننا بالإسلام العظيم ويزيل عنا الأحقاد ويؤلف بين قلوبنا بالإيمان إنه سميع قريب مجيب... هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين إنه غفور رحيم، أثابكم الله...

------------------

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاما على النبي المجتبى صلوات ربي وسلامه عليه وبعد...

إن الإسلام عظيم وجعل لنا منهجا قويما سليما معافى من كل عيب، فمن التزم به نجا وهدى، ومن خالفه ضل وشقى، وهذا هو حال الأمة بعد غياب الإسلام وفكره ودولته... فالله الله يا أمة الإسلام بالعمل والعمل بما عمل به رسولنا الكريم ﷺ، فقد أنشأ الدولة وضم كل من حولها، فالعلم العلم والعمل والعمل بذلك، بطريقة الرسول ﷺ، ويكفينا ما قامت به المؤسسات والدول والحكومات وبعض الأحزاب المأجورة للغرب الكافر من أعمال أغرقت الأمة من ضنك إلى ضنك ومن شقاء إلى شقاء، فالفكر الفكر فانشروا أفكار الإسلام ومفاهيمه الحق والتي بها ترتقي من شاهق إلى شاهق ومن سامٍ إلى أسمى، فهلمَّ بأحكام الاقتصاد والحكم والقضاء والتعليم وغيرها من أحكام الإسلام لأننا بها ندفن أفكار الرأسمالية والديمقراطية العفنة والتي تحكمنا اليوم في كل مناحي الحياة والتي أذاقتنا لباس الخوف والجوع والضنك والبأس والشقاء. لذلك كان حريا بنا أن نفهم هذه الأحكام للعمل على نشرها، ولتعلموا أن الغرب الكافر ينظر لنا نظرة واحدة أننا مسلمون، فهو يحاربنا بصفتنا مسلمين، فاعتصموا بالحبل الذي أمركم الله الاعتصام به وأوجدوا دولة واحدة لكم تحميكم وتطبق شرع ربكم وتخرج البشرية من الظلمات إلى النور... الغرب الكافر أدرك أين مصدر قوتكم وعزتكم وهو وجود دولة واحدة لكم تطبق الإسلام؛ فيها حاكم واحد وجيش واحد وبقية أرض واحدة وتعمل على نشر الإسلام للعالم، فعمل على هدمها ونجح في عام 1924م فتمزق المسلمون بهدمها كل ممزق... قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. اللهم طمئن قلوبنا وعقولنا بالإسلام وأحكامه، اللهم أعزنا به وارفع راية الحق خفاقة يا أرحم الراحمين، اللهم ارحمنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، اللهم ائذن لأهل الأرض أن يحكموا بشرعك وخلافتك دولة توحد المسلمين وتلم شعثهم وتعيد قدسنا وتنقذ أهلنا في مشارق الأرض ومغاربها، فقد اشتقنا لها وتقنا لها ولعودتها آمين آمين... عباد الله إن الله يأمركم بثلاث وينهاكم عن ثلاث إن الله يأمركم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

إعداد: عبد الرحمن العامري – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو