طاعة الله كما يحبّ لا كما نحبّ!
طاعة الله كما يحبّ لا كما نحبّ!

شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله معناها أن نعبد الله وحده لا شريك له؛ ننفّذ أوامره وإن خالفت هوانا ونبتعد عن نواهيه وإن وافقت مرادنا. منهج أرسى عليه e  دعوته وجعل حبّ الله وحبّ رسوله في أعلى المراتب لا يضاهيهما حبّ النّفس ولا الولد ولا المال. وقد حذّر الله سبحانه وتعالى المسلمين من أن يكون لهم شيء أحبّ لهم من الله ورسوله والجهاد في سبيل الله

0:00 0:00
السرعة:
June 18, 2019

طاعة الله كما يحبّ لا كما نحبّ!

طاعة الله كما يحبّ لا كما نحبّ!

شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله معناها أن نعبد الله وحده لا شريك له؛ ننفّذ أوامره وإن خالفت هوانا ونبتعد عن نواهيه وإن وافقت مرادنا. منهج أرسى عليه e دعوته وجعل حبّ الله وحبّ رسوله في أعلى المراتب لا يضاهيهما حبّ النّفس ولا الولد ولا المال. وقد حذّر الله سبحانه وتعالى المسلمين من أن يكون لهم شيء أحبّ لهم من الله ورسوله والجهاد في سبيل الله ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فجزاء من يفعل ذلك تهديد ووعيد من الله وأن يكون من القوم الفاسقين.

ركيزة مهمّة يبنى عليها إيمان المرء حتّى لا يحبّ غير الله ورسوله ودينه. بقوّتها وضعفها تقاس قوّة إيمان المرء وضعفه، فالمسلم متى كان حبّه لله ولرسوله في أعلى سلّم ما يحبّ يكون بذلك قد حقّق إيمانه الصّحيح القويم السّليم وبه ينال رضوان ربّه. عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: كنّا مع النّبي eوهو آخذ بيد عمر بن الخطّاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحبّ إليَّ من كلّ شيء إلاّ من نفسي! فقال النّبي e: «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فقال له عمر: فإنّه الآن والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي، فقال النّبيّ e: «الآنَ يَا عُمَرُ»؛ رواه البخاري.

"بأبي وأمّي أنت يا رسول الله"... "فداك يا رسول الله"... "إلّا رسول الله"... شعارات رفعت بحرقة حين نال بعضهم وأساء لرسول الله eولكن نسأل: هل الأمّة اليوم تحبّ دينها ورسولها أكثر من الأبناء والآباء والأزواج والأموال والمساكن...؟ فهل الأمّة اليوم على استعداد للتّفريط بدنياها لأجل دينها؟ هل الأمّة مستعدّة لتضحّي بالغالي والنّفيس لرفع راية الإسلام؟ أين حبّ أمّة الإسلام لربّها ولرسوله والكافر ينتهك الإسلام ويقصيه ويحارب أحكامه؟! كيف ترضى بالعيش بدونه ولا تفديه بالأنفس ولا تبذل المال والبنين لأجل عودته وتحكيمه في الأرض كما يحبّ الله هدى ونورا للعالمين؟!

أوجب الله سبحانه على المسلمين طاعة النبيِّ e، قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ فطاعة المسلم للرّسول طاعة لله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ هذه الطّاعة تستوجب الانقياد التّام لما أتى به الرّسول eمن قرآن وسنّة ولو خالف ذلك الهوى وصعب على النّفس، فمن يحبّ كان لمن يحبّ مطيعاً يعمل على نيل رضاه. عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». فعلى المسلم أن يتّبع ما جاء به محمّد eويعمل بما في كتاب الله وسنّة نبيّه لا يرضى بغيرهما ويحيا كما أراد له ربّه؛ عيشة يرقب من ورائها الجنّة فلا يغفل لحظة عن أحكام ربّه ولا يتجاوزها... يبحث عن الحلال فيأتيه وعن الحرام فيتجنّبه مهما كان في ذلك من صعاب ومتاعب وحتّى لا يكون في زمرة أولئك الذين يعيشون وهم عن لقاء ربّهم معرضون ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

فكيف لمسلم يقول: أحبّ الله وأحبّ رسوله e، كيف له أن يوالي أهل الكفر والعصيان ويعادي أهل الهدى والإيمان ويكون حبّه للنّاس وبغضه لهم لغير الله؟! كيف لمسلم يحبّ ربّه أن يرضى بغيره يشرّع الأحكام فيباركها وينادي بالعمل بها؟! ﴿لَّا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

قد يستغرب البعض ويتساءل لماذا على المسلم أن يحبّ الرّسول ويعظّمه هذا التّعظيم الكبير؟ وقد يراود هذا السّؤال البعض من المسلمين أنفسهم في ظلّ ما شوّه عقولهم من مفاهيم فاسدة فرضتها الحضارة الغربيّة التي سادت العالم وسيطرت على بلاد المسلمين. يجيب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأمّا السبب في وجوب محبّته eوتعظيمه أكثر من أي شخص فلأنّ أعظم الخير في الدّنيا والآخرة لا يحصل لنا إلّا على يد النّبيّ e بالإيمان به واتّباعه، وذلك أنّه لا نجاة لأحد من عذاب الله، ولا وصول له إلى رحمة الله إلاّ بواسطة الرّسول؛ بالإيمان به ومحبّته وموالاته واتّباعه، وهو الذي ينجيه الله به من عذاب الدّنيا والآخرة، وهو الذي يوصله إلى خير الدّنيا والآخرة. فأعظم النّعم وأنفعها نعمة الإيمان، ولا تحصل إلّا به وهو أنصح وأنفع لكلّ أحد من نفسه وماله؛ فإنّه الذي يخرج الله به من الظّلمات إلى النّور، لا طريق له إلاّ هو، وأمّا نفسه وأهله فلا يغنون عنه من الله شيئا...". كيف لا يكون الرّسول e أحبّ للمسلم من نفسه وولده والنّاس أجمعين وهو الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان وأنّه هو سبب بقائه البقاء الأبديّ في نعيم الجنّة السّرمديّ؟! كيف لا يحبّه هذا الحبّ العظيم وقد وهب له السّعادة التي لا مثيل لها؟!

أنْ نحبّ الله والرّسول معناه أن نطيعهما ونعمل على تنفيذ الأحكام التي جاءت في الكتاب والسّنّة ونجعلها نبراسا نهتدي ونهدي به النّاس. ننفّذها كاملة دون نقصان فلا ننتقي البعض منها ونترك الآخر أو نغيّر فيها كما تحبّ الأنفس وتهوى «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ». فأنْ يحبّ المسلم والمسلمة ربّه معناه أن يطيعه ولا يعصيه في أيّ أمر ويعمل على العيش في كنف أحكامه ولا يرضى بغيرها... أن تحبّ المسلمة ربّها معناه أن تتقيّد بأحكامه ولا تترك مجالا للهوى والنّفس فيقودانها إلى ما يغضب ربّها بأن تلهث وراء صيحات الموضة وتتناسى واجب الالتزام باللّباس الشّرعي الذي فرضه الله عليها وتخرج متبرّجة عاصية له. وأن يحبّ المسلم ربّه يعني أن يلتزم بما أمره وينتهي عمّا نهاه عنه فلا تسريحات شعر حسب آخر صيحة ولا لباس على الطّراز الغربيّ... أن يحبّ المسلم والمسلمة ربّه معناه أن لا يحيا دون أحكامه ويسير في هذه الدّنيا دون هديها ويعمل بها فيرضي ربّه وينال خير جزاء. أن يحبّ المسلم ربّه معناه أن يطيعه كما أمر وكما يحبّ لا كما يحبّ هو أو كما تحدّثه به نفسه!

فأين أنت يا أمّة الإسلام من العمل بهذا؟ أين أنت من هدي نبيّك e؟ أين أنت من المكانة التي خصّك الله بها لتكوني خير أمّة أخرجت للنّاس؟ كيف لا تسيرين على خطا نبيّك e وتكونين أمّة شاكرة لربّك؟!

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ eإِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً».

فيا خير أمّة أخرجها الله لعباده، كوني أمّة شاكرة لربّك وخذي موقعك الذي اصطفاك الله له وقودي النّاس للخير ودلّيهم إليه وأعيدي مجدك وعزّك وارفعي راية دينك عاليا... وليشمّر أبناؤك عن السّواعد وليعلوا الهمم لإقامة دولة الإسلام التي بها ستكونين بإذن الله في أعلى القمم!

كتبته لإذاعة المكتب الإعلاميّ المركزيّ لحزب التّحرير

زينة الصّامت

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو