تعدُّد الزّوجات في الإسلام
October 20, 2018

تعدُّد الزّوجات في الإسلام

تعدُّد الزّوجات في الإسلام

لقد أولى المفكّرون والباحثون الاجتماعيون وغيرهم الكثير موضوع تعّدد الزّوجات أهمية كبيرة باعتباره موضوعاً حساساً اشتد حوله الجدل كثيراً، وما زال وسيبقى طالما أن الحرب على الإسلام وأحكامه قائمة.

يُعتبر موضوع تعدّد الزّوجات مادة دسمة للنقد والطعن للهجوم على الإسلام والمسلمين، خاصة وأنه يتمّ إيهام الناس بأنَّ التعدّد مقصور فقط على الأمة الإسلامية، ولكن الحقيقة أنَّ التعدّد كان ولا يزال معروفاً عند أمم الأرض، وعلى مدار التاريخ قبل وبعد بعثة نبينا محمد r.

لقد كان تعدّد الزّوجات سائداً قبل ظهور الإسلام في شعوب كثيرة مثل الصينيين والهنود والفرس والمصريين القدماء والعبريين والعرب والشعوب الجرمانية والسكسونية التي ينتمي إليها سكان أوروبا الشرقية والغربية مثل ألمانيا والنمسا وسويسرا والسويد وهولندا والنرويج وغيرها، فالإسلام لم يُنشئ التعدّد، وإنّما حدّده، ولم يأمر بالتعدّد على سبيل الوجوب وإنّما أباحه وقيّده ووضع له أسساً تنظمه وتحدّ من مساوئه وأضراره التي كانت موجودة في المجتمعات البشرية التي انتشر فيها التعدّد.

ورد تشريع تعدّد الزوجات في القرآن الكريم وبالتحديد في آيتين فقط من سورة النساء وهما: قوله تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ وتُفيد هاتان الآيتان أحكاماً شرعية تتعلق بحكم تعدّد الزّوجات في الإسلام.

فالآية الأولى نزلت على النبي r في السنة الثامنة للهجرة. وكان نزولها لتحديد عدد الزوجات بأربع، إذ كان إلى حين نزولها لا حدّ له. ومعنى الآية أنْ تزوجوا يا معشر الرجال ما حلّ لكم وطاب لكم من النساء، اثنتين وثلاثاً وأربعاً. ومثنى وثلاث ورباع معدولة عن أعداد مكررة، وقد وجب التكريرُ ليصيب كل ناكح يريد أن يتزوج عدة نساء ما أراده من العدد، على شرط أن يكون الجمع من الذي يريده، محصوراً في هذا العدد.

والآية الكريمة كما تبيح تعدّد الزوجات وتحدّده بأربع، ولكنها تأمر بالعدل بينهن، فمعنى قوله تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ هو إن خفتم ألّا تعدلوا بين هذه الأعداد فاختاروا واحدة. والآية تُرغّب في الاقتصار على الواحدة في حالة الخوف من عدم العدل، لأن الاقتصار على الواحدة في حالة الخوف من عدم العدل أقرب إلى عدم الجور، وهو ما يجب أن يتصف به المسلم، فمعنى ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي ذلك أقرب أن لا تجوروا.

إلّا أنه يجب أن يعلم أن العدل هنا ليس شرطاً في إباحة تعدّد الزوجات وإنما هو حكمٌ لوضع الرجل الذي يتزوج عدداً من النساء، في ما يجب أن يكون عليه في حالة التعدّد، وترغيب في الاقتصار على الواحدة في حالة الخوف من عدم العدل، وذلك لأن الكلام ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ لا يتأتى أن يكون شرطاً لأنها لم تتصل بالجملة الأولى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ اتصال الشرط، بل هي مستأنف. فإنه أولاً أباح تعدّد الزوجات بأربع دون قيد ولا شرط، ودون أي تعليل. ثم جاء بحكم آخر وهو أن الأولى الاقتصار على واحدة إذا رأى أن تزوّجه بأكثر من واحدة يجعله أقرب إلى الجور.

أما ما هو العدل المطلوب بين الزوجات، فإنه ليس العدل المطلق، وإنما هو العدل في الزوجية بين النساء الذي يدخل في طوق البشر أن يقوموا به، لأن الله لا يكلّف الإنسان إلّا ما يُطيق، قال تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾، نعم إن كلمة ﴿تَعْدِلُوا﴾ التي وردت في الآية الأولى عامة، ولكن هذا التعميم خصص فيما يستطيعه الإنسان بالآية الثانية ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾؛ فإن الله بيّن في الآية أنه محال أن نستطيع العدل بين النساء والتسوية، حتى لا يقع ميل البتة، ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن. فيكون خصص العدل المطلوب في غير المحبة واستثنيت من العدل المحبة والجماع، فإنه لا يجب فيهما العدل، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعدل في محبته، ويؤيد هذا المعنى ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسول الله r يقسم فيعدل ويقول: اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني قلبه، أخرجه الحاكم وابن حبان.

وقد أمر الله تعالى اجتناب كل الميل، ومعنى ذلك أنه أباح الميل، لأن مفهوم النهي عن كل الميل إباحة الميل. فيكون معنى الآية اجتنبوا كل الميل، لأن الميل كل الميل إذا حصل منكم يجعل المرأة كالمعلقة، التي هي ليست ذات بعل ولا مطلقة. وقد رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r أنه قال «من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطاً أو مائلاً» أخرجه ابن حبان في صحيحه.

هذا هو موضوع تعدد الزوجات كما وردت به النصوص الشرعية، أما واقع ما يحصل اليوم من تزييف لأثر هذا الحكم الشرعي على المرأة، على أنه ظلم يقع عليها وإجحاف بحقها، فهو عمل مقصود يُستهدف منه تشويه هذا الحكم الشرعي على أنه دعوة لخراب مستعجل للبيوت المستقرة. فكل ما يُطرح من مشاكل تعمّ الأسرة من استبداد وعنف ممارس وتشريد للأطفال وخراب البيوت العامرة، كأنه لا يحصل إلا في بيوت توجد فيها زوجة ثانية!

 لقد غاب عن أذهان هؤلاء المزيفين للحقائق أثر تعدّد الزوجات في الجماعة التي يُباح فيها تعدّد الزوجات إذ لا يحصل فيها تعدّد الخليلات، بينما الجماعة التي يُمنع فيها تعدّد الزوجات يحصل فيها تعدّد الخليلات. وعلاوة على ذلك فإن التعدّد يعالج الكثير من المشاكل التي تحصل في الجماعة الإنسانية بوصفها جماعة إنسانية، وتحتاج إلى أن يعالجها تعدّد الزوجات. وهاكم أمثلة من هذه المشاكل:

1- قد تكون المرأة عاقراً لا تلد، فإذا لم يبح للزوج أن يتزوج أخرى، كان عليه إما أن يُطلّق زوجته الأولى، وفي ذلك هدم للبيت وهنائه، وإما أن يُحرم من أن يتمتع بنسل وأولاد، وفي هذا كبت لمظهر الأبوة من غريزة النوع.

2- قد تكون الزوجة مريضة مرضاً يتعذر معه الاجتماع الجنسي، أو القيام بخدمة البيت والزوج والأولاد. ولا يريد طلاقها ولا تستقيم حياته معها وحدها دون زوجة أخرى.

3- قد يكون التناسل في أمة وشعب أو قطر لا يتساوى فيه الذكور والإناث، وقد يكون عدد الإناث أكثر من عدد الذكور، فينعدم التوازن بين الرجال والنساء، ويكاد يكون هذا هو الواقع في كثير من الشعوب والأمم. وفي هذه الحال لا يوجد هنالك حل يعالج هذه المشكلة إلا إباحة تعدّد الزوجات.

4- قد تحصل حروب أو ثورات تحصد الآلاف بل الملايين من الرجال ويختل التوازن بين عدد الرجال والنساء، كما حصل في الحرب العالمية الأولى والثانية بالفعل في العالم، فألمانيا مثلاً شجّعت على التعدّد لأن عدد الرجال الذين قضوا في الحرب كان كبيرا جداً، مما أدى إلى وجود خلل في الناحية الديمغرافية للسكان.

هذه مشاكل واقعية في الجماعة الإنسانية في الشعوب والأمم. فإذا مُنع تعدّد الزوجات بقيت هذه المشاكل دون علاج، إذ لا علاج لها إلّا بتعدّد الزوجات. إلّا أنه يجب أن يعلم أن هذه الحالات وأمثالها ممّا قد يحصل للإنسان وللجماعة الإنسانية هي مشاكل واقعية تحصل، وليست هي علّة لتعدّد الزوجات، ولا شرطاً في جواز التعدّد.

جاء الإسلام يبيح تعدّد الزوجات ولم يأت بوجوبه، ومع أن تعدّد الزوجات حكم شرعي ورد في نص القرآن الصريح، فإن الثقافة الرأسمالية والدعاية الغربية المغرضة والحاقدة على الإسلام بالذات دون سائر الأديان، قد صورت حكم تعدّد الزوجات تصويراً بشعاً وجعلته منقصةً وطعناً في الدِّين. وقد أثرت هذه الدعاية في المسلمين. فمنهم من وقف موقف المدافع وحاول التأويل الباطل لمنع التعدّد، جرياً منهم وراء ما تأثروا به من الدعاية الباطلة التي روجها أعداء الإسلام. ومنهم من وقف موقف هؤلاء الأعداء دون قصد فرفعوا الشعارات وصعدوا المنابر وأقاموا الحملات تلو الحملات مستخدمين شعار المساواة وحقوق المرأة الذي بات مطلباً عالمياً تُعقد له المؤتمرات وتسن لأجله القوانين الملزمة للتنفيذ والتطبيق في بلاد العالم الإسلامي دون سواه.

لهذا لا بدّ من تنبيه المسلمين إلى أن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع. وأن ما أباحه الشرع فهو من الحسن وما حرمه الشرع هو من القبيح، وأن تعدّد الزوجات سواء أكان له أثر ملموس حُسنه، أم لم يكن، وسواء أعالج مشاكل وقعت، أم لم يعالج، فإن الشرع قد أباحه، والقرآن قد نصّ على ذلك فهو فعل حسن، ومنع التعدد هو القبيح، لأنه من حكم الكفر. فإباحة التعدد وعدم وجوبه هو الذي يجعل تعدد الزوجات علاجاً من أنجع العلاجات للجماعة والمجتمع لدى بني الإنسان.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

رنا مصطفى

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو