تأملات في كتاب من مقومات النفسية الإسلامية الحلقة الرابعة والعشرون
April 04, 2012

تأملات في كتاب من مقومات النفسية الإسلامية الحلقة الرابعة والعشرون

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.


أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: عرضنا عليكم في الحلقة السابقة أنموذجا ثالثا للشخصية الإسلامية، عشت معها عن قرب، وتعلمت منها الكثير! وفي هذه الحلقة نتابع حديثنا حول هذه الشخصية.


تابعت أجهزة المخابرات صديقي وهو خارج من بيته متوجها إلى مكان بعيد، حيث يريد الذهاب من جبل الزهور في عمان إلى مدينة صويلح؛ لكي يزود أحد الشباب بما يصدر عن الحزب من النشرات والكتب والمجلات، كان يحملها في حقيبة سوداء، وظل صديقي ينتقل من سيارة إلى سيارة حتى وصل إلى المكان الذي يعمل فيه الشاب فلم يجده، وسأل عنه فقيل له: إنه خرج لبعض شأنه، وسيعود بعد ساعة، وفي هذه الأثناء رفع أذان الظهر، فترك الحقيبة أمانة عند أحد العاملين، ثم توجه إلى المسجد لأداء الصلاة، ولما وصل ووضع رجله اليمنى على الدرجة الأولى من درجات المسجد يريد النـزول، سمع صوتا يهتف باسمه من بعيد، يا أبا بسام، فالتفت فإذا رجل أمن من خلفه يمسك به، ويقوده نحو السيارة التي أعدت لاعتقاله، وكان يجلس فيها رجل الأمن الذي هتف باسمه، واقتادوه إلى دائرة المخابرات العامة، وهناك جرى الحوار الآتي: قال المحقق: أين الحقيبة السوداء التي كانت معك؟ قال صديقي: لن أخبرك! قال المحقق: لقد أتينا بها! ها هي على مكتبي! ألا تراها؟ قال صديقي: بلى أراها! قال المحقق: ماذا أفعل بك؟ أأسجنك؟ قال صديقي: وهل السجن يخيف؟ قال المحقق: ألا تخاف السجن؟ قال صديقي: لا. فإن السجن نعمة! إنني في السجن أتفرغ لعبادة الله! فأختم قراءة القرآن مرات عديدة، بينما لا أستطيع ذلك وأنا خارجه. ثم هل تعرف قانون العيب أيها المحقق؟ قال المحقق: لم أسمع بهذا القانون، ما هو قانون العيب هذا؟ قال صديقي: يكون لي جار، فكره ليس كفكري، وقناعته ليست مثل قناعتي، فيقول في نفسه: جارنا في السجن، عيب أن لا أزوره، فيأتي لزيارتي، ويضع لي شيئا من النقود، في حسابي لدى إدارة السجن، وهو خارج من عندي. هذا هو قانون العيب أيها المحقق. قال المحقق: هذا هو رأيك في السجن، فهل تتمناه؟ قال صديقي: لا أتمناه، ولكن إذا وقع القضاء، فمرحبا بقضاء الله!


قام المحقق يمسك بتلابيب صديقي وقميصه، ويدفع به نحو الحائط، وصديقي يتفرس في وجهه ويقول في نفسه: ماذا بعد هذه الجذبة؟ قال المحقق: إذن ماذا أفعل بك؟ قال صديقي: إذا كان لديك إجراء بحقي فاتخذه! قال المحقق: خير الأمور العفو! هيا اغرب عن وجهي! قال صديقي: لو تتكرم علي أيها المحقق بإعطائي هذه المجلات وهذه النشرات! قال المحقق: وما تريد أن تفعل بها؟ قال صديقي: كي أوزعها. قال المحقق: وهل أنت مصر على توزيعها؟ قال صديقي: أقسم بالله تعالى لو أني أزحف على العصعص، وهي عظمة صغيرة في أسفل العمود الفقري، سوف أبقى أوزع حتى أموت! فلقد عاهدت ربي أن لا أموت إلا وأنا حامل للدعوة! لقد صدق أخي وصديقي عهده مع الله؛ فبقي حاملا للدعوة حتى آخر لحظة من حياته، فكان وهو في المستشفى، يناقش الطبيب الذي يجري له عملية إيقاف نزيف الدم من المثانة. وإننا نحسبه والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدا أنه ممن ينطبق عليهم قول الله جل في علاه: {من المؤمنين ر‌جال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر‌ وما بدلوا تبديلا}. (الأحزاب 23)


لقد أمضى أخي وصديقي، وحبيبي ورفيق دربي في الدعوة، حياته حاملا للدعوة، يجعل لها المرتبة الأولى في سلم أولوياته، حدثني مرة أنه كان يشرف على حلقة تبعد عن مكان سكناه عدة كيلو مترات، وكان الجو باردا جدا، بل قارس البرودة بسبب تساقط الثلوج، وكان صديقي يجلس مع أبنائه الصغار حول المدفأة التي يضع فوقها وعاء مليئا بالماء الحار، وحان موعد الذهاب إلى الحلقة، وأخذت نفس صديقي تأمره بالسوء، تأمره وتقنعه بأن يترك الذهاب إلى الحلقة، ويتغيب عنها، وله في تساقط الثلوج أكبر الأعذار! فقال محاورا نفسه: لو أن أحد الأبناء وهو يلعب ويدور حول المدفأة، تعثر بها وانسكب الماء الحار على جسده، أكنت آخذه إلى المستشفى، وأراجع به الطبيب أم أنني أتعذر بسقوط الثلوج؟ وجاء الجواب سريعا بدافع الفطرة: لا بل آخذه إلى المستشفى، وأراجع به الطبيب. فقال صديقي: فحق الله أولى بالأداء!


نهض صديقي واقفا، وارتدى ملابس الخروج، وسار ماشيا على قدميه إلى أن وصل إلى المكان الذي تعقد فيه الحلقة، فوجد الشباب في انتظاره مما أبهج نفسه، وشرح صدره بطاعته لربه جل في علاه!


أيها المسلمون:


ما رأيكم بشخصية صديقي؟ كيف وجدتم عقليته؟ وكيف وجدتم نفسيته؟ ترى هل عرفتموه؟ إنه إبراهيم علان. الذي له من اسمه نصيب، كما قال أحد شبابنا في مجلس العزاء: فاسمه على اسم نبي الله إبراهيم الذي قال الله في حقه: {وإبر‌اهيم الذي وفى} (النجم 37) وحقا إن صديقي وفى فبقي حاملا للدعوة حتى آخر لحظة في حياته. رحمك الله يا أبا بسام رحمة واسعة، وجمعنا وإياك في الفردوس الأعلى من جنات النعيم، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.


إخوتي الكرام:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمد أحمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب )من مقومات النفسية الإسلامية) الحلقة المائـة وأربع

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وسيد المرسلين, المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها المسلمون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية, مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية, نقول وبالله التوفيق: موضوع حلقتنا لهذا اليوم هو "الشروط الواجب توافرها فيمن يخطب الجمعة".
اقتبست مادة هذه المقالة من مقالة كتبها الأستاذ علي مدني الخطيب الداعية المصري جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
إن الخطابة هي فن مشافهة الجماهير والتأثير عليهم، وخطبة الجمعة كانت ولا تزال لها تأثير كبير إذا أديت على الوجه الصحيح. وأما الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يخطب الجمعة، فمن الممكن أن نلخصها في الأمور الآتية:

أولا: يجب أن يشعر الخطيب بأنه صاحب رسالة يؤديها، ويقصد من خلالها وجه الله، حتى ولو كانت تلك وظيفته التي يقتات منها، وذلك لأن صاحب الرسالة يستفرغ كل طاقته في محاولة توصيلها للناس، لا يكل ولا يمل. والمشكلة الآن في أن الخطابة قد أصبحت وظيفة يتكسب بها الخطباء عند الغالبية العظمى منهم في كل البلدان، وهذا ما ضيع كثيرا من فائدتها. وعما قريب في ظل دولة الخلافة القادمة بإذن الله ستعود الخطابة إلى سابق عهدها, تؤدي دورها في الأمة على أحسن وجه وعلى أفضل ما يرام.

ثانيا: الخطابة فن، ولذا ينبغي لمن يتصدى لها أن يكون ذا موهبة، يثقلها بالعلوم والمعارف المختلفة، ذات الصلة الوثيقة بعلم الخطابة، فسعة الاطلاع خير معين للخطيب في أداء خطبته بقوة وتأثير.

ثالثا: الناس ينظرون إلى سلوك الخطيب، ويدققون النظر فيه، ولذا ينبغي أن تتطابق أفعاله مع أقواله، فالتزام الخطيب بأحكام الإسلام بوجه عام، وتطبيق ما يدعو إليه في خطبته، يجعل لكلامه قبولا عند المستمعين، أما مخالفة القول للعمل، فأكثر المستمعين لا يثقون به ولا بكلامه.

رابعا: أن يكون الخطيب شجاعا في قول الحق، مع التحلي بالحكمة وحسن التقدير للموقف، بعيدا عن التهور والاندفاع غير المحسوب، فالشجاعة في قول الحق صفة أساسية لا بد وأن يتحلى بها الخطيب؛ لأنه سيتعرض لأمور كثيرة, إن لم تكن عنده الشجاعة الكافية فلن يستطيع أن يوفيها حقها.
وكما نطالب الخطباء بالشجاعة، فإننا نطالب الحكام أن يسمعوا كلمة الحق ويستجيبوا لها. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها!".

خامسا: أن يكون وثيق الصلة بجمهوره، أقصد مستمعيه، وأن يحدث تقاربا بينه وبينهم، فيعود مرضاهم، ويسأل عن غائبهم، ويشارك في وضع الحلول لمشكلاتهم، وكلما اقترب من المدعوين ووقف بجانبهم في أزماتهم كان ذلك أدعى إلى التفافهم حوله.
مع ملاحظة أن يعف نفسه عما في أيدي الناس، كما ورد في الحديث الشريف عن سهل بن سعد الساعدي، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس". رواه ابن ماجة بسند صحيح.

سادسا: أن يكون على قناعة تامة بما يدعو إليه، حتى يكون قادرا على الإقناع والتأثير، فالإيمان بقضية ما يجعل صاحبها يدافع عنها بكل ما يملك.

سابعا: اختيار موضوع الخطبة بحيث يعالج القضايا التي لها مساس بواقع الحياة التي يحياها الناس، ويناقش المشكلات الاجتماعية المتعددة، ويحاول طرح الحلول المناسبة لها والمستنبطة من الشرع الحنيف، أما الموضوعات السلبية التي لا تعالج أمراض المجتمع وعلله المختلفة، فإن الاستفادة منها تكون قليلة. ويا حبذا لو اتفق خطباء الحي وحاملي الدعوة ممن يأمرون بالمعروف, وينهون عن المنكر, ويحرصون على تبليغ رسالة الإسلام للناس كافة, يتفقون على موضوع واحد، كل يعالجه بأسلوبه الخاص به، مع التقيد بالأحكام الشرعية, فستكون النتيجة أجدى وأفضل.

ثامنا: فصاحة اللسان، وسلامة مخارج الحروف، مع مراعاة حسن الإلقاء، قوة ولينا، فلا يكون الإلقاء على وتيرة واحدة، حتى لا يمل السامع.

تاسعا: حسن الهندام والمظهر، وإن كان لا دخل له في شخصية المرء, وهو من القشور كما بيـنا سابقا, لكن الأولى والأفضل أن يحرص المؤمن أن يظهر بالمظهر الحسن, فينبغي أن تكون ملابسه مرتبة, وهيئته حسنة.

عاشرا: أن يتجنب الألفاظ المسيئة التي لا يحسن استخدامها ومن الأمثلة على ذلك ما قاله أحد الخطباء في حضرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعصهما فقد ضل ضلالا مبينا" فقال له عمر رضي الله عنه: "بئس الخطيب أنت!". والخطأ في قوله: "ومن يعصهما" حيث استخدم ضمير المثنى "هما" ليعبر به عن الله ورسوله, والصواب ترك الضمير, وأن يقول: "ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا".

حادي عشر: مع الإعداد الجيد، ومع كل ما سبق: التوكل على الله، وطلب العون منه، كما فعل ذلك نبي الله موسى عليه السلام، حينما دعا ربه قائلا: {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي}. (طه 28)

ثاني عشر: مميزات الخطبة الناجحة خمسة: مقدمة قوية, وصوت واضح, وممارسة, وإلقاء معتدل وخاتمة قوية.

ثالث عشر: أقسام أو أجزاء الخطبة ثلاثة: هي المقدمة, والموضوع, والخاتمة.

رابع عشر: أهداف الخطبة أربعة هي: الإفهام والإقناع والإمتاع والاستمالة.

خامس عشر: خصائص أسلوب الخطبة عشر: قصر الجمل والفقرات, وجودة العبارة والمعاني, وشدة الإقناع والتأثير, والسهولة, ووضوح الفكرة, وجمال التعبير, وسلامة الألفاظ, والتنويع في الأسلوب ما بين الإنشائي والخبري, وقلة الصور البيانية, والإكثار من السجع غير المتكلف.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمد احمد النادي

المعلم التاسع: ثبوت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:
وقفنا في الحلقة السابقة: بما أن القرآن ليس من عند العرب، ولا من عند محمد صلى الله عليه وسلم وهو واحد منهم, ولا من عند العجم, فهو حتما من عند الله خالق الكون والإنسان والحياة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وما دام القرآن معجزا للبشر, فإن الذي أتى به دليلا على نبوته ورسالته يكون نبيا ورسولا حقا, وما دام القرآن لا يزال يتحدى البشر بإعجازه فهو معجزة دائمة. ومحمد إذن نبي لكل البشر حتى يوم القيامة, وهو خاتم الأنبياء والمرسلين, وهو الوحيد من بينهم الذي تمتاز نبوته بالدوام, ورسالته بالشمول والدوام.

أوحى الله إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم باللغة العربية بوساطة الملك جبريل عليه السلام. وأنزله عليه مفرقا في مدة ثلاث وعشرين سنة . وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس كافة تدل على صدق رسالته. وسيظل القرآن معجزة إلى يوم القيامة يوم تقوم الساعة.
وكان القرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بحفظه في الصدور، وكتابته في الرقاع، من جلد أو ورق أو عظم أو عسب النخل أو حجارة رقيقة. وكان إذا نزلت الآيات، أمر بوضعها موضعها من السورة، فيقول ألحقوا هذه الآية في سورة كذا بعد آية كذا، فيضعونها موضعها من السورة.
روي عن عثمان بن عفان أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم تنزل عليه الآيات فيقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا". (رواه الترمذي3011)
وهكذا حتى نزل القرآن كله والتحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى بعد أن كمل نزول القرآن. ولذلك كان ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن توقيفيا من النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله تعالى فهو ترتيب توقيفي من الله تعالى. وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في ذلك مطلقا. وهذا الترتيب للآيات في سورها على الشكل الذي نراه الآن، هو نفسه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفسه الذي كان مكتوبا بالرقاع والأكتاف والعسب واللخاف ومحفوظا في الصدور. وعليه فإن القرآن قطعي في وروده إلينا وفي ترتيب آياته.

أيها المؤمنون:
لقد نقل إلينا القرآن الكريم بطريق التواتر، أي نقل القرآن الكريم جمع كبير من الصحابة رضي الله عنهم إلى التابعين، ثم نقله جمع كبير من التابعين إلى تابعي التابعين، ثم نقله جمع كبير من تابعي التابعين حتى وصل إلينا كما نزل مكتوبا في الصحف التي جمعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ونسخها عثمان بن عفان رضي الله عنه بالخط نفسه, والإملاء ذاته الذي كتبت به الصحف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل الوحي بها. وقد تكفل الله بحفظه بقوله: )إنا نحن نزلنا الذكر‌ وإنا له لحافظون(. (الحجر : 9 ).

وبما أن القرآن كلام الله ولا يأتي بكلام الله إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي .
وكذلك اشتمل القرآن على دعوة الناس إلى الإيمان بالله وحده وعبادته، والالتزام بطاعته، ورتب على طاعته الجنة وعلى معصيته النار، ولا يأتي بأوامر الله ونواهيه إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي أيضا.
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.