تأملات في كتاب من مقومات النفسية الإسلامية   الحلقة الثالثة والأربعون
April 23, 2012

تأملات في كتاب من مقومات النفسية الإسلامية الحلقة الثالثة والأربعون


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.


أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: موضوع حلقتنا لهذا اليوم هو "ثبات حاملي الدعوة من شباب حزب التحرير اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام".


في تركيا سطر الشباب آية رائعة في الصبر على البلاء والمحن في سبيل الدعوة إلى الحق والهدى، نستعرضها لتكون حافزا لنا على دعوتنا، ولتكون ملحا في العيون التي تأبى أن ترى الحق، وتتعامى عن عطاء المخلصين! لقد قامت السلطات التركية بملاحقة أحد الشباب المسئولين في حزب التحرير، واستمرت الملاحقة أكثر من سبعة أشهر، كان يعلم طوال هذه المدة بأنه مراقب، وأنه سيعتقل قريبا، ولكنه زاد من نشاطه، وصار يواصل العمل طوال النهار، وجزءا كبيرا من الليل، رغبة منه في إنجاز أكبر قدر ممكن من أعمال الدعوة، وصار يحمس الشباب من حوله حماسا منقطع النظير، ويدعوهم إلى عدم الخوف إلا من الله سبحانه وتعالى! وحدث ما كان متوقعا، فقد انقض على هذا الشاب وهو يمشي في الشارع أكثر من خمسة عشر رجلا من رجال الأمن، فقاومهم قدر طاقته حتى تكاثروا عليه فغلبوه، وأوثقوه وعصبوا عينيه، وساقوه إلى مكتب التحقيق! وهناك تعرض لتعذيب شديد، قلما يتحمله بشر، وما ذلك إلا ليعرفوا منه أسماء الشباب الآخرين أو أية معلومات أخرى حول الحزب، لكنه رحمه الله حيا وميتا لم يقل لهم إلا ما يغيظهم، وكان كلما زادوا عليه شدة التعذيب، يزيد السخرية والاستهزاء بهم، حتى يئسوا من تعذيبه الذي كان يستمر ما يقارب الثماني عشرة ساعة في اليوم الواحد، دون أن يحصلوا منه على أية معلومة تفيدهم!


وبعد أيام من التعذيب والسجن الانفرادي جمعوه مع إخوانه في غرفة واحدة، وعلى الرغم من أن هذا المسئول كان منهكا إلا أنه التفت إلى الشباب، ودار بينهم حوار روحاني أود أن أذكر لكم مقتطفات منه: أيها الشباب: لقد قسم الله تعالى الناس في سورة الواقعة إلى ثلاثة أقسام، فقرب منه عز وجل من وصفهم "بالسابقين" ووعدهم بجنات النعيم حيث قال: { والسابقون السابقون. أولـ?ئك المقربون. في جنات النعيم }. (الواقعة12). وذكر بأن هؤلاء عددهم قليل، حيث قال: {ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين}. (الواقعة14).


وهؤلاء القليلون هم الصفوة من جميع بني البشر، منذ أن خلق الله آدم إلى يومنا هذا، وكان جل صحابة حبيبنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، من هؤلاء الصفوة القليلين بإذن الله، حيث لاقوا عذابا شديدا، فصبروا، ولم يبق من هؤلاء الصفوة القليلين سوى أقلهم في أيامنا هذه. فكونوا أيها الشباب من هؤلاء أقل القليلين عددا من صفوة الناس، ولا ترضوا بأقل من ذلك! والسبيل إلى ذلك إنما يكون من خلال ثباتكم اليوم هنا أمام هؤلاء الأوغاد المحققين، وغدا أمام القضاة والحكام الذين باعوا ضمائرهم إن وجدت للشيطان! ولتعلموا أن هذا اليوم هو يومكم كي تفوزوا بهذا المقام عند الله! ألا ترون أن الله أكرمكم بأن وهبكم فرصة الانضمام لفئة السابقين؟! لينظر كل واحد منا إلى حياته التي يعيشها، هل تمر عليه فرصة مثل هذه الفرصة التي نعيشها الآن؟!


صبر على الأذى قليل، وبعده أجر عند الله عظيم! والله يا شباب، لنكونن من هؤلاء الصفوة الأخيار "السابقين" الذين وصفهم الله في سورة الواقعة، إن نحن ثبتنا على مبدئنا! والله يا إخوتي، إنني أحس بأن الله يحبنا فابتلانا، وأنه يريد أن يصطفي إليه الصابرين منا والثابتين على الحق!


أيها الشباب: اعرفوا قيمة الحزب الذي تعملون معه، فانظروا إلى الدنيا بأسرها، إنكم سوف تجدون أن الكفار قد طغى عليهم المبدأ الرأسمالي بكل وحشيته، والظلم قد استشرى في الأرض، نتيجة تطبيق هذا المبدأ العفن! والمسلمون منقسمون إلى فئتين:


فئة كبيرة منهم لا يعملون في الدعوة إلى الإسلام، وإن جلهم لا يدركون أن الديمقراطية والرأسمالية العفنتين هما سبب شقاء الناس، بل إن منهم من يدافعون عن الرأسمالية والديمقراطية على أنهما من الإسلام!


وفئة أخرى وهم القليلون نسبيا يعملون في حقل الدعوة إلى الإسلام، ثم انظروا إلى حزبكم هذا بين هؤلاء العاملين، واحمدوا ربكم أنكم تمتلكون التصور الأوضح لحقيقة الإسلام، ولواقع الدولة الإسلامية، بل لواقع الطريقة الصحيحة لكيفية حمل الدعوة! أليس هذا وحده نعمة من الله منها علينا؟ فلا تجحدوا هذه النعمة، ولا تهنوا أمام هؤلاء الأوغاد، بل حاولوا أن تجعلوهم يحترمونكم، ويحترمون حزبكم! ولأجل هذا ما عليكم سوى التمسك بكونكم أعضاء في هذا الحزب العظيم، وأن تدعوهم هم أنفسهم للعمل مع هذا الحزب، أي اغلبوهم وانتصروا عليهم، ولا تدعوهم ينالون من دينكم أو من حزبكم، فأنتم قليلون، وصفوة الله قليلون!


أيها الشباب: لا أبالغ إن قلت بأنه قد يكون قليلا علينا إن نحن ضحينا بأرواحنا التي بين جوانبنا في سبيل هذه الدعوة، وفي سبيل أن نكون من الصفوة الأخيار، الذين رضي الله عنهم، فنحن الآن لا نملك ما نضحي به سوى هذه الروح، فغيظوا هؤلاء الظالمين، يرحمكم الله!


وقد يتراءى لكم أن عدد الكفار كبير، وأن هؤلاء الزبانية وهم أعوان الظالمين أقوى منكم، ولكن لا تنسوا أبدا أننا نملك عقيدة هي وحدها العقيدة الصحيحة في الكون!


بموجب هذا فإننا نؤمن بأن لنا ربا ناظرا إلينا الآن، في كل آن، ونحن نعتقد بأنه هو القادر على كل شيء، ونعتقد بشكل جازم أنه هو الذي اختار لنا هذا الطريق، وبعلمه وبرضاه سبحانه دخلنا هذا المكان! أفلا ترضون ما رضيه واختاره لكم ربكم؟! فنحن نملك عقيدة قوية مبنية على الإيمان بالله، والله أقوى منهم جميعا! وهو الذي يعلم حالنا فنحن بهذا الإيمان أقوى منهم جميعا! وإلا فما هي قيمة الحياة لولا هذا الإيمان؟! فاثبتوا يرحمكم الله!


أجل أيها المسلمون هكذا كان موقف حاملي الدعوة من شباب حزب التحرير، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام! لم يكتفوا بالثبات على الحق أثناء حمل الدعوة، بل يطمحون إلى أن يكونوا ثابتين أيضا أمام الكفار في ساحات القتال، وفي ميادين الجهاد في سبيل الله! وقد صدق فيهم قول الشاعر:


قف دون رأيك في الحياة مجاهدا إنما الحيـاة عقيـدة وجهـاد


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمد احمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب )من مقومات النفسية الإسلامية) الحلقة المائـة وأربع

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وسيد المرسلين, المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها المسلمون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية, مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية, نقول وبالله التوفيق: موضوع حلقتنا لهذا اليوم هو "الشروط الواجب توافرها فيمن يخطب الجمعة".
اقتبست مادة هذه المقالة من مقالة كتبها الأستاذ علي مدني الخطيب الداعية المصري جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
إن الخطابة هي فن مشافهة الجماهير والتأثير عليهم، وخطبة الجمعة كانت ولا تزال لها تأثير كبير إذا أديت على الوجه الصحيح. وأما الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يخطب الجمعة، فمن الممكن أن نلخصها في الأمور الآتية:

أولا: يجب أن يشعر الخطيب بأنه صاحب رسالة يؤديها، ويقصد من خلالها وجه الله، حتى ولو كانت تلك وظيفته التي يقتات منها، وذلك لأن صاحب الرسالة يستفرغ كل طاقته في محاولة توصيلها للناس، لا يكل ولا يمل. والمشكلة الآن في أن الخطابة قد أصبحت وظيفة يتكسب بها الخطباء عند الغالبية العظمى منهم في كل البلدان، وهذا ما ضيع كثيرا من فائدتها. وعما قريب في ظل دولة الخلافة القادمة بإذن الله ستعود الخطابة إلى سابق عهدها, تؤدي دورها في الأمة على أحسن وجه وعلى أفضل ما يرام.

ثانيا: الخطابة فن، ولذا ينبغي لمن يتصدى لها أن يكون ذا موهبة، يثقلها بالعلوم والمعارف المختلفة، ذات الصلة الوثيقة بعلم الخطابة، فسعة الاطلاع خير معين للخطيب في أداء خطبته بقوة وتأثير.

ثالثا: الناس ينظرون إلى سلوك الخطيب، ويدققون النظر فيه، ولذا ينبغي أن تتطابق أفعاله مع أقواله، فالتزام الخطيب بأحكام الإسلام بوجه عام، وتطبيق ما يدعو إليه في خطبته، يجعل لكلامه قبولا عند المستمعين، أما مخالفة القول للعمل، فأكثر المستمعين لا يثقون به ولا بكلامه.

رابعا: أن يكون الخطيب شجاعا في قول الحق، مع التحلي بالحكمة وحسن التقدير للموقف، بعيدا عن التهور والاندفاع غير المحسوب، فالشجاعة في قول الحق صفة أساسية لا بد وأن يتحلى بها الخطيب؛ لأنه سيتعرض لأمور كثيرة, إن لم تكن عنده الشجاعة الكافية فلن يستطيع أن يوفيها حقها.
وكما نطالب الخطباء بالشجاعة، فإننا نطالب الحكام أن يسمعوا كلمة الحق ويستجيبوا لها. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها!".

خامسا: أن يكون وثيق الصلة بجمهوره، أقصد مستمعيه، وأن يحدث تقاربا بينه وبينهم، فيعود مرضاهم، ويسأل عن غائبهم، ويشارك في وضع الحلول لمشكلاتهم، وكلما اقترب من المدعوين ووقف بجانبهم في أزماتهم كان ذلك أدعى إلى التفافهم حوله.
مع ملاحظة أن يعف نفسه عما في أيدي الناس، كما ورد في الحديث الشريف عن سهل بن سعد الساعدي، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس". رواه ابن ماجة بسند صحيح.

سادسا: أن يكون على قناعة تامة بما يدعو إليه، حتى يكون قادرا على الإقناع والتأثير، فالإيمان بقضية ما يجعل صاحبها يدافع عنها بكل ما يملك.

سابعا: اختيار موضوع الخطبة بحيث يعالج القضايا التي لها مساس بواقع الحياة التي يحياها الناس، ويناقش المشكلات الاجتماعية المتعددة، ويحاول طرح الحلول المناسبة لها والمستنبطة من الشرع الحنيف، أما الموضوعات السلبية التي لا تعالج أمراض المجتمع وعلله المختلفة، فإن الاستفادة منها تكون قليلة. ويا حبذا لو اتفق خطباء الحي وحاملي الدعوة ممن يأمرون بالمعروف, وينهون عن المنكر, ويحرصون على تبليغ رسالة الإسلام للناس كافة, يتفقون على موضوع واحد، كل يعالجه بأسلوبه الخاص به، مع التقيد بالأحكام الشرعية, فستكون النتيجة أجدى وأفضل.

ثامنا: فصاحة اللسان، وسلامة مخارج الحروف، مع مراعاة حسن الإلقاء، قوة ولينا، فلا يكون الإلقاء على وتيرة واحدة، حتى لا يمل السامع.

تاسعا: حسن الهندام والمظهر، وإن كان لا دخل له في شخصية المرء, وهو من القشور كما بيـنا سابقا, لكن الأولى والأفضل أن يحرص المؤمن أن يظهر بالمظهر الحسن, فينبغي أن تكون ملابسه مرتبة, وهيئته حسنة.

عاشرا: أن يتجنب الألفاظ المسيئة التي لا يحسن استخدامها ومن الأمثلة على ذلك ما قاله أحد الخطباء في حضرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعصهما فقد ضل ضلالا مبينا" فقال له عمر رضي الله عنه: "بئس الخطيب أنت!". والخطأ في قوله: "ومن يعصهما" حيث استخدم ضمير المثنى "هما" ليعبر به عن الله ورسوله, والصواب ترك الضمير, وأن يقول: "ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا".

حادي عشر: مع الإعداد الجيد، ومع كل ما سبق: التوكل على الله، وطلب العون منه، كما فعل ذلك نبي الله موسى عليه السلام، حينما دعا ربه قائلا: {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي}. (طه 28)

ثاني عشر: مميزات الخطبة الناجحة خمسة: مقدمة قوية, وصوت واضح, وممارسة, وإلقاء معتدل وخاتمة قوية.

ثالث عشر: أقسام أو أجزاء الخطبة ثلاثة: هي المقدمة, والموضوع, والخاتمة.

رابع عشر: أهداف الخطبة أربعة هي: الإفهام والإقناع والإمتاع والاستمالة.

خامس عشر: خصائص أسلوب الخطبة عشر: قصر الجمل والفقرات, وجودة العبارة والمعاني, وشدة الإقناع والتأثير, والسهولة, ووضوح الفكرة, وجمال التعبير, وسلامة الألفاظ, والتنويع في الأسلوب ما بين الإنشائي والخبري, وقلة الصور البيانية, والإكثار من السجع غير المتكلف.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمد احمد النادي

المعلم التاسع: ثبوت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:
وقفنا في الحلقة السابقة: بما أن القرآن ليس من عند العرب، ولا من عند محمد صلى الله عليه وسلم وهو واحد منهم, ولا من عند العجم, فهو حتما من عند الله خالق الكون والإنسان والحياة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وما دام القرآن معجزا للبشر, فإن الذي أتى به دليلا على نبوته ورسالته يكون نبيا ورسولا حقا, وما دام القرآن لا يزال يتحدى البشر بإعجازه فهو معجزة دائمة. ومحمد إذن نبي لكل البشر حتى يوم القيامة, وهو خاتم الأنبياء والمرسلين, وهو الوحيد من بينهم الذي تمتاز نبوته بالدوام, ورسالته بالشمول والدوام.

أوحى الله إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم باللغة العربية بوساطة الملك جبريل عليه السلام. وأنزله عليه مفرقا في مدة ثلاث وعشرين سنة . وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس كافة تدل على صدق رسالته. وسيظل القرآن معجزة إلى يوم القيامة يوم تقوم الساعة.
وكان القرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بحفظه في الصدور، وكتابته في الرقاع، من جلد أو ورق أو عظم أو عسب النخل أو حجارة رقيقة. وكان إذا نزلت الآيات، أمر بوضعها موضعها من السورة، فيقول ألحقوا هذه الآية في سورة كذا بعد آية كذا، فيضعونها موضعها من السورة.
روي عن عثمان بن عفان أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم تنزل عليه الآيات فيقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا". (رواه الترمذي3011)
وهكذا حتى نزل القرآن كله والتحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى بعد أن كمل نزول القرآن. ولذلك كان ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن توقيفيا من النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله تعالى فهو ترتيب توقيفي من الله تعالى. وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في ذلك مطلقا. وهذا الترتيب للآيات في سورها على الشكل الذي نراه الآن، هو نفسه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفسه الذي كان مكتوبا بالرقاع والأكتاف والعسب واللخاف ومحفوظا في الصدور. وعليه فإن القرآن قطعي في وروده إلينا وفي ترتيب آياته.

أيها المؤمنون:
لقد نقل إلينا القرآن الكريم بطريق التواتر، أي نقل القرآن الكريم جمع كبير من الصحابة رضي الله عنهم إلى التابعين، ثم نقله جمع كبير من التابعين إلى تابعي التابعين، ثم نقله جمع كبير من تابعي التابعين حتى وصل إلينا كما نزل مكتوبا في الصحف التي جمعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ونسخها عثمان بن عفان رضي الله عنه بالخط نفسه, والإملاء ذاته الذي كتبت به الصحف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل الوحي بها. وقد تكفل الله بحفظه بقوله: )إنا نحن نزلنا الذكر‌ وإنا له لحافظون(. (الحجر : 9 ).

وبما أن القرآن كلام الله ولا يأتي بكلام الله إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي .
وكذلك اشتمل القرآن على دعوة الناس إلى الإيمان بالله وحده وعبادته، والالتزام بطاعته، ورتب على طاعته الجنة وعلى معصيته النار، ولا يأتي بأوامر الله ونواهيه إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي أيضا.
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.