March 24, 2012

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الثانية والعشرون


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وسيد المرسلين, المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.


أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية, مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية, نقول وبالله التوفيق:


قلنا في الحلقة السابقة: إن الأمة الإسلامية التي أنجبت أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وخالدا وأبا عبيدة والقعقاع وصلاح الدين وغيرهم من قادة الفتح العظماء الذين سطروا التاريخ المجيد لهذه الأمة, لا زالت بحمد الله قادرة على إن تنجب قادة عظماء أمثالهم! وقدمنا لكم أنموذجا واحدا من هذه الشخصيات, وفي هذه الحلقة نقدم لكم أنموذجا آخر!


أيها المسلمون:


في الثمانينات من القرن الماضي كان الملك حسين ملك الأردن قد فتح باب التطوع للقتال مع الجيش العراقي في حربه مع إيران, فما كان من حزب التحرير إلا أن أصدر نشرة عنوانها: "التطوع للعراق حرام شرعا" وجاءت التعليمات من قيادة الحزب أن توزع هذه النشرة توزيعا كفاحيا, أي بشكل علني في الأماكن المزدحمة, وفي رابعة النهار, وبادر شباب الحزب إلى تنفيذ التعليمات على الوجه المطلوب, فقامت أجهزة المخابرات في ولاية الأردن باعتقال عدد منهم. وكنت أيامها شابا في الثلاثين من عمري وحديث عهد بالدعوة, فالتقيت بهم في السجن أثناء فترة اعتقالي, وتعرفت إليهم, وتعلمت من مواقفهم الكثير من الدروس والعبر, وكان من بين هؤلاء المعتقلين رجل في الخامسة والخمسين من عمره, يعاني من خمسة أمراض هي: الضغط, والسكري, والقرحة المعدية, والنقرص, والتهاب الحلق المزمن.


قال المحقق: كي تخرج من عندنا لا بد من أن تفعل أمرين اثنين: الأول: أن تعطينا معلومات كاملة عن الحزب وكيفية انضمامك إليه, والثاني:أن تعلن استنكارك وبراءتك من هذا الحزب المحظور وغير المشروع. قال أبو جابر: إنكم أنتم أيها العاملون في أجهزة المخابرات جبناء, وسأثبت لكم بالدليل القاطع أنكم جبناء.
قال المحقق: - مستهزئا - لقد صرت فيلسوف زمانك! قال أبو جابر: أنا لست فيلسوفا, وإنما أنا حامل دعوة, أدعو لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة, التي ستقوم قريبا إن شاء الله تعالى. قال المحقق: ما الذي يجعلك واثقا إلى هذا الحد؟ قال أبو جابر: الخلافة وعد الله, وبشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد, ورسوله صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى, بل هو وحي يوحى. قال المحقق: ما شأنكم أنتم والخلافة الراشدة هذه؟ لماذا لا تستريحون, وتدعوننا نستريح؟


قال أبو جابر: إقامة الخلافة فرض أوجبه الله, والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة, وأراد أبو جابر أن يسترسل في حديثه, إلا أن المحقق قاطعه. قال المحقق: أين تظن نفسك؟ هل تريد إعطائي حلقة من حلقات الحزب؟


أيها المسلمون:


وهنا تذكر أبو جابر قول الله جل في علاه: {يا صاحبي السجن أأر‌باب متفر‌قون خير‌ أم الله الواحد القهار‌}. فقال: أيها المحقق: من أفضل في نظرك أربع وخمسون دويلة هزيلة ليس لها أي وزن في الموقف الدولي, أم دولة الخلافة الواحدة القوية التي تستمد قوتها من ربها الواحد القوي, وتكون هي الدولة الأولى في العالم؟! قال المحقق: دعنا من كلامك, وأجب عن الأسئلة الموجهة إليك. قال أبو جابر: قلت إنكم جبناء, وسأثبت لكم أنكم جبناء! قال المحقق: عدنا إلى الفلسفة مرة أخرى! قال أبو جابر: قلت لك إني لست فيلسوفا ولا دخل لي بالفلسفة!


قال المحقق: هيا أيها الفصيح هات ما عندك! قال أبو جابر: عندما يضعف شاب من شباب الحزب حديث العهد بالدعوة, فيعطيكم المعلومات التي تريدونها, ويعلن براءته واستنكاره من الحزب, فإنكم سرعان ما توافقون على نشر إعلانه في الصحف الرسمية للدولة. فإن لم تكونوا جبناء, وكانت عندكم الجرأة والشجاعة فائتوني بورقة وقلم لأنني أريد أن أعلن الآن براءتي واستنكاري, وأريدكم أن توافقوا على نشرها حرفيا بالنص الذي أكتبه لكم, فإن فعلتم ذلك فأنتم شجعان, وإلا فأنتم جبناء كما قلت لكم, وبعدها إن لم تعجبكم براءتي واستنكاري قوموا بإعدامي واشنقوني من هنا, وأشار بيده إلى حلقه! قال المحقق: هاك الورقة والقلم لنرى ما ستكتب!


أيها المسلمون:


ويأخذ أبو جابر الورقة والقلم ويكتب:
"بسم الله الرحمن الرحيم أنا المدعو محمود جابر والملقب بأبي جابر, عضو من أعضاء حزب التحرير, أعمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة, أعلن استنكاري وبراءتي من تعطيل شرع الله, والحكم بغير ما أنزل الله, وأعلن استنكاري وبراءتي من كل ما يغضب الله تعالى كالبنوك الربوية, والخمارات المفتوحة بترخيص من قبل الدولة, وأعلن استنكاري وبراءتي من الجسور المفتوحة مع يهود, ومن الجلوس معهم على طاولة الصلح والمفاوضات, وأعلن استنكاري وبراءتي ممن يحاربون حملة الدعوة, ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخر‌ة كافر‌ون, أعلن استنكاري وبراءتي من كل ذلك, وأعلن ولائي لله رب العالمين, ولرسوله ولكتابه, ولجماعة المؤمنين".


فهل توافقون على نشر هذه البراءة, وهذا الاستنكار ؟


قال المحقق: احتفظ بأفكارك لنفسك! فنحن لا نسمح بنشر مثل هذه الأفكار. قال أبو جابر: أرأيتم كيف أنكم جبناء, تخافون من مجرد الكلام! قال المحقق: - مهددا - قل كلاما على قدرك ومستواك! هل أنت على قدر ومستوى هذا الكلام الذي تقوله, وتتلفظ به؟
قال أبو جابر: أجل, أنا أتحمل مسئولية كل حرف أتلفظ به!


قال المحقق: لنرى ذلك! وأوعز للعسكر أن يذهبوا بأبي جابر إلى ساحة التعذيب, وقام الجلاوزة والجلادون بتعذيبه تعذيبا شديدا مؤلما, وهو يتلو تحت سياطهم قول الله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحر‌يق}. وظل هذا الشيخ الجليل صابرا على هذا التعذيب المؤلم, دون أن ينالوا منه معلومة واحدة تضر بأي عضو من أعضاء الحزب, إلى أن انتهى به المقام في السجن بضع سنين! فما رأيكم أيها المؤمنون بهذه الشخصية, وهذا الأنموذج, وهذا البناء للعقلية, والنفسية؟ ألا يشبه شخصيات الصحابة رضي الله عنهم؟



نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمد أحمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب )من مقومات النفسية الإسلامية) الحلقة المائـة وأربع

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وسيد المرسلين, المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها المسلمون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية, مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية, نقول وبالله التوفيق: موضوع حلقتنا لهذا اليوم هو "الشروط الواجب توافرها فيمن يخطب الجمعة".
اقتبست مادة هذه المقالة من مقالة كتبها الأستاذ علي مدني الخطيب الداعية المصري جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
إن الخطابة هي فن مشافهة الجماهير والتأثير عليهم، وخطبة الجمعة كانت ولا تزال لها تأثير كبير إذا أديت على الوجه الصحيح. وأما الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يخطب الجمعة، فمن الممكن أن نلخصها في الأمور الآتية:

أولا: يجب أن يشعر الخطيب بأنه صاحب رسالة يؤديها، ويقصد من خلالها وجه الله، حتى ولو كانت تلك وظيفته التي يقتات منها، وذلك لأن صاحب الرسالة يستفرغ كل طاقته في محاولة توصيلها للناس، لا يكل ولا يمل. والمشكلة الآن في أن الخطابة قد أصبحت وظيفة يتكسب بها الخطباء عند الغالبية العظمى منهم في كل البلدان، وهذا ما ضيع كثيرا من فائدتها. وعما قريب في ظل دولة الخلافة القادمة بإذن الله ستعود الخطابة إلى سابق عهدها, تؤدي دورها في الأمة على أحسن وجه وعلى أفضل ما يرام.

ثانيا: الخطابة فن، ولذا ينبغي لمن يتصدى لها أن يكون ذا موهبة، يثقلها بالعلوم والمعارف المختلفة، ذات الصلة الوثيقة بعلم الخطابة، فسعة الاطلاع خير معين للخطيب في أداء خطبته بقوة وتأثير.

ثالثا: الناس ينظرون إلى سلوك الخطيب، ويدققون النظر فيه، ولذا ينبغي أن تتطابق أفعاله مع أقواله، فالتزام الخطيب بأحكام الإسلام بوجه عام، وتطبيق ما يدعو إليه في خطبته، يجعل لكلامه قبولا عند المستمعين، أما مخالفة القول للعمل، فأكثر المستمعين لا يثقون به ولا بكلامه.

رابعا: أن يكون الخطيب شجاعا في قول الحق، مع التحلي بالحكمة وحسن التقدير للموقف، بعيدا عن التهور والاندفاع غير المحسوب، فالشجاعة في قول الحق صفة أساسية لا بد وأن يتحلى بها الخطيب؛ لأنه سيتعرض لأمور كثيرة, إن لم تكن عنده الشجاعة الكافية فلن يستطيع أن يوفيها حقها.
وكما نطالب الخطباء بالشجاعة، فإننا نطالب الحكام أن يسمعوا كلمة الحق ويستجيبوا لها. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها!".

خامسا: أن يكون وثيق الصلة بجمهوره، أقصد مستمعيه، وأن يحدث تقاربا بينه وبينهم، فيعود مرضاهم، ويسأل عن غائبهم، ويشارك في وضع الحلول لمشكلاتهم، وكلما اقترب من المدعوين ووقف بجانبهم في أزماتهم كان ذلك أدعى إلى التفافهم حوله.
مع ملاحظة أن يعف نفسه عما في أيدي الناس، كما ورد في الحديث الشريف عن سهل بن سعد الساعدي، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس". رواه ابن ماجة بسند صحيح.

سادسا: أن يكون على قناعة تامة بما يدعو إليه، حتى يكون قادرا على الإقناع والتأثير، فالإيمان بقضية ما يجعل صاحبها يدافع عنها بكل ما يملك.

سابعا: اختيار موضوع الخطبة بحيث يعالج القضايا التي لها مساس بواقع الحياة التي يحياها الناس، ويناقش المشكلات الاجتماعية المتعددة، ويحاول طرح الحلول المناسبة لها والمستنبطة من الشرع الحنيف، أما الموضوعات السلبية التي لا تعالج أمراض المجتمع وعلله المختلفة، فإن الاستفادة منها تكون قليلة. ويا حبذا لو اتفق خطباء الحي وحاملي الدعوة ممن يأمرون بالمعروف, وينهون عن المنكر, ويحرصون على تبليغ رسالة الإسلام للناس كافة, يتفقون على موضوع واحد، كل يعالجه بأسلوبه الخاص به، مع التقيد بالأحكام الشرعية, فستكون النتيجة أجدى وأفضل.

ثامنا: فصاحة اللسان، وسلامة مخارج الحروف، مع مراعاة حسن الإلقاء، قوة ولينا، فلا يكون الإلقاء على وتيرة واحدة، حتى لا يمل السامع.

تاسعا: حسن الهندام والمظهر، وإن كان لا دخل له في شخصية المرء, وهو من القشور كما بيـنا سابقا, لكن الأولى والأفضل أن يحرص المؤمن أن يظهر بالمظهر الحسن, فينبغي أن تكون ملابسه مرتبة, وهيئته حسنة.

عاشرا: أن يتجنب الألفاظ المسيئة التي لا يحسن استخدامها ومن الأمثلة على ذلك ما قاله أحد الخطباء في حضرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعصهما فقد ضل ضلالا مبينا" فقال له عمر رضي الله عنه: "بئس الخطيب أنت!". والخطأ في قوله: "ومن يعصهما" حيث استخدم ضمير المثنى "هما" ليعبر به عن الله ورسوله, والصواب ترك الضمير, وأن يقول: "ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا".

حادي عشر: مع الإعداد الجيد، ومع كل ما سبق: التوكل على الله، وطلب العون منه، كما فعل ذلك نبي الله موسى عليه السلام، حينما دعا ربه قائلا: {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي}. (طه 28)

ثاني عشر: مميزات الخطبة الناجحة خمسة: مقدمة قوية, وصوت واضح, وممارسة, وإلقاء معتدل وخاتمة قوية.

ثالث عشر: أقسام أو أجزاء الخطبة ثلاثة: هي المقدمة, والموضوع, والخاتمة.

رابع عشر: أهداف الخطبة أربعة هي: الإفهام والإقناع والإمتاع والاستمالة.

خامس عشر: خصائص أسلوب الخطبة عشر: قصر الجمل والفقرات, وجودة العبارة والمعاني, وشدة الإقناع والتأثير, والسهولة, ووضوح الفكرة, وجمال التعبير, وسلامة الألفاظ, والتنويع في الأسلوب ما بين الإنشائي والخبري, وقلة الصور البيانية, والإكثار من السجع غير المتكلف.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمد احمد النادي

المعلم التاسع: ثبوت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:
وقفنا في الحلقة السابقة: بما أن القرآن ليس من عند العرب، ولا من عند محمد صلى الله عليه وسلم وهو واحد منهم, ولا من عند العجم, فهو حتما من عند الله خالق الكون والإنسان والحياة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وما دام القرآن معجزا للبشر, فإن الذي أتى به دليلا على نبوته ورسالته يكون نبيا ورسولا حقا, وما دام القرآن لا يزال يتحدى البشر بإعجازه فهو معجزة دائمة. ومحمد إذن نبي لكل البشر حتى يوم القيامة, وهو خاتم الأنبياء والمرسلين, وهو الوحيد من بينهم الذي تمتاز نبوته بالدوام, ورسالته بالشمول والدوام.

أوحى الله إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم باللغة العربية بوساطة الملك جبريل عليه السلام. وأنزله عليه مفرقا في مدة ثلاث وعشرين سنة . وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس كافة تدل على صدق رسالته. وسيظل القرآن معجزة إلى يوم القيامة يوم تقوم الساعة.
وكان القرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بحفظه في الصدور، وكتابته في الرقاع، من جلد أو ورق أو عظم أو عسب النخل أو حجارة رقيقة. وكان إذا نزلت الآيات، أمر بوضعها موضعها من السورة، فيقول ألحقوا هذه الآية في سورة كذا بعد آية كذا، فيضعونها موضعها من السورة.
روي عن عثمان بن عفان أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم تنزل عليه الآيات فيقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا". (رواه الترمذي3011)
وهكذا حتى نزل القرآن كله والتحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى بعد أن كمل نزول القرآن. ولذلك كان ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن توقيفيا من النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله تعالى فهو ترتيب توقيفي من الله تعالى. وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في ذلك مطلقا. وهذا الترتيب للآيات في سورها على الشكل الذي نراه الآن، هو نفسه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفسه الذي كان مكتوبا بالرقاع والأكتاف والعسب واللخاف ومحفوظا في الصدور. وعليه فإن القرآن قطعي في وروده إلينا وفي ترتيب آياته.

أيها المؤمنون:
لقد نقل إلينا القرآن الكريم بطريق التواتر، أي نقل القرآن الكريم جمع كبير من الصحابة رضي الله عنهم إلى التابعين، ثم نقله جمع كبير من التابعين إلى تابعي التابعين، ثم نقله جمع كبير من تابعي التابعين حتى وصل إلينا كما نزل مكتوبا في الصحف التي جمعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ونسخها عثمان بن عفان رضي الله عنه بالخط نفسه, والإملاء ذاته الذي كتبت به الصحف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل الوحي بها. وقد تكفل الله بحفظه بقوله: )إنا نحن نزلنا الذكر‌ وإنا له لحافظون(. (الحجر : 9 ).

وبما أن القرآن كلام الله ولا يأتي بكلام الله إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي .
وكذلك اشتمل القرآن على دعوة الناس إلى الإيمان بالله وحده وعبادته، والالتزام بطاعته، ورتب على طاعته الجنة وعلى معصيته النار، ولا يأتي بأوامر الله ونواهيه إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي أيضا.
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.