تأملات في كتاب من مقومات النفسية الإسلامية   ح44
April 24, 2012

تأملات في كتاب من مقومات النفسية الإسلامية ح44


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها المسلمون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: موضوع حلقتنا لهذا اليوم هو "ثبات حاملي الدعوة من شباب حزب التحرير اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام".

وفي ولاية الأردن ضرب حاملو الدعوة من شباب حزب التحرير أروع الأمثلة في الثبات أمام السلطات الأمنية وأجهزة المخابرات العامة الذين أذاقوا الشباب أشد صنوف العذاب.

وقد ذكرت لكم في الحلقات السابقة بعض المواقف التي تدل على ثباتهم، من خلال صلتي الوثيقة بهم أثناء فترة اعتقالي معهم عام ثلاثة وثمانين وتسعمائة وألف ميلادية، وسأذكر مواقف أخرى لأسباب أربعة: لتنتفع بها الأجيال القادمة، ولتدرك الأمة حجم التضحيات التي بذلها، ولا زال يبذلها أعضاء وقياديو شباب حزب التحرير، وهم يعملون لإقامة دولة الخلافة، التي تطبق شرع الله، وتحكم العباد بما أنزل الله على منهاج النبوة، ولتدرك الأمة كذلك مدى الجدية والحزم، والعزم والإصرار، لدى قيادة الحزب على تحقيق غايته التي هي تطبيق شرع الله، والحكم بما أنزل الله، ولكي تحافظ الأمة على هذه الدولة بعد قيامها قريبا بإذن الله!

وأول هذه المواقف موقف حصل مع أحد شباب الحزب، وهو في مقتبل عمره، وهو في عمر الورد في ريعان شبابه، والدنيا مقبلة عليه. لقد أرسله أبوه إلى اليونان؛ ليدرس الطب ويعود بشهادة الدكتوراه. كان اسم هذا الشاب اسما على مسمى، اسمه مثال، وهو حقا مثال.

كان - على سبيل الطرفة - يعترض على الشباب حين يريدون توضيح بعض المسائل فيقولون: نريد أن نضرب لذلك مثالا. فكان يقول لهم: وماذا صنع لكم مثال حتى تضربوه؟

إنه مثال للشاب التقي النقي الواعي! ينطبق عليه قول أبي حمزة الشاري في خطبته حيث قال فيها: " نعم، شباب والله، مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن السعي في الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة، وأطلاح سهر، باعوا لله أنفسا تموت غدا، بأنفس لا تموت أبدا، قد خالطوا قيام ليلهم بصيام نهارهم، في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه".

وهناك في اليونان أبدى هذا الشاب تفوقا كبيرا في دراسة الطب، وأبدى تفوقا أكبر في مجال حمل الدعوة، لقد كان يمضي معظم وقته في الدعوة إلى الله، جاعلا إياها في المرتبة الأولى من سلم أولوياته، وبقي يعمل في مجال الدعوة طيلة سني دراسته، وكانت الأجهزة الأمنية قد دست أحد عناصرها بين طلاب الجامعة، وكان هذا العنصر يرقب تحركات هذا الشاب، ويكتب تقارير أسبوعية، ويبعث بها إلى السفارة الأردنية في تلك البلاد، وتقوم السفارة بدورها بإرسال تلك التقارير إلى دائرة المخابرات في عمان، واستمر إرسال التقارير سنوات عدة، إلى أن أوشك هذا الشاب على إتمام دراسته، واقترب من التخرج.

ولما لم تبق على تخرجه من الجامعة إلا سنة واحدة، أحس والد الشاب بدنو أجله، وأحب أن يفرح بولده قبل أن يوافيه أجله، فما كان منه إلا أن أرسل برقية قال له فيها: "احضر حالا لأمر ضروري". تلقى الشاب برقية والده، ولما قرأها قال في نفسه: لولا أن والدي في خطر لما أرسل لي هذه البرقية، وتذكر الآيات التي تأمر ببر الوالدين، والإحسان إليهما، فسرعان ما تجهز للعودة، ولما حضر إلى مطار عمان وجد عناصر الأمن بانتظاره، فاعتقلوه من المطار معصوب العينين، واقتادوه إلى دائرة المخابرات العامة، وهناك أجروا معه تحقيقات عدة، وعذبوه أشد أنواع التعذيب، فلم يفلحوا بانتزاع أية معلومة، ولم يجبهم عن أسئلتهم التي وجهوها إليه، ولما يئسوا من التحقيق معه، استقر رأيهم على تحويله إلى المحكمة العسكرية، وأصدروا بحقه الحكم عليه بالسجن مدة ثلاث سنوات أي ما يعادل سبعة وعشرين شهرا، ويمضي الشاب مدة حكمه في السجن ثم يخرج منه ليستأنف نشاطه الحزبي من جديد، وما يكاد يمضي شهرا أو شهرين أو ثلاثة خارج السجن حتى يعتقل ثانية وثالثة ورابعة وخامسة ... إلخ. ونتيجة لكثرة اعتقال هذا الشاب ذاع صيته بين رجال الأمن وعناصر المخابرات، واشتهر شهرة واسعة فيما بينهم حيث كان لقبه عندهم "الدكتور" فكلهم ينادونه بهذا اللقب. وبقي على هذا الحال مدة خمسة عشر عاما، وبالطبع كان خلال هذه الفترة ممنوعا من السفر، ولم يتمكن من متابعة دراسته؛ وذلك لأن الأجهزة الأمنية قامت بحجز جواز سفره طوال هذه الفترة.

وقد تعرض هذا الشاب إلى نوع آخر من أصعب أنواع الابتلاءات والفتن التي يتعرض لها حاملو الدعوة، ألا وهي فتنة الأهل والأحبة الذين يخشى عليهم المؤمن أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعا، وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم، وينادونه باسم الحب، والقرابة واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك، وقد أشير في سورة العنكبوت إلى لون من هذه الفتنة مع الوالدين، وهو شاق عسير!

قال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ? وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ? إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون}. (العنكبوت8) قام والد هذا الشاب بزيارته في السجن وقال له: يا ولدي اترك هذا الحزب وهذه الدعوة، وأنا أشتري لك بيتا، وأزوجك من أجمل الفتيات، وأشتري لك سيارة! فماذا كانت إجابة هذا الشاب يا ترى؟ قال الشاب: يا أبت، بيتي الذي ينتظرني في الجنة خير من البيت الذي ستشتريه لي! وزوجتي من الحور العين في الجنة أجمل من الفتاة التي ستخطبها لي! والنعيم الذي أعده الله لي وينتظرني في الجنة أفضل من السيارة التي ستشتريها لي!

أجل أيها المسلمون هكذا كان موقف حاملي الدعوة من شباب حزب التحرير، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام! لم يكتفوا بالثبات على الحق أثناء حمل الدعوة، بل يطمحون إلى أن يكونوا ثابتين أيضا أمام الكفار في ساحات القتال، وفي ميادين الجهاد في سبيل الله! وقد صدق فيهم قول الشاعر:
قف دون رأيك في الحياة مجاهدا إنما الحيـاة عقيـدة وجهـاد

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمد احمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب )من مقومات النفسية الإسلامية) الحلقة المائـة وأربع

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وسيد المرسلين, المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها المسلمون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية, مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية, نقول وبالله التوفيق: موضوع حلقتنا لهذا اليوم هو "الشروط الواجب توافرها فيمن يخطب الجمعة".
اقتبست مادة هذه المقالة من مقالة كتبها الأستاذ علي مدني الخطيب الداعية المصري جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
إن الخطابة هي فن مشافهة الجماهير والتأثير عليهم، وخطبة الجمعة كانت ولا تزال لها تأثير كبير إذا أديت على الوجه الصحيح. وأما الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يخطب الجمعة، فمن الممكن أن نلخصها في الأمور الآتية:

أولا: يجب أن يشعر الخطيب بأنه صاحب رسالة يؤديها، ويقصد من خلالها وجه الله، حتى ولو كانت تلك وظيفته التي يقتات منها، وذلك لأن صاحب الرسالة يستفرغ كل طاقته في محاولة توصيلها للناس، لا يكل ولا يمل. والمشكلة الآن في أن الخطابة قد أصبحت وظيفة يتكسب بها الخطباء عند الغالبية العظمى منهم في كل البلدان، وهذا ما ضيع كثيرا من فائدتها. وعما قريب في ظل دولة الخلافة القادمة بإذن الله ستعود الخطابة إلى سابق عهدها, تؤدي دورها في الأمة على أحسن وجه وعلى أفضل ما يرام.

ثانيا: الخطابة فن، ولذا ينبغي لمن يتصدى لها أن يكون ذا موهبة، يثقلها بالعلوم والمعارف المختلفة، ذات الصلة الوثيقة بعلم الخطابة، فسعة الاطلاع خير معين للخطيب في أداء خطبته بقوة وتأثير.

ثالثا: الناس ينظرون إلى سلوك الخطيب، ويدققون النظر فيه، ولذا ينبغي أن تتطابق أفعاله مع أقواله، فالتزام الخطيب بأحكام الإسلام بوجه عام، وتطبيق ما يدعو إليه في خطبته، يجعل لكلامه قبولا عند المستمعين، أما مخالفة القول للعمل، فأكثر المستمعين لا يثقون به ولا بكلامه.

رابعا: أن يكون الخطيب شجاعا في قول الحق، مع التحلي بالحكمة وحسن التقدير للموقف، بعيدا عن التهور والاندفاع غير المحسوب، فالشجاعة في قول الحق صفة أساسية لا بد وأن يتحلى بها الخطيب؛ لأنه سيتعرض لأمور كثيرة, إن لم تكن عنده الشجاعة الكافية فلن يستطيع أن يوفيها حقها.
وكما نطالب الخطباء بالشجاعة، فإننا نطالب الحكام أن يسمعوا كلمة الحق ويستجيبوا لها. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها!".

خامسا: أن يكون وثيق الصلة بجمهوره، أقصد مستمعيه، وأن يحدث تقاربا بينه وبينهم، فيعود مرضاهم، ويسأل عن غائبهم، ويشارك في وضع الحلول لمشكلاتهم، وكلما اقترب من المدعوين ووقف بجانبهم في أزماتهم كان ذلك أدعى إلى التفافهم حوله.
مع ملاحظة أن يعف نفسه عما في أيدي الناس، كما ورد في الحديث الشريف عن سهل بن سعد الساعدي، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس". رواه ابن ماجة بسند صحيح.

سادسا: أن يكون على قناعة تامة بما يدعو إليه، حتى يكون قادرا على الإقناع والتأثير، فالإيمان بقضية ما يجعل صاحبها يدافع عنها بكل ما يملك.

سابعا: اختيار موضوع الخطبة بحيث يعالج القضايا التي لها مساس بواقع الحياة التي يحياها الناس، ويناقش المشكلات الاجتماعية المتعددة، ويحاول طرح الحلول المناسبة لها والمستنبطة من الشرع الحنيف، أما الموضوعات السلبية التي لا تعالج أمراض المجتمع وعلله المختلفة، فإن الاستفادة منها تكون قليلة. ويا حبذا لو اتفق خطباء الحي وحاملي الدعوة ممن يأمرون بالمعروف, وينهون عن المنكر, ويحرصون على تبليغ رسالة الإسلام للناس كافة, يتفقون على موضوع واحد، كل يعالجه بأسلوبه الخاص به، مع التقيد بالأحكام الشرعية, فستكون النتيجة أجدى وأفضل.

ثامنا: فصاحة اللسان، وسلامة مخارج الحروف، مع مراعاة حسن الإلقاء، قوة ولينا، فلا يكون الإلقاء على وتيرة واحدة، حتى لا يمل السامع.

تاسعا: حسن الهندام والمظهر، وإن كان لا دخل له في شخصية المرء, وهو من القشور كما بيـنا سابقا, لكن الأولى والأفضل أن يحرص المؤمن أن يظهر بالمظهر الحسن, فينبغي أن تكون ملابسه مرتبة, وهيئته حسنة.

عاشرا: أن يتجنب الألفاظ المسيئة التي لا يحسن استخدامها ومن الأمثلة على ذلك ما قاله أحد الخطباء في حضرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعصهما فقد ضل ضلالا مبينا" فقال له عمر رضي الله عنه: "بئس الخطيب أنت!". والخطأ في قوله: "ومن يعصهما" حيث استخدم ضمير المثنى "هما" ليعبر به عن الله ورسوله, والصواب ترك الضمير, وأن يقول: "ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا".

حادي عشر: مع الإعداد الجيد، ومع كل ما سبق: التوكل على الله، وطلب العون منه، كما فعل ذلك نبي الله موسى عليه السلام، حينما دعا ربه قائلا: {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي}. (طه 28)

ثاني عشر: مميزات الخطبة الناجحة خمسة: مقدمة قوية, وصوت واضح, وممارسة, وإلقاء معتدل وخاتمة قوية.

ثالث عشر: أقسام أو أجزاء الخطبة ثلاثة: هي المقدمة, والموضوع, والخاتمة.

رابع عشر: أهداف الخطبة أربعة هي: الإفهام والإقناع والإمتاع والاستمالة.

خامس عشر: خصائص أسلوب الخطبة عشر: قصر الجمل والفقرات, وجودة العبارة والمعاني, وشدة الإقناع والتأثير, والسهولة, ووضوح الفكرة, وجمال التعبير, وسلامة الألفاظ, والتنويع في الأسلوب ما بين الإنشائي والخبري, وقلة الصور البيانية, والإكثار من السجع غير المتكلف.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمد احمد النادي

المعلم التاسع: ثبوت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:
وقفنا في الحلقة السابقة: بما أن القرآن ليس من عند العرب، ولا من عند محمد صلى الله عليه وسلم وهو واحد منهم, ولا من عند العجم, فهو حتما من عند الله خالق الكون والإنسان والحياة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وما دام القرآن معجزا للبشر, فإن الذي أتى به دليلا على نبوته ورسالته يكون نبيا ورسولا حقا, وما دام القرآن لا يزال يتحدى البشر بإعجازه فهو معجزة دائمة. ومحمد إذن نبي لكل البشر حتى يوم القيامة, وهو خاتم الأنبياء والمرسلين, وهو الوحيد من بينهم الذي تمتاز نبوته بالدوام, ورسالته بالشمول والدوام.

أوحى الله إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم باللغة العربية بوساطة الملك جبريل عليه السلام. وأنزله عليه مفرقا في مدة ثلاث وعشرين سنة . وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس كافة تدل على صدق رسالته. وسيظل القرآن معجزة إلى يوم القيامة يوم تقوم الساعة.
وكان القرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بحفظه في الصدور، وكتابته في الرقاع، من جلد أو ورق أو عظم أو عسب النخل أو حجارة رقيقة. وكان إذا نزلت الآيات، أمر بوضعها موضعها من السورة، فيقول ألحقوا هذه الآية في سورة كذا بعد آية كذا، فيضعونها موضعها من السورة.
روي عن عثمان بن عفان أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم تنزل عليه الآيات فيقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا". (رواه الترمذي3011)
وهكذا حتى نزل القرآن كله والتحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى بعد أن كمل نزول القرآن. ولذلك كان ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن توقيفيا من النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله تعالى فهو ترتيب توقيفي من الله تعالى. وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في ذلك مطلقا. وهذا الترتيب للآيات في سورها على الشكل الذي نراه الآن، هو نفسه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفسه الذي كان مكتوبا بالرقاع والأكتاف والعسب واللخاف ومحفوظا في الصدور. وعليه فإن القرآن قطعي في وروده إلينا وفي ترتيب آياته.

أيها المؤمنون:
لقد نقل إلينا القرآن الكريم بطريق التواتر، أي نقل القرآن الكريم جمع كبير من الصحابة رضي الله عنهم إلى التابعين، ثم نقله جمع كبير من التابعين إلى تابعي التابعين، ثم نقله جمع كبير من تابعي التابعين حتى وصل إلينا كما نزل مكتوبا في الصحف التي جمعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ونسخها عثمان بن عفان رضي الله عنه بالخط نفسه, والإملاء ذاته الذي كتبت به الصحف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل الوحي بها. وقد تكفل الله بحفظه بقوله: )إنا نحن نزلنا الذكر‌ وإنا له لحافظون(. (الحجر : 9 ).

وبما أن القرآن كلام الله ولا يأتي بكلام الله إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي .
وكذلك اشتمل القرآن على دعوة الناس إلى الإيمان بالله وحده وعبادته، والالتزام بطاعته، ورتب على طاعته الجنة وعلى معصيته النار، ولا يأتي بأوامر الله ونواهيه إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي أيضا.
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.