طبيعة الوظيفة التي أعلنت عنها الأمم المتحدة  كمستشار بمكتب رئيس الوزراء في السودان
May 21, 2020

طبيعة الوظيفة التي أعلنت عنها الأمم المتحدة كمستشار بمكتب رئيس الوزراء في السودان

طبيعة الوظيفة التي أعلنت عنها الأمم المتحدة

كمستشار بمكتب رئيس الوزراء في السودان

سحبت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في السودان إعلانا عن وظيفة "مستشار للنوع" كانت قالت إنها ترغب في تعيينها بمكتب رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، وأثار الإعلان للوظيفة في 27 نيسان/أبريل الماضي ردود أفعال واسعة في مواقع التواصل التي استهجن روادها الخطوة، وأفاد توضيح من الهيئة تلقته "سودان تربيون" أنه "تم حذف الإعلان لإجراء مزيد من المشاورات مع مكتب رئيس الوزراء، والتزاما بالإجراءات وسياسة الإعلان للمناصب بمكتب رئيس الوزراء، وقالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إنه ستتم مراجعة اختصاصات الوظيفة والإعلان عنها لاحقاً لتتوافق تماماً مع السياسات واللوائح"، كما اعتذرت عن أي سوء فهم أو أي إزعاج سببه إعلان الوظيفة، وأضافت "تقدر هيئة الأمم المتحدة للمرأة التزام رئيس الوزراء بإعمال حقوق الإنسان للمرأة ولا تزال الهيئة ملتزمة أيضاً بدعم الحكومة الانتقالية على أداء مهامها على النحو المنصوص عليه في الوثيقة الدستورية فيما يتعلق بالمساواة بين الجنسين وحقوق الإنسان للمرأة".

وبحسب الإعلان فإن مستشار الشؤون الجنسانية سيعمل كجزء من فريق رئيس الوزراء لضمان تطبيق مساءلة النظام التنفيذي على المساواة بين الجنسين إلى جانب ولاية رئيس الوزراء، خلال السنوات الثلاث المقبلة، وأوضحت أن الهدف العام للمشروع الممول من الوكالة السويدية للتنمية الدولية هو تزويد السودان بآلية فعالة للنوع (الاجتماعي) للمساهمة في تعزيز قدرة المؤسسات الفيدرالية ومؤسسات الدولة على تقديم وظائف ومسؤوليات محددة تفسر المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة.

مفهوم النوع (الاجتماعي) نشأ أساساً في الغرب في القرن التاسع عشر ومن ثم انتقل إلى البلاد الإسلامية حيث تمت المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة في الواجبات والحقوق في كل العالم، وفي السودان أتيحت له فرصة ترويجية في جامعة الأحفاد حيث تم الاحتفال في 19 تموز/يوليو 2010م بافتتاح المعهد الإقليمي لدراسات الجندر والتنوع والسلام وحقوق الإنسان، وسبق ذلك في العام 1998م أن قام مركز سالمة للمصادر ودراسات المرأة بتقديم مجموعة من مؤلفات عكفت الكاتبة كاملا بهاسين خلالها على تخصيص جهدها في مجالات تحرير المرأة من أشكال التمييز واللامساواة كافةً، وكان العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي كما ذكرت صحيفة التحرير السودانية الجمعة 7 حزيران/يونيو 2013م.

وقد فرضت الأنظمة العلمانية المتعاقبة على السودان وجهة النظر والمثل العليا الغربية عبر تبنيها المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تروج بقوة لمفهوم الجندر عبر قوانين وسياسات الدولة والإعلام والنظم والمبادرات التعليمية، وأصبح للقوانين الوطنية المتعلقة بحقوق المرأة، هدف واضح يتمثل في إصلاح هيكل وحدة الأسرة على أساس خطوط المساواة بين الجنسين، وشكلت الجمعيات النسوية الحاضنة لهذه الأفكار وقبلت أن تكوّن مع الأنظمة تحالف خط الدفاع المتقدم عن الحضارة الغربية في بلاد المسلمين.

فماذا يعني مفهوم الجندر؟ وهل يصلح في بلاد المسلمين؟ وهل يحقق فائدة ترجى للمجتمع؟

يُطلق مصطلح النوع (الاجتماعي) الجندر على العلاقات والأدوار الاجتماعية والقيم التي يحددها البشر لكل من المرأة والرجل، لذلك تبعد القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية في مسألة التساوي ويركز على المساواة الكاملة بغض النظر عن الفوارق بين المرأة والرجل في كل شؤون الحياة.

الجندر ويترادف معه مصطلحا تكافؤ الفرص و(العدالة الاجتماعية) ويقصد به المساواة التامة بين الرجل والمرأة في جميع النواحي.

والفكرة الأساسية مستوحاة من كتاب الفيلسوفة الوجودية سيمون ديبو فواغ "الجنس الثاني" والتي ذكرت فيه مقولة مفادها "لا يولد الإنسان امرأة، إنما يُصبح كذلك"، وهذه المقولة أصبحت الخلفية الفلسفية الأساسية لدى الناشطات المهتمات بالترويج لمفهوم الجندر العاملات بمساندة الغرب على إدماجه في كافة مجالات الحياة والتنمية على اعتبار أنه المنطلق الأهم لتجريد الذكورة والأنوثة من كافة الفوارق البيولوجية أو التاريخية التي يمكن أن تكون سبباً في أي تمييز جنسي بين الرجال والنساء، ويعتقدون أنه بذلك تتحقق العدالة، وكان وضوح المفهوم في أمريكا حيث نشأة فكرة الجندر، فقد ألفت النائبة النسوية الأمريكية بيتي فريدان وهي إحدى مؤسسات الحركة النسوية المعاصرة في كتابها المعروف The Feminine Mystique الذي أكدت فيه على الآتي:

"إن ربات البيوت الأمريكيات إن بدأن حياتهن المهنية فسيكنَّ أكثر سعادة وصحة، سيتمتعن بزيجات أفضل وأطفالهن سيحققون النجاح"، ومصدر إلهامها يتمحور حول مقولة فريدان بأن الوظيفة لا الأمومة هي ما يمكن أن تقدم للمرأة إنجازات ذاتية وقيمة ونجاحاً في الحياة.

وشكلت مخرجات مؤتمر بيجين لاحقاً الأساس لكل الاتفاقيات التي تخص الأسرة بما فيها اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي وجه رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك بالإمضاء عليها.

وعلى سبيل المثال، جاء نص منهاج عمل بيجين 245 (أ): "تشجيع التقاسم المنصف للمسؤوليات الأسرية عن طريق حملات لوسائط اﻹعلام تركز على المساواة بين الجنسين وأدوار الجنسين التي ﻻ تقوم على القوالب النمطية داخل الأسرة"، وهم هنا يحاربون الأسرة المكونة من زوجين وأبناء، كما تدعو المادة 179‏ (د) الحكومات على وجه التحديد إلى "وضع سياسات في مجال التعليم تتناول، في جملة أمور، تغيير الاتجاهات التي تعزز تقسيم العمل على أساس نوع الجنس، بغية تعزيز مفهوم تقاسم المسؤوليات الأسرية في العمل وفي المنزل، ﻻ سيما فيما يتعلق برعاية الأطفال وكبار السن"، فوصلوا بذلك إلى حتمية إعطاء الزوج إجازة أبوة، كما نصت المادة 276 (د) على ما يلي: "اتخاذ الخطوات الكفيلة بألا تتخذ التقاليد والأديان ومظاهر ممارستها أساساً للتمييز ضد البنات" مع الملاحظة بأنه وفقاً للمساواة بين الجنسين، فإن "التمييز" هو أي معتقد أو ممارسة تتعارض مع مساواة الأدوار والمساواة في الحقوق بين الرجال والنساء، بما في ذلك في الحياة الأسرية!! وهنا الوضوح في طرح إلغاء الدين في العلاقات الأسرية.

لم يكن هذا المصطلح الشاذ المتعارض مع عقيدة الأمة وشرعها الحنيف ليجد موطئ قدم في بلاد المسلمين لولا التضليل والخداع بالشعارات البراقة التي تروج لفكرة الجندر بأنها تعني الحقوق السياسية والاقتصادية والتعليمية ...الخ وبواقع أن المرأة في بلاد المسلمين تعاني ما تعانيه وتحرم من الحقوق ليس لأن الإسلام مطبقاً، فالإسلام غائب عن سدة الحكم ما يقرب من المائة عام، لكن بسبب المنظومة الاقتصادية الرأسمالية الحاكمة التي حُرمت فيها المرأة من كل مقومات الحياة مثلها مثل الرجل، وبذلك الخبث تم إغراء النساء والعامة من الناس ليؤيدوا فكرة الجندر كمخرج مما تعانيه المرأة.

وإنه لحري بنا أن نتساءل: ماذا جنت النساء من مزاحمة الرجال في ما هو حق لهن وفي ما ليس لهن فيه حق؟ اللهم إلا إحداث الارتباك وإشاعة الخلاف في الحياة الزوجية وتضارب المسؤوليات، كما أدى إلى إهمال حقوق الأطفال ورفاهيتهم وساهم في التقليل من قيمة الأمومة واضطر المرأة للتخلي عن دورها كأم وربة بيت بأن تقوم بوضع أبنائها في حضانات لأجل تحقيق التمكين والمساواة في العمل، كما أنه أدى إلى تآكل مسؤولية الرجال عن أسرهم ما دامت المرأة عاملة ولها دخل يساوي أو يزيد عن دخل الرجل، وأثقل كاهل المرأة بمهام الرجل في الحياة الأسرية...  كل هذا خلق وضعاً بعيداً عن أدنى معاني السعادة وجعل الأسرة هي الضحية.

في الغرب وصلت الأسرة مراحل مريعة من الدمار والتشظي نتيجة لتبني فكرة الجندر لدرجة زادت عن الحد الذي وضعت له بوصفها تقاسم أدوار بالتساوي بين المرأة والرجل، فها هي بعض الدول الغربية اليوم تمنع الأفكار أو الصور التي تقدم الأدوار التقليدية للرجال والنساء في الحياة الأسرية، فهي ممنوعة في الإعلانات أو المواد التعليمية، وها هم على أعتاب ما قالته المؤلفة النسوية الليبرالية سوزان مولر أوكين: "إن المستقبل العادل سيكون دون جندر". وهل حكامنا اليوم الذين عاشوا في الغرب يخفى عليهم ذلك؟!

والحقيقة الغائبة من الغرب وعملائه من حكومات وجمعيات نسوية هي أن المجتمع في السودان ليس مجتمعاً غربياً بأفكاره وبمفاهيمه، ولو أنه يتعرض لمحاولات التغريب من تلك المؤسسات التي لا تفكر إلا في الدعم والمنح، لهذا لا تخرج في وضع أولوياتها عن الالتزام بأولويات وثقافة الجهات المانحة لها من أجل استمرار الدعم المالي لها فحسب، وهي بالضرورة تختلف عن أولويات مجتمعنا الذي جل أهله مسلمون يتطلعون إلى تحقيق الحاكمية لله وهم يستبشرون بدعوة الحق لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي أظل زمانها بإذن الله.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة عبد الجبار (أم أواب)

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو