تدوين السنة النبوية المطهرة
تدوين السنة النبوية المطهرة

من بين المسائل المثارة حول السنة النبوية هي مسألة عدم كتابتها في عهد النبي ﷺ والصحابة والتابعين ما يشكل مدخلا لكل ناقد للسنة النبوية المطهرة، وكان عمدتهم في ذلك ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».‏ وبنوا عليه أنها لو كانت حجة لأمر النبي ﷺ بكتابتها.

0:00 0:00
السرعة:
August 24, 2023

تدوين السنة النبوية المطهرة

تدوين السنة النبوية المطهرة

من بين المسائل المثارة حول السنة النبوية هي مسألة عدم كتابتها في عهد النبي ﷺ والصحابة والتابعين ما يشكل مدخلا لكل ناقد للسنة النبوية المطهرة، وكان عمدتهم في ذلك ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».‏ وبنوا عليه أنها لو كانت حجة لأمر النبي ﷺ بكتابتها... ويمكن أن نلخص الرد على هذه المسألة في النقاط التالية:

أولا: ثبت عن النبي ﷺ ما يدل دلالة قاطعة على إباحته لكتابة أحاديثه بل والحث على كتابتها حيث روى البخاري ومسلم وغيرهما أن أبا شاه اليمني التمس من رسول الله ﷺ أن يكتب له شيئا مما سمعه من خطبته عام فتح مكة، فقال ﷺ: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ». ‏وروى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال قلت يا رسول الله: إني أسمع منك الشيء فأكتبه. قال: «نَعَمْ». قلت: في الغضب والرضا؟ قال: «نَعَمْ فَإِنِّي لَا أَقُولُ فِيهِمَا إِلَّا حَقّاً». وروى البخاري عن أبي هريرة أنه قال: "لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، أكثر حديثاً مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص. فإنه كان يكتب، وأنا لا أكتب" وروى الترمذي عن أبي هريرة، قال: "كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله ﷺ يسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه فقال له النبي ﷺ: «اسْتَعِنْبِيَمِينِكَ. وَأَوْمَأَبِيَدِهِإِلَىالْخَطِّ» وروى البخاري في صحيحه أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سُئل بعد وفاة النبي ﷺ: هل عندكم من رسول الله شيء غير القرآن؟ قال: "لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا أن يعطي الله عبداً فهما في كتابه وما في هذه الصحيفة"، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: "العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر". ومن الثابت أن النبي ﷺ كان يرسل إلى رؤساء الدول والقبائل كتبا يدعوهم فيها إلى الإسلام وكان يكتب أيضا لولاته وعماله كتبا يبين فيها أحكام الصدقات والديات والفرائض وبعض السنن، فكل هذا يدل على أن النبي أذن في كتابة أحاديثه وحث عليها.

ثانيا: ثبت عن الصحابة الكرام كتابتهم للسنة النبوية بشكل فردي وشخصي، فقد كان بعض الصحابة يكتبون بعض الأحاديث في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، وثبت امتلاك عدد منهم لصحف خاصة بهم دونوا فيها أحاديثه ﷺ، مثل الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص، والصحيفة الصحيحة برواية همام بن منبه عن أبي هريرة، وصحيفة سمرة بن جندب وغيرها. وهكذا تناقل الصحابة الحديث شفاهاً مع بعض الكتابات الفردية المتفرقة، واستمر الأمر على ذلك إلى أوائل عصر التابعين.‏

ثالثا: لما وصلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز سنة تسع وتسعين هجرية، أمر بجمع الحديث وتدوينه في مصنفات جامعة، وأول من استجاب لهذا الطلب الرسمي عالم الحجاز والشام، محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ثم شاع التدوين وقوي واشتد في الطبقة التي بعده، وممن جمع الحديث في الأمصار، ابن جريج في مكة، وابن إسحاق في المدينة، والربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وسفيان الثوري في الكوفة، والأوزاعي في الشام، وهشام ومعمر باليمن. ثم بعد ذلك عني العلماء بعد عصر التابعين بإفراد أحاديث النبي ﷺ عن أقوال الصحابة وفتاويهم ثم لم يزل يقوى ويشتد حتى بلغ القمة في القرن الثالث هجري حيث يعد هذا القرن العصر الذهبي لتدوين السنة، فقد وقف عدد من العلماء حياتهم وجهودهم على طلب السنة والرحلة من أجلها، ومن هؤلاء الإمام البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وأحمد بن حنبل وغيرهم.‏

رابعا: ذهب كثير من العلماء إلى أن النهي الوارد في حديث أبي سعيد يمكن توجيهه بالاتجاهات التالية:

1- إن النهي كان في بداية الدعوة الإسلامية كيلا يختلط الحديث بالقرآن، فلما زال هذا الاحتمال وأمن اللبس أذن لهم النبي بالكتابة.

2- أن أحاديث الإباحة في الكتابة ناسخة لأحاديث المنع منها.

3- أن النهي عن الكتابة خاص والإذن بها عام والنهي متعلق بمن يخشى منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ.

4- النهي عن الكتابة متوجه إلى منع الجمع بين القرآن والسنة في صحيفة واحدة، والإذن وارد في التفريق بينهما.

5- حديث أبي سعيد الخدري لا يصح رفعه إلى رسول الله وإنما يصح موقوفا على أبي سعيد الخدري وبالتالي فالحديث الموقوف لا يقوى على معارضة الأحاديث التي ثبت رفعها إلى رسول الله فيكون الحكم لأحاديث الإذن وليس لأحاديث المنع.

وفي الأخير نسأل الله العلي القدير أن يجعل هذا المقال خالصا لوجهه الكريم، وأن يوفقنا للدفاع عن سنة نبيه الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

فارس منصور – ولاية العراق

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو