تغيير المناهج في السودان إلى أين؟!
January 16, 2021

تغيير المناهج في السودان إلى أين؟!

تغيير المناهج في السودان إلى أين؟!

أصدر مكتب رئيس الوزراء السوداني تصريحاً صحفياً يوم الأربعاء الماضي 2021/1/6م أعلن فيه تجميد العمل بالمنهج الدراسي الجديد الذي وضعه مدير المناهج لحكومة الثورة وتكوين لجنة قومية تضم التربويين والعلماء المتخصصين وتمثل كافة أطياف الآراء والتوجهات في المجتمع لتعمل على إعداد المناهج الجديدة حسب الأسس العلمية المعروفة في إعداد المناهج وتراعي التنوع الثقافي والديني والحضاري والتاريخي للسودان، ومتطلبات التعليم في العصر الحديث، حسب قوله. وقد جاء هذا التجميد بعد أن وجد المنهج الجديد رفضا واسعاً من قطاعات مختلفة مما تسرب منه من معلومات حيث رفضه أساتذة، ومعلمون، وأحزاب، وجماعات، وأئمة... وأفتى حتى المجمع الفقهي للدولة بحرمته، كما رفض النصارى تدريس مادة التربية المسيحية الموجودة بالمنهج، ورفضه حتى البنك الدولي. وقد ضجت وسائل التواصل الإلكترونية بهذا الرفض غير المسبوق وأخيراً تحرك مجلس الوزراء وجمّده بعد أن لم يجد من يقبله.

ولمناقشة هذا الموضوع لا بد في البدء أن نعرف أولاً من نحن؟ ولماذا تضع الدولة منهجاً للتعليم؟ وما هي أهدافها؟ وما هي الأسس التي يوضع على أساسها المنهج التعليمي؟

وللإجابة على هذه الأسئلة نقول: إن الأمة لا تولد ولا تعيش بدون الثقافة التي تمثل العمود الفقري لها، فهي التي تحدد هويتها، ونمط عيشها، وتنصهر بها، فتكون أمة متميزة عن غيرها، وبها تتشكل شخصيات أفرادها، وعليها تكون رسالتها التي تريد إيصالها لغيرها من الشعوب والأمم ليلحقوا بها، فهي حضارتها، وعقيدتها، ومنها تأخذ أنظمتها وأحكامها التي تعالج بها قضاياها وتحل بها مشكلاتها، وبدون هذه الثقافة تنطمس الأمة وتتفرق شذر مذر إن لم تمحَ من الوجود، أو تذوب في غيرها، لذلك نجد أن كل دولة تحترم نفسها بدأت بهذه الثقافة، فتربي أبناءها وأجيالها عليها، وتجعل ذلك في أعلى سلم أولوياتها، وتحرص عليها كل الحرص، وتدأب على تصفية هذه الثقافة وتنقيتها من أي شائبة قد تختلط بها فتغير شيئاً من أسسها أو أحكامها، أو تطعن في مقدساتها. ولا شك أن التعليم هو الطريق الوحيد لبناء الشخصيات بهذه الثقافة، فهو الّذي يكوّن العقليّة والنفسيّة المتميزة التي تحكم، وتعالج، وتبني، وتعمّر، وتتحمّل المسؤولية التي تسعى لتحقيق الأهداف والغاية التي من أجلها تعيش الأمة.

وبالنظر إلى منهج التعليم في السودان الذي تم تجميده والمراد إعداده ومنذ الوهلة الأولى، نجد أنه لم يُبن على عقيدة الإسلام؛ التي هي عقيدة الأمة، وذلك واضح من خلال التصريح الصحفي نفسه، والذي لم يتطرق لكلمة الإسلام مطلقاً، بل تحدث بدلاً عن ذلك عن التنوع الديني، والثقافي، والحضاري، والتاريخي، من أجل طمس هوية الأمة، وهذا ما ظل يفعله المستعمر البريطاني منذ احتلال السودان في العام 1898م، حيث أولى مسألة التعليم عناية فائقة حين عيّن الكافر جيمس كري مسؤولاً عن المعارف بعد شهرين فقط من الاحتلال، ليشرف بنفسه على نشر ثقافته في البلد، وبالمقابل طمس الثقافة الإسلامية! ثم مضى ليفتتح عدداً من المدارس الأولية، منها المدرسة الصناعية بمدينة أم درمان في العام 1900م، وفي العام نفسه أنشأ المستعمر معهد تدريب المعلمين، وأشرف عليه بنفسه، كما دعا كتشنر البريطانيين للتبرع لإنشاء كلية غردون التذكارية، وكانت الاستجابة أكبر مما يُتصور حيث دفعوا لها 120 ألف جنيه إسترليني، فافتتحها اللورد كرومر في 5 كانون الثاني/يناير 1899م، وعملت أولاً كمدرسة أولية، وفي العام 1935 قدم (ج. س. أسكوت) مفتش التعليم مذكرة انتقد فيها منهج التعليم، وشكل لجنة برئاسة مدير مصلحة المعارف ونتر ومعه مستر أسكوت، وغريفث، والسكرتير الإداري، وركزت على المدارس الأولية، وإعداد المعلمين. ثم أنشأت بريطانيا بخت الرضا.

فمنذ ذلك الوقت نجد أن المستعمر يشرف عن قرب على إعداد المناهج، وتنقيتها، ومراجعتها أولاً بأول، حتى لا تخرج عن خطه الذي رسمه لتركيز ثقافته وحضارته، فأينعت ثمرته، فتخرج منها هؤلاء العملاء في السياسة، والاقتصاد، وفي مختلف المجالات، هؤلاء العملاء العاجزون عن معالجة أي مشكلة، فظلت مشاكل السودان موجودة منذ خروج المستعمر إلى يومنا هذا، بل أصبح الناس يرون أننا نسبح عكس التيار، فبينما تتقدم الشعوب يسير السودان من سيئ إلى أسوأ، وأننا ندور في دائرة مفرغة لا آخر لها في ظل هذه الأنظمة.

أما الساسة والاقتصاديون فحدث ولا حرج، فقد خنعوا تماماً للغرب المستعمر، وأصبحوا عملاء يخدمون مصلحته فقط، ولا يعرفون حلاً لمشكلاتنا إلا بالخضوع له وعبر روشتاته وإملاءاته، وانتظار معوناته، مع أن الغرب يأكل ويشرب من ثروات بلادنا التي ينهبها بلا ثمن ثم يرمي لهم فضلاته فيستبشرون بها! هذا الغرب المستعمر قد وضع منهج تعليمه بناء على وجهة نظره هو في الحياة، وشكل شخصيته بناء على ذلك وعندما استعمر بلادنا استعمرها ليعيش هو لا نحن. هذا الواقع الذي أوجده لنا المنهج التعليمي للمستعمر.

وإذا أردنا أن نضع منهجاً تعليمياً يغير حياتنا ويرفع من شأننا ويرضي ربنا فلا بد من مراعاة هدفين يجب تحقيقهما:

1- أن يشكل الشخصية الإسلامية للمتلقي ببناء عقليته، ونفسيته، وذلك بغرس العقيدة الإسلامية فيه.

2- إعداد أبناء المسلمين ليكون منهم العلماء المختصون في كل مجالات الحياة، سواء في العلوم الإسلامية؛ من اجتهاد وفقه وقضاء وتفسير... أو في العلوم التجريبية من هندسة، وكيمياء، وطب...الخ.

 أما الأسس التي يوضع على أساسها المنهج فهي الثقافة الإسلامية، وما تحتويه من معارف؛ كالقرآن الكريم والسيرة النبوية المطهرة، وكتب الحديث الشريف، وكتب الفقه، وأصول الفقه، وكتب التفسير، واللغة العربية، وكذلك التاريخ الإسلامي، وهي في مجموعها تمثل ثروة عظيمة لا يوجد مثيل لها عند أي أمة أخرى، وهي قادرة على إيجاد الشخصية الإسلامية المتميزة القادرة على الإبداع وإعمار الأرض.

وبالعودة للدولة الإسلامية نجد أن المسلمين استطاعوا في فترة وجيزة، أن يحتلوا المرتبة الأولى في العالم، وبرز علماء مسلمون في مختلف المجالات، بل ومنهم من خلدت أسماؤهم في الأرض إلى يومنا هذا، مثل البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وغيرهم، في جمع الحديث وتصنيفه، وهناك أئمة الفقه؛ مثل الإمام مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم كثر، في الفقه وأصول الفقه، ونجد الإمام الطبري والقرطبي وابن قدامة وآخرين في التفسير، ومن قبلهم صحابة رسول الله ﷺ الذين حفظوا لنا الدين نقيا، وأخلصوا له، وقدموا أرواحهم وأموالهم فداء لرسول الله ﷺ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وغيرهم كثر، رضي الله عنهم أجمعين، وهناك الخلفاء الراشدون والقادة الفاتحون الذين حملوا الإسلام وانطلقوا به في أرجاء الأرض، كهارون الرشيد الذي كان يقول للسحابة أمطري حيث شئت فإن خراجك عائد إلينا، وكصلاح الدين الأيوبي قاهر الصليبيين، ومحمد الفاتح نعم الأمير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش، والسلطان عبد الحميد الثاني، الذي فضل أن يقطع جسده بالمبضع قطعة قطعة ولا يسلم فلسطين ليهود، وهناك العلماء الذين برعوا في مجالات الطب والكيمياء والفلك والرياضيات ومختلف العلوم الدنيوية، حتى إن بلاد المسلمين كانت كالضوء الساطع وسط العتمة، يقصدها كل الطلاب من مختلف أرجاء العالم ليعيشوا فيها، ويتعلموا وينعموا بالعدل والإحسان بلا منٍّ ولا أذى.

هكذا كانت الأمة الإسلامية عندما كانت لها دولة تنشئ النشء بالإسلام، وتوفر التربة الخصبة لإنبات قادة الخير الذين يصدرون الخير للناس، لا قادة الشر كحكام أمريكا وأوروبا، أمة تنبت الرجال لا أشباه الرجال كحكام المسلمين وعلماء السوء اليوم. رجال يخافون الله لا حكام الغرب، وحملة دعوة لا يخشون في الله لومة لائم، وحكام عدول يقضون بالحق ولو على أنفسهم وأبنائهم وإخوانهم، لا حكاماً يمنحون أنفسهم وأبناءهم وإخوانهم حصانة من الملاحقة القضائية كحكام اليوم...

وإن ذلك لا محالة عائد من جديد بعزم الرجال حملة الدعوة ليحققوا وعد الله القائل سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد منير – ولاية السودان

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو