August 16, 2014

ذكرى الحرب العالمية الأولى والخلافة


استطاعت القوى الغربية في الحرب العالمية الأولى توجيه ضربة موجعة للأمة الإسلامية تمثلت في هزيمة الدولة العثمانية والقضاء على الخلافة واستعمار ولاياتها العربية وفق اتفاقية سايكس-بيكو 1916م، وأتبعتها بضربة موجعة أخرى هي إعطاء وعد بلفور لليهود في 1917م، ومساندتهم في إيجاد دولة لهم في فلسطين. ويكاد يكون ذلك أهم إنجاز للغرب في تلك الفترة، ورغم ذلك لا يعرف الكثير من المسلمين عن الحرب العالمية الأولى سوى أنها كانت بين ألمانيا ودول الغرب بريطانيا وفرنسا وأمريكا ومن ثم روسيا، وفي هذه الأيام تمر ذكرى اندلاع تلك الحرب وبالتحديد في 1914/7/28م، ومن اللافت أن معظم التقارير والأفلام الوثائقية تتجاهل الحديث عما حدث للدولة العثمانية، وإن تحدثت يكون حديثا مقتضبا لا يلامس الواقع التاريخي بشكل حقيقي ولا يبين مدى الكارثة التي حلت بالأمة الإسلامية من جراء تلك الحرب، وكأن الدولة العثمانية آنذاك كانت دولة هامشية لا قيمة لها، وكأن تداعيات تلك الحرب لم يكن لها أكبر الأثر في قلب موازين القوى في العالم، وخلق واقع جديد كان الغرب يحلم به ويسعى إليه، بل ويتمنى أن يستيقظ من نومه ليرى ذهاب دولة المسلمين دولة الخلافة العثمانية، ليرتاح الغرب ويطمئن أن لا راعي ولا حامي للأمة الإسلامية بعد القضاء على ما تبقى من دولتهم، والتي على ضعفها وهزالها في أواخر أيامها استطاعت أن تقف سدا منيعا أمام مخططات يهود ومن ورائهم الغرب للسيطرة على فلسطين وإقامة دولتهم المزعومة فيها، لتكون خنجرا مسموما في خاصرة الأمة الإسلامية يمنعها من الوحدة مرة ثانية وإعادة أمجاد المسلمين. ولا تزال الأمة تعاني حتى اليوم من غياب دولة المسلمين فتداعت الأمم على أمة الإسلام كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، احتلال هنا وقتل وتدمير وتشريد هناك، ونهب منظم لثروات الأمة، وتبديد لمقدراتها، وإفقار لشعوبها بأيدي حكام رويبضات رضوا بأن يكونوا أدوات في يد الغرب الكافر ليمنعوا أي عمل يستهدف عودة العزة للأمة الإسلامية.


كان السلطان عبد الحميد يدرك جيدا أنه في يوم من الأيام ستنشب مثل تلك الحرب بين دول أوروبا التي تتربص بالخلافة وتنوي لها كل شر، وكانت خطته تتلخص في الاستعداد لذلك اليوم بتقوية الدولة عسكريا وتجهيزها وتطويرها، ومن ثم الانضمام لدولة تسود البحار ليتمكن من مواجهة أعداء الدولة الذين يكيدون لها وبخاصة إنجلترا وفرنسا، ولكن تم التآمر على السلطان وعزله في 1909، وبعد ذلك بخمس سنوات قامت الحرب وانحازت الدولة العثمانية لألمانيا ولكنها لم تكن جاهزة لدخول مثل تلك الحرب، فأصابتها الهزيمة التي كانت مقدمة للقضاء عليها ومحوها من خارطة القوى السياسية العالمية التي كانت لها فيها كلمتها المسموعة.


لقد نص بروتوكول معاهدة لوزان المعقود بين الحلفاء والدولة التركية عام 1923 على الشروط المعروفة بشروط كرزون الأربعة على ما يلي:


أولا - قطع كل صلة بالإسلام.


ثانيا - إلغاء الخلافة الإسلامية.


ثالثا - طرد الخليفة خارج الحدود، ومصادرة أمواله.


رابعا - اتخاذ دستور مدني بدلا من دستور تركيا القديم المؤسس على الإسلام.


والمتأمل في تلك الشروط يدرك مدى الحقد الذي كان يحرك الحلفاء تجاه الدولة العثمانية باعتبارها دولة للمسلمين، وله أن يتساءل ما علاقة تلك الشروط بقضية الحرب، وهل كانت هناك شروط مماثلة تتعلق بألمانيا، إلا إذا كان الأمر يتعلق بخوف حقيقي من دولة الخلافة وحرص شديد من الغرب على القضاء عليها. لقد كانت هناك معارضة شديدة من قبل بعض أعضاء مجلس العموم البريطاني لانسحاب قوات التحالف من اسطنبول والاعتراف بالجمهورية التركية، لكن كرزون وزير خارجية بريطانيا آنذاك اعتبر تلك المعارضة والخوف من بعض نواب المجلس غير مبرر، ذلك أنه أدرك أن تركيا لن تقوم لها قائمة بعد القضاء على مصدر قوتها الإسلام والخلافة، وهذا هو ما قاله لهم بالنص، "القضية أن تركيا قد قضي عليها، ولن تقوم لها قائمة، لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها: الخلافة والإسلام".


كل هذا وأكثر يتم تجاهله من قبل كل من أحيا ذكرى الحرب العالمية الأولى، فهو لا يريد تذكير المسلمين بتكالب دول الغرب الكافر على دولتهم دولة الخلافة العثمانية، وهو لا يريد تذكير المسلمين بالنتائج الخطيرة التي أضرت بالمسلمين أكثر من غيرهم، برغم أن تلك الحرب هي من دق المسمار الأخير في نعش خلافة المسلمين، ونحن هنا نريد أن نؤكد للأمة إدراك الغرب لخطورة أن يكون للمسلمين دولة بحجم دولة الخلافة، فإذا كان الغرب يدرك ذلك ويخاف منه فيجب على المسلمين أن يهبوا لإقامة تلك الدولة مرة ثانية ولتكن على منهاج النبوة حتى تزلزل كيان الغرب الكافر وتجعل كيدهم في نحرهم، وما ذلك على الله بعزيز.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو