تحكيم شرع الله فرض شرعي ومطلب شعبي
تحكيم شرع الله فرض شرعي ومطلب شعبي

يقول الله سبحانه في سورة المائدة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ *

0:00 0:00
السرعة:
May 19, 2019

تحكيم شرع الله فرض شرعي ومطلب شعبي

تحكيم شرع الله فرض شرعي ومطلب شعبي


يقول الله سبحانه في سورة المائدة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 48-50]


ويقول الله تبارك وتعالى في موضع آخر في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾.


آيات بينات كريمات قاطعات لا تبديل لها ولا تغيير، ولا تفسير أكثر مما تنطقه الحروف والكلمات، ينبه الله فيها أن الحكم لله الحق، وكتابه هو الحق، وما جاء فيه هو الخير للبشرية جمعاء، ويحذر فيها رسوله الكريم أن لا يكون خصيما لأولئك الخائنين الذين يخونون الله ورسوله ويختانون أنفسهم.. فمن هم هؤلاء؟


إنهم أولئك النفر الذي قبلوا واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، قبلوا حكم البشر وقوانين وضعية وربوبية غير الله عز وجل، فاحتكموا لغير شرعه واهتدوا بغير هدي نبيه عليه الصلاة والسلام.


يتلوا المسلمون هذه الآيات ليل نهار، ولكن أغلبهم يمر عليها دون إمعان نظر في معانيها، ولذلك نجد منهم من يدعو لديمقراطية أو وطنية أو قومية أو غيرها من الأنظمة والقوانين ليحكم الناس بها، بل ويجعلها دساتير لهم يجرم من يخالفها، ولكن لا يحاسب من يحل الحرام أو يحرم الحلال ولا يقاضى من يأمر بالمنكر أو ينهى عن المعروف.


أليس الله هو الصادق القول الحق المبين القائل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾ ثم يأتي أحدهم ويقول مخاصما ومنافحا مدعيا علما وثقافة أُشربها من الشرق أو الغرب الذي يحارب دين الله، يأتي فيقول، إننا نريدها جمهورية وطنية أو مدنية أو قومية ديمقراطية، ليبرالية حرية وانفتاحية إباحية يريدونها مرة غربية على غرار فرنسا أو سويسرا أو شرقية شيوعية أو اشتراكية على غرار كوريا أو الصين، أو غيرها مما يظن أنهم على خير، وينسون أو يتناسون أن الشرق والغرب برأسماليتهم واستعمارهم، وبدكتاتورياتهم وجشعهم قد فتكوا بالمسلمين وفرقوهم وشتتوهم وجعلوهم مزقا وأشلاء لا قيمة لهم بين الشعوب، مختلفين ضعفاء منكسرين تابعين لهذا مرة ولذلك مرة لا يملكون زمام أمورهم ولا كلمة لهم ولا سلطان.


نعم هذا ما يريده لنا الأعداء، والله يريد لنا ولهم الخير، ففي هذا الكتاب الكريم كما وصف الله حق مبين، وصراط مستقيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكيف نرضى استبدل الشر المستطير من أعدائنا بهذا الخير المستديم من ربنا؟


انظروا إلى ثورات الربيع العربي وحراكات الشباب في الجزائر وفي السودان، بل وفي كل مكان، تطالب بالتغيير، وتبديل الحال إلى ما هو خير، فلماذا إذن يصر الإعلام العربي في كل موضع أن يخدع الناس بأن يوهمهم أن مطالب الشعوب تقتصر على أمور دنيوية دنيئة مثل لقمة الخبز وخفض الأسعار وبطالة العمال. أليست كرامتهم وغيرتهم على دينهم وأعراضهم هي التي حركتهم؟ ألم يصدعوا بمطالبتهم بأن يكون السلطان لهم، والموالاة لدينهم وليس لأعدائهم؟! ونحن تؤكد لهم من هذا المقام أن لا خير لكم إلا في إسلامكم ولا إحسان إلا في دينكم، فانبذوا كل فكرة غريبة، وألقوا جانبا كل وجهة نظر تأتي من أعدائكم وارفعوا أصواتكم لله وانصروه ينصركم، ويثبت أقدامكم.


أيها الكرام خذوا مني هذه الأرقام وانتبهوا كيف يُقيِّم الغرب وضعكم ويستبين حالكم، وأنتم ربما غافلون أو لا تدركون ما يتربص بكم أعداؤكم:


استطلاعات من معاهد ومؤسسات غربية لحال المسلمين في أصقاع الأرض يدرسون أمنياتهم ومطالبهم.. وليس ما نراه في الإعلام في الجزيرة والعربية والسي إن إن أو البي بي سي.. وغيرها من وسائل الإعلام التي تضلل الناس ليل نهار..


وجد تقرير صادر في نيسان/أبريل 2007 عن جامعة ماريلاند بعنوان "الرأي العام الإسلامي حول السياسة الأمريكية"، وجد دعماً قوياً لإقامة دولة إسلامية واحدة والابتعاد عن القيم الغربية. يشير التقرير إلى أن "معظم المجيبين يعربون عن دعمهم القوي لتوسيع دَور الإسلام في بلادهم... تدعم الغالبية العظمى في معظم الدول أهداف طلب تطبيق صارم للشريعة، وترك القيم الغربية، وحتى توحيد جميع البلاد الإسلامية في دولة واحدة؛ الدولة الإسلامية".


كشف مقال في مجلة إندبندنت، نُشر في عام 2015، أن البلدان التي حظي فيها الإسلام بالاحترام في القانون كان لها أكبر دعم لقانون الشريعة ليصبح القانون الرسمي للبلاد.


في استطلاع للرأي أجراه مركز بيو pew العالمي عام 2013 حيث أجرى مقابلات مع المسلمين في 39 دولة، وجد هذا الاستطلاع أن الأغلبية الساحقة في العديد من البلاد الإسلامية أيدت حقيقةَ أن الشريعة يجب أن تكون القانون الرسمي مع التركيز على ما إذا كان المسلمون يريدون قانون الشريعة ليكون القانون الرسمي والوحيد في بلدهم. وكانت النتائج كالآتي:


• 99٪ من المسلمين الذين تمت مقابلتهم في أفغانستان قالوا نعم. • 82٪ في بنغلاديش • 86٪ في ماليزيا • 72٪ في إندونيسيا • 86٪ في النيجر • 82٪ في جيبوتي • 71٪ في نيجيريا • في العراق كانوا 91٪ • في باكستان كانوا 84٪. الأردن 71%، مصر 74%، تونس 56% والمغرب 83% وبلغت النسبة 89٪ في المناطق الفلسطينية، ومثلها الجزائر وسوريا، حتى في روسيا بلغت النسبة 42% من المسلمين هناك يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية.


هذه أرقام تكشف حقيقة مدى حب المسلمين لدينهم وثقتهم بأنه هو المخلص لهم من كل هذه الشرور التي وقعوا فيها. وأنا هنا أنبهكم أن لا تنخدعوا بما يمليه عليكم الإعلام الموجه من أعدائكم ليحبطوا أعمالكم ويسرقوا ثوراتكم، ويميلوا بحراككم لينقلبوا عليكم كما فعلوا في اليمن وليبيا ومصر التي هلكت بالحروب وتحت حكم العسكر المتآمرين على الأمة الإسلامية جهارا نهارا.


لقد استبدلت بشريعة الله عز وجل قوانينُ وضعية وضعها الكفار، وفرضت على المسلمين منذ أكثر من مئة عام، والمسلمون يرزحون تحت أحكام قوانين وضعية تسومهم سوء العذاب والبطش والذل والمهانة، أفسدت عليهم حياتهم ومنعتهم من العيش حياة كريمة رشيدة ينظمها شرع الله تبارك وتعالى، قال الله تبارك تعالى: ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾.


فلا تدافعوا عن أولئك المجرمين الذي يريدون أن تعودوا إلى حظيرة الغرب أو الشرق أذلاء تحت حكم طواغيت العملاء والرويبضات.


إن تقوى الله تبارك وتعالى وطاعة رسوله e تحتم على المؤمنين العمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة تحكم بالإسلام على منهاج رسول الله e ليتم تطبيق شرع الله وتنفيذ أمره ونهيه وتحليل حلاله وتحريم حرامه. ففيها صلاح أمرنا ورفعة شأننا وعزتنا وكرامتنا.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
م. يوسف سلامة - ألمانيا

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو