تحطم آمال أهل السودان العريضة في ظل حكومة  ترقص على جثث الجوعى في تمثيلية الاندماج في المجتمع الدولي
December 24, 2020

تحطم آمال أهل السودان العريضة في ظل حكومة ترقص على جثث الجوعى في تمثيلية الاندماج في المجتمع الدولي

تحطم آمال أهل السودان العريضة في ظل حكومة

ترقص على جثث الجوعى في تمثيلية الاندماج في المجتمع الدولي

أعلنت السفارة الأمريكية بالخرطوم عن وصول أولى شحنات القمح التي تعهدت الولايات المتحدة بتقديمها للسودان قبل أسابيع وتبلغ قيمة الشحنة 20 مليون دولار. (سودان تربيون 13 كانون الأول/ديسمبر 2020م). ويعاني السودان منذ أشهر من أزمة في توفير الخبز والوقود، نتيجة لشح النقد الأجنبي، مع انهيار سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الأخرى، وضعف الصادرات السودانية. وتستمر أزمة الخبز في العاصمة بسبب شح الدقيق فيما لحقتها مؤخرا أزمة حادة في الغاز الذي تحتاجه المخابز الآلية، فتوقفت مئات المخابز عن العمل لعدم قدرتها على الحصول على الغاز، ويشكو أصحاب المخابز من نقص حاد في حصص الدقيق، إلى جانب ارتفاع تكاليف التشغيل مقابل تدني سعر قطع الخبز.

في الماضي القريب كان أهل السودان يستهلكون الذرة كغذاءٍ رئيسيٍّ بنسبة 100% وبعد أن أدخلت المعونات الأمريكية القمح، انخفض استهلاك الذرة بنسبة 25% لصالح القمح في العام 1960، ثم أخذ استهلاك الذرة والدخن يتراجع تدريجياً، حتى أصبح القمح الغذاء الرئيس لأهل السودان، وبهذا تم تغيير أنماط الاستهلاك واستبدل القمح بالذرة والدخن، ولا يخفى تأثير القوى العالمية الغربية في تغيير أمزجة الشعوب المغلوبة على أمرها لجني المصالح من وراء ذلك، خاصة بعد أن أصبحت التجارة الدولية حلقة من حلقات الصراع الدولي وأصبحت تجارة القمح سلاحاً استراتيجياً يؤثر على سيادة الدول وقرارها. وقد شهد استهلاك القمح في السودان تزايداً مضطرداً نتيجة لارتفاع معدل السكان، وتصاعد معدلات الهجرة من الريف إلى الحضر، فأصبح القمح من السلع الاستراتيجية التي تحتكرها الحكومات المتعاقبة في إيحاء بأهميتها.

وفي خطوة أشبه باليقين والاطمئنان، قال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، لدى ترؤسه اجتماع اللجنة العليا لإنجاح الموسم الزراعي 2020م، إن الإنتاج غير المسبوق لمحصول القمح خلال الموسم الشتوي، كان نتيجة لتضافر الجهود الرسمية والشعبية بالبلاد. وأكد حمدوك أن التنمية الحقيقية تقوم على القطاع الزراعي الذي يعدّ المخرج للسودان من الأزمات الاقتصادية، مبيناً أن الموارد والإمكانات الزراعية التي يزخر بها السودان تجعله صمام أمان الأمن الغذائي بأفريقيا والعالم العربي! لكن نجاح الموسم الشتوي لم ينعكس على توفر رغيف الخبز وكأن القمح (فص ملح وذاب)! وتبقى كلمات المسؤولين الخادعة تتجدد وتتنوع ممنية الناس بتغيير مرتقب! ولكن هذه المرة على لسان وزير الزراعة والموارد الطبيعية، عيسى عثمان شريف، في اجتماع اللجنة العليا لإنجاح الموسم الزراعي، حيث استعرض معظم التحديات التي تواجه القطاع الزراعي عموماً، والترتيبات التي جرت من أجل إنجاح الموسم الزراعي الصيفي المقبل بصفة خاصة، وأشار إلى أن الزراعة تمثل العمود الفقري للاقتصاد السوداني ونقطة الانطلاق لكل القطاعات الاقتصادية الأخرى، مبيناً أن الوزارة تبذل جهوداً في عملية الإرشاد الزراعي ونقل التقانة إلى جانب تنظيم المزارعين في جمعيات التعاون الزراعي، وذلك من أجل إحكام التنسيق بين جميع الجهات ذات الصلة بالعمليات الزراعية. وينام الإنسان البسيط ويصبح على كلمات المسؤولين وبطنه خاوية، وجسمه واهن، لأن الجوع لا تسده الكلمات، والأغرب من ذلك أن يعلن رئيس الوزراء أن دفع تعويضات الولايات المتحدة كان على حساب حليب الأطفال ودواء المرضى!

 في ظل سياسات فاشلة يتنافس المسؤولون على الخطب الرنانة بعيداً عن مشاكل الناس، رغم غنى السودان بالموارد! إذ يعدّ القطاع الزراعي من أكبر القطاعات الاقتصادية في البلاد، ويعتمد ما يقارب 80% من أهل السودان على الزراعة، ويشارك القطاع الزراعي بنحو 44% من إجمالي الناتج المحلي، ويعدّ المحرك الرئيسي للصناعات الزراعية، ومدّها بالمواد الخام. ويمتلك السودان نحو 200 مليون فدان صالحة للزراعة؛ المستغل منها لا يتجاوز 25 في المائة فقط، والباقي من الأرض البكر ينطبق عليه قصة زيدان الكسلان الذي يؤجل الزراعة كل يوم حتى انتهى الموسم وهو نادم، فقد أعلنت وزارة الزراعة أنها تستهدف زراعة نحو 64 مليون فدان في العروة الصيفية هذا العام، منها 4 ملايين فدان في القطاع المروي، و60 مليون فدان في القطاع المطري، ولكن لم يعلم أحد عن حصاد هذه الزراعة، وهل فعلاً تمت زراعة هذه المساحة؟! كل ذلك تمهيدا ليستبدلوا بالإنتاج الاستثمارات الأجنبية التي تنهب ثروات البلاد تحت ذريعة التمويل.

وبالفعل فقد أعلنت الحكومة الانتقالية عن مشاريع قوانين وخطط يجري العمل عليها من أجل خلق بيئة استثمارية جاذبة لرؤوس الأموال العربية والأجنبية، للاستفادة من المقومات الطبيعية التي يتمتع بها السودان، لتحقيق الأمن الغذائي المحلي والعربي، وأكد وزير الزراعة، في تصريحات سابقة، أن 6 جهات دولية أبدت رغبتها في تمويل عمليات إعادة تأهيل المشروعات الزراعية الكبرى بالبلاد، والتي تعرضت لتدمير ممنهج خلال العقود الثلاثة الماضية. وقال إن الحكومة ترتب لإطلاق صندوق استثماري ضخم لتعزيز الإنتاج في المجالات التي تصب في اتجاه تحقيق الأمن الغذائي المحلي والعربي، وتوقع أن يشكل الصندوق أساساً قوياً لنهضة زراعية غير مسبوقة في السودان، وهو كلام للاستهلاك وذر للرماد في العيون.

إن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك كبيرة، فقد أشار مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية بالسودان (أوتشا) في تقرير لبعثة تقييم إمدادات المحاصيل والغذاء إلى السودان، الصادر في شباط/فبراير 2020، إلى أن إنتاج القمح السوداني هذا العام يقدر بنحو 726 ألف طن، وهو ما يمثل نحو 25 في المائة من إجمالي استهلاك البلاد للقمح البالغ 2.9 مليون طن، مما يشير إلى أن السودان يحتاج هذا العام إلى استيراد نحو 2.2 مليون طن من القمح... واستورد السودان نحو 2.7 مليون طن من القمح ودقيق القمح في عام 2019، بنحو 1.1 مليار دولار، وفقاً لتقرير عن التجارة الخارجية صادر عن بنك السودان المركزي. ولتغطية الفجوة في محصول القمح، وقّعت الحكومة السودانية مع "برنامج الغذاء العالمي" في 13 نيسان/أبريل الماضي اتفاقية لاستيراد 200 ألف طن متري من القمح، وتعادل هذه الكمية نحو 10 في المائة من واردات القمح المطلوبة للسودان للعام 2020، لكن الحكومة الانتقالية تقترب من عامها الثالث، وهي فاشلة في توفير رغيف الخبز، ولم تنخفض فاتورة الاستيراد، ولم تقل نسبة الاستهلاك، بل زادت الفجوة وفاقت 500% لصعوبات وعوائق ظلت تواجه زراعة القمح في أكبر مشروع ذي إدارة موحدة في العالم (مشروع الجزيرة)، الذي تبحث إدارته عن أبسط الحلول لفتح الترع وتسهيل الري الانسيابي فلا تجد سوى الوعود، كما نقلت وكالة السودان للأنباء لقاء حمدوك بعضو المكتب الرئاسي لاتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، وعضو مجلس إدارة مشروع الجزيرة، وتطرق اللقاء لنقاش موضوع الري في مشروع الجزيرة باعتباره المحرك الأساسي للعملية الإنتاجية بالمشروع، علماً بأن هناك مشاكل تتعلق بالكراكات والتمويل، وهذا يعني فشلاً في أبسط الأمور التي بالإمكان حلها لو امتلكت الحكومة إرادة وقراراً سياسياً حكيماً.

 إن حالة الإحباط الذي يعيشها أهل السودان من ضعف أداء الحكومة الانتقالية، وفشلها في حل الأزمات الاقتصادية التي تحيط بالبلاد تبلغ الذروة، ففي كل موسم زراعي تبشر الحكومة بالإنتاجية العالية لمحصول القمح في موسم الحصاد ولكن على أرض الواقع، يظل حلم تحقيق اكتفاء ذاتي من الدقيق وحل أزمة الخبز حلماً يراوح مكانه، رغم أن السودان هو أحد أكبر ثلاثة بلدان أفريقية مساحة، وأحد أهم بلدان العالم التي تتوفر فيها المياه والأراضي الصالحة للزراعة، إلا أن زراعة القمح فيها لا تزال غير كافية لتغطية الاستهلاك المحلي الذي يتجاوز مليوني طن من القمح سنويا، في حين ينتج السودان حوالي 12 إلى 17% من هذا الاستهلاك السنوي رغم أكثر من 200 مليون فدان من الأراضي الزراعية الخصبة، ويجري بين ظهرانينا نهر النيل ويهطل علينا من السماء ماء يقدر بحوالي تريليون متر مكعب، وبعد ذلك نستورد القمح! هذا إنما يدل على فشل في السياسات وفشل السياسيين الذين يستجدون الحلول من صندوق النقد والبنك الدوليين، بالإضافة إلى أن الحكومات ترهن القرار السياسي والاقتصادي وتخضعه لمصالح الدول الكبرى التي تتحكم بسلعة القمح. لذلك فإن كلمة السر في هذا الفشل هي عمالة الحكام الخونة!

لقد تحطمت آمال أهل السودان العريضة في ظل هذه الحكومة التي أصبحت ترقص على جثث الجوعى في تمثيلية إدماج السودان في المجتمع الدولي، كما أن المشكلة تكمن أيضا في وجود ساسة لا يفهمون ولا يطبقون إلا النظرية الرأسمالية التي تقول بمحدودية الموارد، والله الخبير العليم يقول: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾، ساسة يمتلكون الثروة أو يملّكونها للرأسماليين والإسلام يأمر بتحسين توزيع الملكيات والثروات، فلا يكون المال دولة بين الأغنياء فقط، وتحتكر الدولة سلعة القمح والإسلام يمنع احتكار السلع والأسواق، ويعطي كل ذي حق حقه فلا يتملك الأغنياء فقط الأراضي الشاسعة، وإنما تُعطى لمن يحييها وتعينه الدولة على إحيائها، يقول النبي ﷺ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَوَاتاً فَهِيَ لَهُ«. فكيف نبحث عن حلول وديننا هو الحل؟! فقد حكم وكان خير مثال طبق ونجح في علاج كل مشكلات البشر، حتى إن من خلفائنا من قال "انثروا القمح على رؤوس الجبال كي لا يُقال جاع طير في بلاد المسلمين"، ولنا في عمر رضي الله عنه خير مثال؛ فلما أصاب الناس القَحط في عام الرمادة كان لا ينام الليل إلا قليلاً، وما زال به الهمّ حتى تغيّر لونه وهزل، وقال من رآه: "لو استمرّت المجاعة شهوراً أخرى لمات عمر"، وذلك من شدة الهمّ والأسى لحال المسلمين. فكان أول من جاع عام الرمادة وآخر من أكل عندما شبع الناس، وعندما وُضع أمامه اللحم قال: "لقد آليتُ على نفسي أن لا أذوقَ السمن واللحم حتى يشبعَ منهما المسلمون جميعاً"؛ إنها الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فكونوا لها من العاملين.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة عبد الجبار (أم أواب) – الخرطوم

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو