(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)
April 30, 2020

(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)

﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾


أنعم الله سبحانه وتعالى على عباده بنعم كثيرة يعجز المرء عن عدّها وحصرها، فقال في سورة النحل: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وقال في سورة إبراهيم: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾...
ومما يلفت النظر أنّه مع كثرة النِّعم والعجز عن عدّها وإحصائها فإنّ الله سبحانه قد استعمل كلمة نعمة مفردة وليست بصيغة الجمع في الحديث عن هذه النِّعم، وفي ذلك مدعاة لنا للتفكير والتفكر في عظمة الله وعظيم فضله وفي إعجاز كتابه في التعبير عن المعاني وإيصال الأفكار، وقد استوقفتني في هذا المجال لفتة للشيخ الشعراوي في تفسيره للآية أعلاه من سورة إبراهيم حول ورود كلمة نعمة مفردة في الآية حيث يقول: "وجاء الحق سبحانه بالشكِّ، فقال: ﴿إِنْ﴾ ولم يقل: إذا تعدون نعمة الله؛ لأنّه أمر لن يحدث، كما أن الإقبال على العَدِّ هو مظنَّة أنه يمكن أن يحصي؛ فقد تُعدُّ النقود، وقد يعدّ الناظر طلاب المدرسة، لكن أحداً لا يستطيع أن يَعدّ أو يُحصي حبَّات الرمال مثلاً. وهذا شَكٌّ في أن تعدوا نِعمة الله ومن العجيب أن العدَّ يقتضي التجمع، والجمع لأشياء كثيرة، ولكنّه سبحانه جاء هنا بكلمة مفردة هي: ﴿نِعْمَةَ﴾ ولم يقل: نِعَم فكأن كل نعمة واحدة مطمور فيها نِعَمٌ شتَّى. إذن: فلن نستطيع أن نعدَّ النِّعَم المطمورة في نعمة واحدة".


فسبحان الله ما أعظمه وما أكرمه وما أرحمه بعباده! وإنّ نظرة تفكر وتدبر في أنفسنا وفي التقويم البديع الذي خلقنا الله عليه ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وفي النعم التي أنعمها الله علينا من سمع وبصر وسائر الحواس، وفي النظام الدقيق والوظائف العظيمة التي تقوم بها أجهزة وأعضاء جسمنا في ثوانٍ أو أجزاء منها دون أن نحس كالكلى والكبد وعملية نقل الدم من القلب إلى سائر أعضاء الجسم، تجعلنا لا نتوقف عن التسبيح لعظمة الله ولعظيم خلقه وعطائه، وكذا الأمر لو تفكّرنا فيما حولنا من المخلوقات والأنعام وعظمة خلقها، وكيفية تسخير هذه المخلوقات لخدمة الإنسان وانتفاعه بها، وفي الكون ونظامه الدقيق، يقول جلّ من قائل في سورة النحل: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ويقول أيضا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.


إنّه لحري بالإنسان أن يستحضر دائما نعم الله عليه، وأن يجعله ذلك دائم التسبيح والثناء والحمد لله على نعمه، فإنّه من عظيم فضل الله علينا أنّه كلمّا شكرنا وحمدنا نعمه زادنا من فضله ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ونعوذ بالله أن نكون من الكافرين بنعم الله علينا الظالمين لأنفسهم ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الذين توعدهم الله بالعذاب، من أولئك الذين نسبوا الفضل لأنفسهم واغترّوا بها ونسوا فضل الله ونعمته عليهم، كصاحب الجنتين الذي أخبرنا القرآن عن قصته في سورة الكهف، حيث عاقبه الله على كفرانه بالنعمة ونسبة الفضل لنفسه بأن أرسل صاعقة دمّرت بستانه وأتلفت ثماره: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً (39) فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42)﴾، بل إنّ البعض قد تمادى في الكفر والضلال والطغيان رغم نعم الله عليه فجاهر في معاصيه وكفر بالله سبحانه وطغى في الأرض وتجبّر على عباد الله وعطّل أحكامه وضيّق على المؤمنين الموحدين، وأمثال هؤلاء كثر في الماضي والحاضر، وقد قصّ علينا القرآن الكريم قصة قارون الذي آتاه الله مالاً عظيماً يعجز رجال الأرض عن حمل مفاتيحه، وقد كان قارون يظن بأنّ هذا المال حصل عليه بقدرته وحده وأنه المتصرِّف الوحيد به، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: 76]. وقد استخدم قارون ماله ليتجبّر على الناس ويبطش بهم، وذكرت الآيات بأنّ هناك من قومه من حاولوا ثنيه عن الطريق التي يسلكها إلّا أنّ غروره بماله ونفسه صدّه عن اتباع نصائحهم وردّ عليهم كما قال الله عز وجل: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:78] ونسي أنّ الله تعالى هو الذي وهبه هذا المال، وله القدرة عز وجل على سلبه منه وإذاقته أصناف العذاب، فكانت عاقبته أن خسف الله به وبداره الأرض ولم يستطع ماله أن يُنقذه: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)﴾،... ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ (81)﴾. وإننا نحذر الطغاة المتجبرين المغترين بما يملكون سواء أكانوا أفراداً أم حكاماً في بلاد المسلمين وفي غيرها - وهو في معظمه مما سلبوه من شعوبهم ومن شعوب الدول التي استعمروها - من سوء العاقبة، ونحثّ المؤمنين المقصرين على استدراك ما فات والإنابة إلى الله، يقول الطبري في تفسيره لآية ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ "إنّ الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتّباع مرضاته، رحيم بكم أن يعذّبكم عليه بعد الإنابة إليه والتّوبة".


وإنّه من المفارقات العجيبة أننا ألِفنا النعم ودوامها علينا حتى إذا سُئلنا عن حالنا قلنا لا جديد، حتى بتنا لا نحسّ بقيمة هذه النعم إلا إذا فقدناها، فهلا استشعرنا عظمة النعم ودوام العافية، وزدنا تقرباً إلى الله، خاصة في ظلّ جائحة كورونا، حيث إننا أشد ما نكون حاجة لذلك، فكثير من النعم التي كنّا نعدها من باب الروتين في حياتنا اليومية كالتنقل والعمل والدراسة والزيارات العائلية قد حُرمناها فعرفنا قيمتها، وكذلك نعمة وأجر صلاة الجُمع والجماعات وحضور دروس العلم، ومَن كان يتذمر من مكان سكنه ومن مستوى معيشته ويطمح للعيش حياة الغنى والرفاهية استشعر نعمة وجود بيت يؤويه وعائلته يحجرون فيه على أنفسهم وقاية لهم من فيروس كورونا، في حين إنّ الكثيرين من إخواننا قد فقدوا بيوتهم بسبب الحروب الغاشمة والإجرام الذي يتعرضون له كما هي حال أهل سوريا ومسلمي الروهينجا ولم تَعُد لهم بيوت تقيهم برد الشتاء وحر الصيف ويحجرون بها أنفسهم من كورونا، كما أننا استشعرنا نعمة توفر قوت لنا ولعائلاتنا في حين إنّ غيرنا لا يجد ما يسد بهِ رمقه ورمق عياله. وقد أدركنا في ظل هذه الجائحة معنى حديث الرسول e: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ». فعلى صعيد الصحة فإننا مهما حمدنا الله على الصحة والعافية لما أوفيناه حقه، فنعمة النَّفَس الذي حُرمه كثيرون بسبب هذا الفيروس فباتوا يعيشون على أجهزة التنفس الصناعي، إن وجدوها أصلاً، تجعلنا نراجع حساباتنا ونغتنم هذه الصحة قبل السقم في طاعته سبحانه، أمّا نعمة الفراغ التي غُبن فيها كثير من النّاس، حيث كانوا يشتكون من الملل والضجر وهم أشد شكوى وتذمراً هذه الأيام بسبب إجراءات حظر التنقل ومنع الخروج من المنازل في ظلّ جائحة كورونا، أو قسم آخر كان يشتكي من عدم وجود أوقات فراغ لديه بسبب الأشغال والأعمال، فإنّ هذا الفراغ والوقت غير المُزدحم، مدعاة لكلّ واحد منّا للتفكير في كيفية قضائه لوقته من قبل، وهل كانت الدنيا وزخارفها تأخذ وقته على حساب الآخرة، وهي فرصة لكلّ واحد فينا ليحاسب نفسه، ويحاول استدراك ما فاته، ويعمل على أن يملأ وقت الفراغ بطاعة الله والتقرّب إليه على صعيد العبادات والأعمال الصالحات الفردية، وعلى صعيد العمل على إنهاض أمته وإعادة حكم الله في الأرض، فيجعل من المحنة منحة ولا سيما ونحن مقبلون على شهر رمضان؛ هذا الشهر المبارك، شهر النفحات الإيمانية والفرص السانحة الذي منَّ الله علينا ببلوغه في حين حُرِم غيرنا من بلوغه سواء مَن قضوا بهذا الفيروس أو بغيره، هذا الشهر هو من أعظم النعم التي ينعم الله بها على عباده أن بلّغهم أيام الطاعات وفرصة التزوّد بالحسنات لمحو السيئات وفضل العتق من النار وأن ندرك ليلة عظيمة وصفها رب العزّة بأنها خير من ألف شهر.
إنّ أعظم نعمة علينا استشعارها في هذه الأيام هي نعمة الإسلام العظيم، الذي أخرجنا من الظلمات إلى النّور، ومن عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، الإسلام الذي وضع لنا أحكاما وتشريعات لكلّ شؤون حياتنا ابتداء من نظافة الأبدان والمكان والتي بدأت بعض الشعوب بتعلمها في ظلِّ هذه الجائحة، وصولاً إلى شكل نظام الحكم ورعاية شؤون النّاس، والتي تفتقدها البشرية جمعاء وليس المسلمون فقط، في ظلّ النظام الرأسمالي، ولا سيما في ظلّ جائحة كورونا وطريقة تعامل الدول الرأسمالية وأتباعها من الحكّام في بلاد المسلمين معها. وإننا إذ نتحدث عن نعيم الدنيا، فإننا لا ننسى ولا نُغفل ما أعدّه الله لعباده المؤمنين الطائعين يوم القيامة، فإنّه وإن كان لهم في الدنيا نعم لا تُعدّ ولا تُحصى، فإنَّ لهم في الجنّة «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ».


فاللهم إنّا نسألك رضاك ونسألك الجنّة ونعيمها، واللهم لك الحمد على حلمك بعد علمك، ولك الحمد على عفوك بعد قدرتك، اللهم لك الحمد كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله؛ علانيته وسره. اللهم إنّا نحمدك بمحامدك كلها ما علمنا منها، وما لم نعلم. يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
براءة مناصرة – الأرض المباركة فلسطين
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو