واشنطن تشبّه نظام الأسد بالمافيا وتدعمه بالخفاء
March 17, 2012

واشنطن تشبّه نظام الأسد بالمافيا وتدعمه بالخفاء

الخبر:

شبّهت واشنطن نظام الرئيس السوري بشار الأسد بـ"عائلة من المافيا"، داعية كل الذين يواصلون دعمه إلى التفكير ملياً للعدول عن قتلهم الأبرياء.

جاء هذا على لسان المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولاند، التي قالت إنه في ظل نظام الأسد، فإن السلطة السياسية في سوريا لا تعود إلى البرلمان ولا إلى مجلس وزاري، بل تتركز بين أيدي ما يشبه عائلة من المافيا، حسب قولها.

التعليق:

بعد انقضاء عام على الثورة المباركة في سوريا الحبيبة، أرض الشام المباركة، عقر دار المؤمنين بإذن الله، وبعد التضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء الإسلام في الشام، حيث ارتفع عدد الشهداء إلى قرابة عشرة آلاف شهيد، ومئات الألوف من الجرحى والمعتقلين، ومثلهم من المشردين من ديارهم وبلداتهم خوفا من بطش النظام المجرم وجلاوزته وشبيحته الأنذال، بل بعد أربعين عاماً من حكم النظام الأسدي الخائن، الذي مارس أعتى أنواع البطش والدكتاتورية والغطرسة والمجازر الدموية في المنطقة، تخرج علينا فكتوريا نولاند لتبشرنا بحقيقة النظام الحاكم في سوريا، وأنه شبيه في طريقة حكمه بعائلات المافيات الشهيرة في أمريكا، حيث تنتشر فيها قوانين الاستبداد والجريمة المنظمة والمتاجرة بأرواح البشر والفساد.

تُرى، إن اعتبرنا أن عائلة الأسد ونظامه هم كالمافيا، وأن الأسد يمكن أن نطلق عليه "الدون" بشار وأخيه "الدون" ماهر، ونسيبه "الدون آصف" و"الدون" رامي وهكذا، فمَنْ في هذا الحال يستحق أن يكون الأب الروحي لهذا النظام الحاكم وأباً لجميع "الدونات"!! وهل يمكن لأحد أن ينافس أمريكا على التربع على هذا العرش، عرش الأب الروحي للمافيا الأسدية!!!

فمنذ المقبور حافظ أسد الذي جاءت به أمريكا ليحكم سوريا بالحديد والنار قبل أربعة عقود، حيث شكل فيها نظاما تابعا لهيمنتها السياسية البغيضة، ليقوم بالذود عن مصالحها تحت غطاء المقاومة والممانعة ويحفظ لكيان يهود حدوده، بالإضافة لما نهبه من أراضي الجولان المحتل، وإلى يومنا هذا، فإن أمريكا هي من يدعم هذا النظام ويطيل في عمره بطرق مباشرة وغير مباشره، كالتي يقوم بها من خلال العملاء المحليين والإقليميين ومؤسساتهم الإقليمية والدولية.

فعلى المستوى الدولي ومنذ بدء الثورة المباركة، تقوم أمريكا ضمن ممارستها للصراع الدولي على مصالحها الاستعمارية في المنطقة، تقوم بعرقلة أي مجهود أوروبي يسعى لاستصدار قرار دولي يدين النظام السوري ويزعزع أركان حكمه، حيث إنها تختبئ خلف الفيتو الروسي-الصيني المتناغم بسلاسة مع الموقف الأمريكي الحقيقي من النظام، وتظهر نفسها عاجزة أمام اتخاذ أي قرار دولي، بالرغم من أن مجلس الأمن أثبت خلال عقود خلت أنه ليس سوى دائرة من دوائر السياسة الخارجية الأمريكية تستخدمه كأداة لتمرير ما تريده أمريكا وعرقلة ما يتناقض مع مصالحها. وإن ظهر من المجلس غير ذلك، تجاوزته أمريكا وضربت به عرض الحائط.

كذلك، فأمريكا تصدر التصريحات تلو التصريحات، المترددة أحيانا والناعقة أحيانا أخرى، كوجود القاعدة في سوريا أو صعوبة التسليح أو غيره، وتقوم أيضا بدعم إرسال المندوبين الدوليين واللجان الإنسانية، وكل ذلك من أجل منح النظام المُهل تلو المهل ليوغل في قتل شعبه إلى أن يتوفر البديل الأمريكي لرأس النظام.

وعلى المستوى الإقليمي، فأمريكا تُلزم الحراك في المنطقة أن يتقوقع ضمن الأطر المقبولة أمريكيّاً كالجامعة العربية، لتضمن إجهاض أي مشروع أوروبي أيضا قد يزعزع أركان المافيا الأسدية، ويطرح بديلا يخضع لتأثير الدول الاستعمارية الأخرى، كبريطانيا وفرنسا عبر عملائهم الإقليميين، لذلك فهي ترغم الجميع أن يتحرك إما ضمن الجامعة العربية أو ضمن مجلس الأمن، وفي حال شذّ البعض لتشكيل مجموعة أصدقاء أو اتصال أو غيره، فإنها تجعل لنفسها مقعدا في مقدمة كل عمل من هذا النوع من أجل محاصرته وإجهاضه وحصره ضمن الإطار المقبول أمريكيّاً.

أما على مستوى عملائها الإقليميين، فأمريكا تسمح لإيران بدعم المافيا الأسدية ماليا وعسكريا، وتدعم النفوذ التركي لاحتواء المعارضة، وكذلك يقوم المجلس العسكري في مصر ذو التبعية الأمريكية بالدعم اللوجستي من خلال فتح الممرات المائية كقناة السويس للسفن العسكرية الإيرانية للعبور والوصول إلى سوريا. أي أنها تسخر عملاءها لإطالة عمر نظام المافيا الأسدية.

وأما محليا، فإن أمريكا تقوم بمحاولات لخلق معارضة تقبل بقوانين اللعبة الغربية، تطالب بالدولة المدنية على الطراز الغربي العلماني، لتحرف أهل الشام عن شعاراتهم الإسلامية البطولية، كالمجلس الوطني وما شابهه، وتوفر لهم الدعم السياسي للاعتراف بهم ممثلين شرعيين للثورة والشعب، لتضمن بقاء الأوراق في أيديها في حال أن توفر الظرف المناسب والأجواء المناسبة ونضوج المعارضة، وهي تدعم هذه المعارضات إما من خلال تركيا أو من خلال إيران، أو حتى من نظام المافيا الأسدي نفسه، ويبرز على هذه المعارضة القبول بإعطاء الفرص لنظام الأسد للخروج بسلام من مأزقه، لقاء وصولهم لكراسي الحكم، ليبدأوا بسلسلة جديدة من حكم المافيا، ولكن تحت اسم العلمانية والمدنية والديمقراطية الكاذبة.

والحقيقة أن ما ذكرناه هنا لا يتعدى كونه غيضاً من فيض في مدى الدعم الذي توفره أمريكا لهذا النظام المجرم الخائن، وقد باتت هذه الحقائق منتشرةً ومعروفة لدى الكثيرين من أبناء الأمة الإسلامية، وقد تكشّف قناع المقاومة والممانعة وكل من يختبئ وراءه.

لكل ذلك، فإن أمريكا تكون قد استحقت وبجدارة لقب الأب الروحي لنظام المافيا الأسدية، والذي بسقوطه المدوّي قريبا وعلى أيدي المخلصين من أبناء الأمة الإسلامية سيكون بداية سقوط الهيمنة الأمريكية في المنطقة وبداية كنسها واقتلاع نفوذها وطردها إلى ما وراء المحيطات إلى غير رجعة.

وبالطبع فإنه يجب التنويه في هذا المقام أن المشاريع الأوروبية المتعلقة بالثورة السورية، سواء التدويل أو التدخل العسكري الغربي أو التسليح ذو الأثمان السياسية، ليس بأقل خبثاً وخطرا على مستقبل الثورة المباركة، وإن الحل لا يكون صحيحا إلا إن التزم الطريقة المحمدية في تغيير نظام الحكم والتحام المخلصين من أبناء الجيش السوري مع إخوانهم من المخلصين من حملة لواء الخلافة، ليتم تتويج الثورة بخلافة على منهاج النبوة.

كتبه : أبو باسل

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار