وقفات في حياة السلطان أورنك زيب... بقية الخلفاء الراشدين
March 30, 2019

وقفات في حياة السلطان أورنك زيب... بقية الخلفاء الراشدين

وقفات في حياة السلطان أورنك زيب... بقية الخلفاء الراشدين

قليل من المسلمين في وقتنا الحالي يعرفون عن عمالقة الإسلام، ومن عملوا على رفعته وعلو شأنه، في زمن غُيِّب فيه تاريخهم وطُمست فيه أعمالهم العظيمة، واستُبدل مكانه في مناهج التعليم ووسائل التعليم تاريخ قادة الغرب المجرمين ومفكريه الضالين، فغاب عن أذهان الأجيال الجديدة المسلمة القادةُ من أجدادهم الفاتحين ممن رفعوا راية التوحيد خفاقة فوق ربوع العالم، وحكموا بعدل وإنصاف لم يعرف تاريخ البشرية له مثيلاً، حتى أصبحوا كالأساطير التي لا يمكن أن يصدقها من عاش في زمان الانحطاط الذي تعيش فيه البشرية اليوم ومنذ زوال الإسلام سياسياً واجتماعياً واقتصادياً بزوال دولة الخلافة، وهيمنة الأنظمة العلمانية التي شقَت في ظلها البشرية إنسانيا، وضاق فيها العيش اقتصادياً، وسُحقت الشعوب سياسيا، وتخلفت علميا وتقنيا في زمن حقوق الملكية الفكرية!

إنّ من هؤلاء العمالقة والأساطير في التاريخ الإسلامي السلطان المغولي (أورنك زيب). وُلد السلطان أورنك زيب في بلدة دوحد في كجرات بالهند، في 15 من ذي القعدة 1028هـ، الموافق لـ24 من تشرين الأول/أكتوبر 1619م، وهو سلطان عظيم لا يكاد يعرفه أحد، وأسد جسور، وليث هصور، وإمام همام، وأحد عمالقة الإسلام، أذلَّ الله به الكفر وزلزل الطغيان، وقوَّض عروش أهل الإلحاد في ربوع مملكته والأوطان، وحارب الفساد وأهله في كل مكان، وأتى على بنيان الظلم والظلمة من القواعد حتى خرَّ عليهم السقف من فوقهم، وأرغم الجبابرة على الانقياد لله عز وجل والرسول e، وجعل المهانة والصغار على كل مَنْ أبى قبول الحق بعد أن أُقيمت عليه من الله الحجة والبرهان، وسلك بالمسلمين في أيامه سبيل الاستقامة وطريق المحجة البيضاء، والناصح الأمين للخاص والعام، والمجدِّد لهذا الدين أمره في سابق الأزمان وغابر الأيام، حتى لُقِّب ببقية الخلفاء الراشدين.

إن العظماء من قادة المسلمين ينشأون نشأة متميزة تظهر فيها علامات القيادة الحقيقية، منذ نعومة أظفارهم، وقد ظهرت من (أورنك زيْب) مذ صغره علامات الجد والإقبال على الدين والبعد عن اللهو والعبث، وكان فارسا شجاعا لا يُشق له غبار، ونشأ وترعرع على مذهب الإمام أبي حنيفة، أي تربى تربية إسلامية خالصة لا تشوبها شائبة، وقد تولى الشيخ محمد معصوم السرهندي ابن الشيخ أحمد السرهندي تربيتَه، وبذل له رعايته كلها، فتعلم (أورنك زيب) القرآن وجوّده، وتعلم الفقه الحنفي وبرع فيه، والخط فأتقنه، وتعلم الفروسية والقتال، ونشأ رحمه الله محباً للشعر فكان شاعرا، وتعلم اللغة العربية والفارسية والتركية... على خلاف حكام المسلمين اليوم، الذين يربَّوْن في قصور لا يُتلى فيها كتاب الله، ولا يُعلَّمون إلا الثقافة الغربية واللغات الأجنبية، وتُسند للمربيات والمدرسين الأجانب تربيتهم وتدريسهم، فينشأون كأنهم أبناء للغرب، وفي أحيان كثيرة لا يتقنون حتى لغة قومهم، وبعد أن يصيروا في سن الشباب يُرسلون إلى جامعات الغرب ومعاهدهم، حتى باتت جامعة "سانت هيرست" الدينية العسكرية البريطانية قبلة أبناء حكام المسلمين، حيث يتم إرسالهم إليها ولغيرها من الجامعات المماثلة حتى تكتمل فيهم مكونات الشخصية الغربية، فيعودوا بعد تخرجهم منها ليحكموا المسلمين بالكفر والحديد والنار، كضباط غربيين مبعوثين من الدول الاستعمارية للحفاظ على الأنظمة التي فرضها الكافر المستعمر على بلاد المسلمين ولخدمة مصالح الغرب ونهب ثروات بلاد المسلمين.

إنّ من كانت نشأته على الإسلام وفي مقدوره إصلاح المعوج من أمر السلطان أو تغيير الواقع الفاسد، لا يقبل الحلول "الوسط" أو الحلول الترقيعية، ولا يقبل أن يجامل في الحق أو يداهن الباطل، فالمسلم ينظر إلى الأمور من منظار الحق والباطل ولا يرى بينهما ثالثاً مقبولاً، لذلك لما لاحظ (أورنك زيب) تكاسلَ والده في الحكم بالإسلام وكان يرى في نفسه القدرة على إصلاح المعوج في سلطنة والده، قام بتنحية والده وإخوته عن الحكم، وأعلن نفسه سلطاناً على البلاد، وكان يبلغ من العمر وقتها 40 سنة، ولم يركن أورنك زيب إلى الدعة والراحة، بل ظل في جهاد دام 52 سنة حتى خضعت شبه القارة الهندية للإسلام، من مرتفعات الهيمالايا إلى المحيط، ومن بنغلادش اليوم إلى حدود إيران، فشهدت سلطنة المغول الإسلامية في الهند في عهده أقصى امتداد لها؛ وذلك يرجع إلى الجهود العسكرية التي بذلها السلطان؛ حيث لم يبقِ إقليماً من أقاليم الهند إلا وأخضعه تحت سيطرته، فاستطاع أورنك زيب تحويل شبه القارة الهندية إلى ولاية مغولية إسلامية مربوط شرقها بغربها وشمالها بجنوبها تحت قيادة واحدة، تدين بالولاء لدولة الخلافة العثمانية في إسلامبول، وقد خاض المسلمون في عهده أكثر من 30 معركة، قاد بنفسه 11 معركة منها وأسند الباقي إلى قوَّاده.

يظهر الحكم الرشيد لأي سلطان من الممارسات العملية وليس الشعارات الجوفاء، فمن ادّعى إنشاء دولة مثل دولة المدينة المنورة فإن عليه تطبيق الشرع الذي طُبق في المدينة، وليس الاكتفاء برفع الشعارات، أما السلطان أورانك زيب فإنه حين استلم الحكم قد ألغى 80 نوعاً من الضرائب، وفرض الجزية على غير المسلمين بعدما ألغاها أجداده، وأقام المساجد والحمامات والخانقات والمدارس والمستشفيات... وأصلح الطرق وبنى الحدائق، وأصبحت دهلي في عهده حاضرة الدنيا، وعيّن القضاة وجعل له في كل ولاية نائباً عنه، وأعلن في الناس أنه "مَنْ كان له حق على السلطان فليرفعه إلى النائب الذي يرفعه إليه"، ومنع الاحتفال بالأعياد الوثنية (مثل عيد النيروز)، ومنع الخطب الطويلة التي تقال لتحية السلطان واكتفى بتحية الإسلام، كما منع دخول الخمر إلى بلاده، وعيّن للقضاة كتاباً يفتون به على المذهب الحنفي، فأمر بتأليف الكتاب تحت نظره وإشرافه، واشتهر الكتاب باسم "الفتاوى الهندية"، ولم يتعذر بالانشغال في شئون الحكم عن كتاب الله حيث أتمَّ السلطان حفظ القرآن الكريم وهو على كرسي الحكم.

ومن مظاهر حكم أورانك زيب الرشيد إنفاذه أموراً لم تكن سائدة في عصره، من مثل أنّه لم يكن يعطي عالما أعطية أو راتبا إلا وطالبه بعمل، بتأليف أو تدريس، لئلا يأخذ المال ويتكاسل، فيكون قد جمع السيئتين، فأخذ المال بلا حق وكتم العلم، وكان رحمه الله يخضع للمشايخ ويقربهم ويستمع إلى مشورتهم ويعظم قدرهم، وقد أمر قوّاده بالاستماع إلى مشوراتهم بتواضع شديد، لما يحملونه من فقه شرعي، يحتاج إليه الحكام في حكمهم بما أنزل الله، وعندما سمع أن نائبه بالبنغال اتخذ مثل العرش يجلس عليه نَهَرَه وعنّفه وأمره بالجلوس بين الناس كجلوسهم، وهذا خلاف ما هم عليه الحكام الظالمون اليوم، الذين يغدقون المال على العلماء لشراء ذممهم، حتى وجد ما يعرف بعلماء السلاطين وعلماء الدينار، ومنهم من يتقاضى على فتاويه التي يبرر فيها للسلطان أعماله الشنيعة ملايين الدنانير والريالات والروبيات، مثل كثير من علماء الحجاز وكثير من المفتين في مختلف بلاد المسلمين، وهم من قبيح القوم وليسوا من الأتقياء الأنقياء الذين يحاسبون الحاكم إن أخطأ ويقوّمون اعوجاجه، ولا يخافون في الله لومة لائم!

إن الخليفة الراشد لا يختفي أثر حكمه الرشيد بوفاته، بل تظل أعماله الصالحة قائمة وصدقاته جارية في حياة الناس إلى أن يشاء الله، أما (أورانك زيب) فقد بنى مسجد "بادشاهي" في لاهور، المسجد الذي ظلَّ إلى الآن شاهداً على عصر عزِّ المسلمين وتمكينهم. توفي السلطان عن عمر يناهز الـ90 عاماً، في 28 من ذي القعدة 1118هـ، الموافق لـ20 من شباط/فبراير 1707م، بعد أن حكم 52 سنة، وكان قد بلغ من تقواه أنه حين حضرته الوفاة أوصى بأن يُدفن في أقرب مقابر المسلمين وألا يعدو ثمن كفنه خمس روبيات!

هكذا فإن حكم المسلمين الراشدين مهما طال لا يُقال إنه يجب أن يُحد وينتهي بزمن معين، كما هو الأمر الآن بالنسبة لحكام زماننا، فالحكام في الإسلام يحكمون بكتاب الله وسنة نبيه e، ومهما طالت فترة حكمهم يظل حكمهم رشيدا، أما من يحكم بما تمليه عليه نزواته ورغباته ولصالح فئة الحكام ومن شايعهم، فإنه لا يقوى إلا على جر البلاد نحو الفساد والظلم.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو