وصفة البنك الدولي لواحات تونس.. إدارة الأزمة أم إدارة التبعية؟!
September 11, 2025

وصفة البنك الدولي لواحات تونس.. إدارة الأزمة أم إدارة التبعية؟!

وصفة البنك الدولي لواحات تونس.. إدارة الأزمة أم إدارة التبعية؟!

حذر البنك الدولي في تقرير حديث أعده بالشراكة مع مؤسسات بحثية تونسية من مخاطر جسيمة تهدد واحات تونس نتيجة الاستغلال المفرط للمياه الجوفية والتغيرات المناخية وضعف الحوكمة. وسلط التقرير الضوء على الأهمية البيئية والاقتصادية لهذه الواحات باعتبارها "جواهر طبيعية" و"خزانات للتنوع البيولوجي". وكشف عن ارتفاع المساحات المزروعة في الواحات من 17,500 هكتار عام 1992 إلى أكثر من 51,000 هكتار اليوم، بفضل التوسع في استخراج المياه العميقة، خاصة في الجنوب. وقدّم التقرير سيناريوهين: استمرار التدهور أو الإصلاح المستدام الذي قد يحقق مكاسب اقتصادية تصل إلى 7 مليارات دينار وإخلاف أكثر من 33 ألف فرصة عمل، مع خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بـ 22.5 مليون طن بحلول 2050.

كما شدد التقرير على أن مستقبل الواحات لا يتوقف فقط على التمويل والتقنيات الحديثة، بل على إصلاح منظومة الحوكمة، مشيراً إلى معاناة الواحات من تداخل الصلاحيات بين الوزارات والمجالس المحلية وجمعيات المستخدمين، في غياب التنسيق الفعال.

ودعا التقرير إلى إعداد خطط تنمية متكاملة لإدارة الواحات، وتحديث القوانين لتلائم خصوصياتها، مع إمكانية إدراجها ضمن قائمة محميات "اليونسكو" الحيوية.

ولإضفاء مصداقية علمية أعدّ البنك الدولي هذا التقرير بالتعاون مع مؤسسات بحثية تونسية مرموقة مثل المعهد الوطني للعلوم الفلاحية بتونس، والمعهد الوطني للبحوث في الهندسة الريفية والمياه والغابات، حيث غطى التقرير الجوانب البيئية والاقتصادية والاجتماعية، ما يجعله تحليلاً متكاملاً. ويشكل ناقوس خطر حول مخاطر حقيقية تهدد الواحات، خاصة مع توقع ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 1.9 درجة مئوية وانخفاض الأمطار بنسبة 9% بحلول 2050.

لكن في المقابل تجاهل هذا التقرير الثروات المائية الهائلة جنوب تونس، خاصة المخزون العالمي للمياه الجوفية الألبية المشتركة مع الجزائر وليبيا، والتي تقدر بحوالي 40,000-50,000 مليار متر مكعب. كما ركز على الإصلاحات المحلية دون طرح رؤية إقليمية شاملة للتعامل مع المشكلة، والتي تتطلب تعاوناً مع كلّ من الجزائر وليبيا. كما لم يطرح بدائل مثل تحلية مياه البحر أو مشاريع الطاقة المتجددة كحلول استراتيجية.

البنك الدولي وتاريخ من الإملاءات الفاشلة:

مع أهمية الدراسة إلا أن هناك تساؤلاً عن اهتمام البنك الدولي كمؤسسة مالية ربوية تُعدّ من أشدّ أذرع النظام المالي العالمي والذي تهيمن عليه الولايات المتحدة ودول غربية كبرى، ومن أهم الأدوات لتحقيق النفوذ السياسي والاقتصادي من خلال الهيمنة على قرارات التمويل والاقتصاد.

منذ ستينات القرن الماضي، لعبت خيارات التنمية المدعومة من البنك الدولي دوراً كبيراً في تشكيل الأزمات التونسية المتعاقبة. منها دعمه تجربة التعاضد التي كانت مشروعاً تأسيسياً لرأسمالية الدولة حيث أُجبر الفلاحون على التخلي عن أراضيهم، ما أدى إلى تراجع الإنتاجية ونقمة شعبية واسعة. بعد ذلك، ومع سياسة الانفتاح في السبعينات، اختارت تونس الاعتماد على السياحة والصناعات المصدّرة ذات القيمة المضافة الضعيفة، وهو توجه شجعه البنك وصندوق النقد الدوليان. هذه الخيارات أدت إلى تركّز الاستثمارات على المناطق الساحلية وتهميش الجهات الداخلية، وتهميش قطاعات استراتيجية كالفلاحة والصناعة، فبقي الاقتصاد هشاً وتابعاً للخارج. ثمّ جيء ببرامج التعديل الهيكلي في الثمانينات: فُرض تحرير السوق وتقليص دور الدولة وخوصصة المؤسسات العمومية، ما فاقم البطالة والفوارق المجتمعية والجهوية. وكانت هذه الاختلالات من الأسباب العميقة لثورة 2011.

إغفال المخاطر الحقيقية في التقرير:

- الطاقة الهيدروجينية: لم يتناول التقرير خطورة اعتماد الطاقة الهيدروجينية لتسويقها لأوروبا على المياه الجوفية في الجنوب، والتي تتطلب كميات هائلة من المياه.

- التبعية المالية: يظل البنك الدولي جزءاً من النظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة ودول غربية كبرى، ما يجعله أداة لتحقيق النفوذ السياسي والاقتصادي على دول العالم الثالث.

دعا التقرير إلى إدراج الواحات تحت قائمة اليونسكو

ما يعني فقدان السيادة غير المباشر، وذلك من خلال الالتزام بمعايير وقوانين تفرض قيوداً على استخدام الأرض والتنمية، ووضع الموقع تحت إشراف ومراقبة دولية، بما يؤثر على السياسات المحلية والتخطيط العمراني ويزيد من نسبة الاعتماد على التمويلات والخبرات الدولية.

والجدير بالذكر أن عديد الدول رفضت وماطلت في إدراج مواقعها التراثية لدواعٍ سيادية، فكيان يهود الغاصب رفض إدراج مواقع التراث في الأراضي الفلسطينية مثل أريحا والخليل، تعبيراً على أن تدبير اليونسكو يساهم في دعم المطالب الفلسطينية، وأن هذه الإجراءات تمس سيادته وتقلل من نفوذه، ما يطرح تساؤلات حول دوافع الترويج لمثل هذه الخطوة في تونس.

الأسباب الحقيقية لأزمة المياه والواحات والحلول البديلة

الأسباب الحقيقية تكمن في اختيار الأنظمة القائمة في بلادنا لسياسات تبعية للقوى الدولية بدلاً من البحث عن تكامل إقليمي يحقق الاكتفاء الذاتي ويحمي البلاد والعباد، والحال أن منطقة جنوب تونس تحتوي على أكبر مخزون عالمي للمياه الجوفية الألبية المشتركة مع الجزائر وليبيا، لكن سوء الإدارة وغياب التخطيط الاستراتيجي أفقد تونس ودول المنطقة فرصة الاستفادة من هذه الثروة. رغم أنّه في ذمتنا حكم شرعي يدعو إلى الوحدة السياسية والاشتراك في الثروات، ما كان ليمكن أن يحقق تكاملاً إقليمياً في جميع شمال أفريقيا. قال النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ».

الحل الجذري يكمن في رفض الإملاءات الخارجية التي تهدف إلى إضعاف سيادتنا والتي تحول دون توحيد الاستراتيجيات مع الجزائر وليبيا لإدارة الموارد المائية المشتركة بشكل دائم وعلى أحسن وجه، وفسح مجال للتكامل والتنقل الحرّ ما يؤدي إلى تنوع مصادر الثروة وتنوع الاقتصاد عبر الصناعة والتجارة دون استنزاف المياه، مع تطوير تقنيات تحلية مياه البحر والري بالطاقة الشمسية وتطوير التقنيات لاستغلال الثروة المائية الهائلة التي تكفي جميع شمال أفريقيا لمئات السنين.

الخاتمة

في الختام، بينما يحمل تقرير البنك الدولي تحذيرات مهمة حول مخاطر تهدد واحات تونس، إلا أنه يظل محكوماً بأجندات اقتصادية وسياسية تخدم مصالح القوى الكبرى وتكرّس للتقسيم الاستعماري الذي كان ولا يزال السبب الرئيسي لضعفنا وعجزنا عن الانتفاع بخيراتنا التي جعلها الله مشتركة بيننا.

 التاريخ يشهد أن إملاءات البنك الدولي لم تجلب لتونس إلا المزيد من البؤس والتبعية، من تجربة التعاضد في الستينات إلى المنوال الاقتصادي القائم على السياحة والخدمات إلى برامج التعديل الهيكلي في الثمانينات وآثاره الكارثية.

إن الحلّ الحقيقي يكمن في التحرر من هذه المقاربات الفاشلة واعتماد رؤية استراتيجية تقوم على التكامل الإقليمي بين دول المنطقة والاستفادة من الثروات الطبيعية ضمن أحكام الإسلام العظيم التي تدعو إلى إحياء الأرض والمحافظة على الثروات ومن أهمها المياه، وتدعو كذلك لوحدة المسلمين وانصهارهم كالبنيان الذي يشدّ بعضه بعضا، حتى نتمكن من إنقاذ واحاتنا وسائر ثرواتنا وتحويلها من مراكز للتبعية إلى نماذج للتنمية والسيادة والنجاح.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ياسين بن يحيى

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو