يا معشر الشباب يا ملح التغيير، هاكم الميدان فانطلقوا
September 30, 2020

يا معشر الشباب يا ملح التغيير، هاكم الميدان فانطلقوا

يا معشر الشباب يا ملح التغيير، هاكم الميدان فانطلقوا

إن الأمة اليوم تتطلّع برمّتها لأي حراك في أي بلد من بلاد المسلمين، فهي اليوم في حالة حيوية وحركة، وهي وإن كانت عانت القهر والتضييق والملاحقة والتنكيل بأي حراك منها على يد الأنظمة الإجرامية التي تحكمها، التي استطاعت بمعونة الغرب الالتفاف على حركة الأمة وثوراتها واحتواءها، إلا أنها ما زالت تتوق إلى تغيير واقعها البائس وتنتظر الشرارة الأولى للحراك الحقيقي الذي سيأتي يوما ما ليخلصها مما هي فيه من ذل وبؤس ومهانة، فواقع الأمة أنها أمة فيها بعض الأفكار والمفاهيم الإسلامية، والمشاعر فيها مشاعر إسلامية، والروح الجماعية مركزة فيها، وضرورة التغيير يحركها هذا الواقع الفاسد الذي تعاني منه. فأمة هذا حالها، يدل على أن لديها طاقة كافية للتغيير، فلو تركت وشأنها لتحولت هذه الأحاسيس والمشاعر إلى فكر صحيح، ولكان هذا الفكر قد أنتج عملاً ينهض بالأمة ويغيِّر حالها.

قبل عقود من الآن كان مجرد التفكير في التغيير في نظر معظم الناس الذين عانوا الويلات، الخاصة منهم والعامة، هو حلماً غير قابل للتحقيق على أرض الواقع، وكانت البرامج السياسية البديلة التي تحملها الحركات والأحزاب العاملة للتغيير، مهما اتسمت بالصدق والقوة والجاذبية، فإنها لم تكن تعدو أن تكون أوهاماً لا حظ لها في الوصول إلى سدة الحكم، على الأقل في نظر عوام الناس الذين لفهم اليأس وأقعدهم الإحباط. هذا هو واقع أجيال نشأت وعانت من القهر والإذلال والاستعباد من فرعون وجنوده حتى فقدت كل أمل في التغيير. بل إنه واقع قوى سياسية بذلت ما بذلت من الجهود أملاً في إحداث تغيير ما فاصطدمت بعوائق قلّما شهد التاريخ لها مثيلاً، إذ كانت هذه العوائق شبكة من مصالح عصابات محلية حاكمة، وائتلاف للعصابات الإقليمية التي تتشكل منها الأنظمة الحاكمة في المنطقة والتي لم تنجح في شيء من التعاون إلا تعاون وزراء الداخلية، أي التعاون في مشاريع القمع والإرهاب وكبت الناس وتكميم أفواههم؛ ناهيك عن الدعم الغربي للأنظمة الديكتاتورية العميلة التي تحفظ مصالحه. لذلك لم يكن مستغرباً أن الطلائع الأولى في هذه الثورات كانت من جيل الشباب اليافع الذي تفتحت أعينه للتو على الحياة، والذي لم تتمكن العقد الموروثة جيلاً عن جيل من التسرّب إلى نفوسه بعد، فكان أسبق من آبائه في النزول إلى ميدان الثورة وإطلاق صيحة الغضب والرفض، وكان في حركته التي تسللت إلى الشارع عبر الشبكة الإلكترونية أسرع من الأجهزة القمعية والبلطجية التابعة للعصابة الحاكمة والتي اعتادت منذ عقود على قمع الناس وتكميم أفواههم وإحصاء أنفاسهم. حدث ذلك في الخامس والعشرين من يناير، وها هم يعيدون الكرة مرة ثانية برغم الخوف الذي بات يسربل الجميع بسبب بطش النظام وطغيانه. لقد استطاعوا أن يكسروا حاجز الخوف للمرة الثانية، ليثبتوا للنظام أنه لا يمكن أن يستقر له قرار، وأن أيامه باتت معدودة، وإن غدا لناظره قريب.

وإذا تأملنا الدعوة الإسلامية في بدايتها بمكة المكرمة وحتى صارت في النهاية بالمدينة المنورة دولة ومجتمعا قائما بذاته، نجد أن معظم الذين شاركوا في البناء كانوا من الشباب. إذ كانت أعمارهم تتراوح بين عشر سنين التي كانت من عُمُر علي رضي الله عنه وثلاثين سنة التي كانت من عُمُر بلال بن رباح وعمار بن ياسر رضي الله عنهما. هؤلاء الشباب على أكتافهم جميعا قامت الدعوة وانتصرت وانتشرت وتوسّعت وأصبح لها كيان منظم، له وزنه في الواقع يُحسب له ألف حساب.

وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الأجيال من الشباب بالذرية. فقال سبحانه وتعالى في حقّ من آمن مع سيدنا موسى عليه السلام: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: 83]، والذرية كما جاء في تفسير ابن كثير هم الشباب. وفي معاجم اللغة العربية: الذُّرية: نسل الإنسان وولده وأبناؤه.

ونظرا لما كان يمثله الشباب بشكل عام من قوة الإرادة في التغيير والبناء ومواجهة مظاهر الفساد والاستبداد عبر التاريخ، فإن المستبدين والمفسدين (فرعون نموذجا) ما فتئوا يحرصون كل الحرص على قتل الفتيان قبل أن يصلوا مرحلة الشباب. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. [القصص: 4].

إن معظم من وُجهت لهم التهم وتعاملت معهم أنظمة الإجرام في بلادنا بالاعتقال والتصفية والاضطهاد والقمع والقتل، هم من فئة الشباب. هذا العامل البشري المهم في معادلة التغيير، والذي كان من الممكن أن يكون عماد التغيير وروحه ووقوده نحو مجتمع ناهض وغد أفضل. أصبحت تلك الفئة هي المستهدف الأول من مخططات الفساد والإفساد، وذلك بالتدجين والترويض، وبالإغراء والإغواء، وبالتجهيل والتفقير، وبالتهجير والتغريب... فلا عجب اليوم إذاً أن نرى شبابا تائها حيران يختار بعضه الغربة والمنفى والبعض الآخر يقف عكس مطالب التغيير وضدّ من يقاوم الفساد والاستبداد، بعد أن تم تضليلهم ومسخهم. وبرغم ذلك ما زالت أعناق الشباب تشرئب نحو التغيير، وتسعى نحو واقع أفضل من الواقع المفروض عليها. والصراع اليوم بين الأنظمة وبين العاملين للتغيير هو على كسب الشباب في صفهم، فهم قوام التغيير ولبناته، ولعل أهم ما يميز الشباب كقوة تغيير مجتمعية:

1- الشباب هم الأكثر طموحاً في المجتمع، وهذا يعني أن عملية التغيير لديهم لا تقف عند حدود، والحزب السياسي الذي يسعى للتغيير يجب أن يضع في سلم أولوياته استقطاب طاقات الشباب وتوظيفها باتجاه أهدافه التغييرية.

2- الشباب هم الأكثر تقبلاً للتغيير. هذه الحقيقة تعتبر ميزة رئيسية في عالم السياسة الذي هو عالم متحرك ومتغير ويحمل دائماً الجديد، ولذا نرى حرص الأنظمة الفاشلة على التلاعب بعقول الشباب والعمل على إدخالهم في دائرة مغلقة من الركض وراء المنافع المادية الخاصة التي تعمي الأبصار عن النظر في واقع مجتمعهم وما يجب أن يكون عليه.

3- التمتع بالحماس والحيوية فكراً وحركة، وبما يشكل طاقة جبارة نحو التقدم، فالشباب المتقد حماسة وحيوية في تفاعله مع معطيات السياسة ومتغيراتها ومع معطيات المجتمع ومتطلباته، هو الضمانة للتقدم بثبات، فيما الحركات السياسية التي لا تحظى بهذه الطاقة الخلاقة، فإنها مهددة بالانهيار والموت أو على أقل تقدير التقوقع والمراوحة في المكان ذاته.

4- العطاء دون حدود حين يكون مقتنعاً وواعياً لما يقوم به.

5- الشباب قوة مجتمعة مهمة بصفته قطاعاً بشريا رئيسياً في المجتمع، وكسب الحزب السياسي الساعي للتغيير لهذا القطاع يعني كسب معركة التغيير.

6- الشباب عنوان للقوة والفتوة؛ وهاتان الميزتان هما من المتطلبات الرئيسية للعمل السياسي. فالحزب الذي لا يضم في صفوفه الشباب، ولا يجدد عضويته بعناصر شابة ودماء جديدة، سيتحول مع الوقت إلى حزب مترهل وضعيف كمعلم من معالم الشيخوخة، فيما الحزب المتجدد بدماء الشباب في كل هيئاته ومستوياته القيادية، سيحافظ على شبابه المتجدد.

ولأننا في حاجة ماسة إلى التغيير الجذري الحقيقي وليس الشكلي الذي يكتفي بتغيير الوجوه دون تغيير النظام، يجب علينا الاعتناء بالشباب فهم ملح التغيير. وكما أنه قد قامت على أكتاف الشباب أعظم دولة عرفتها البشرية، فأمثالهم من شباب اليوم لا بد من أن يتقدموا صفوف حملة الدعوة العاملين للتغيير لتقوم على أكتافهم دولة الإسلام مرة ثانية التي وعدنا الله بها، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]، وبشر بها رسول الله ﷺ حين قال: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ سَكَتَ».

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حامد عبد العزيز

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو