يريدون تفصيل دين جديد لا علاقة له بالإسلام
October 30, 2020

يريدون تفصيل دين جديد لا علاقة له بالإسلام

يريدون تفصيل دين جديد لا علاقة له بالإسلام

﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾

تسلم عضو مجلس السيادة الانتقالي صديق تاور توصيات "مؤتمر الإسلام والتجديد بين الأصل والعصر" الذي اختتم أعماله عصر اليوم بقاعة الصداقة بالخرطوم، ودعا المؤتمر إلى ضرورة حياد الخطاب الديني واستقلاله عن المؤثرات التي تؤدي إلى انحرافه عن الحق، بجانب تطوير الخطاب الديني وتجديد قضاياه مع ربطه بمقاصد الشريعة، ومطالب الشعوب، والاعتماد على الحقائق العلمية الحديثة في كل العلوم، في إعادة تفسير النص القرآني، وأمّن المؤتمر على وضع معايير للقوانين الوضعية، بحيث لا تخالف مقاصد الشريعة الإسلامية وحرية الاختيار بين أقوال العلماء، بناء على ما يستجد من قضايا ونوازل، علاوة على إحياء القيم التي تؤسس للعلاقة مع الآخر.

وأمّن المؤتمر على أن يقوم مجمع الفقه الإسلامي بعرض وشرح المبادئ والقواعد المقاصدية، مع الاستفادة من منهاج التجديد في الفكر الإنساني، واعتماد مقاصد الشريعة الإسلامية ضمن المقررات الدراسية في الجامعات، واستنباط الأحكام الشرعية للقضايا المعاصرة على ضوء جلب المصالح ودفع المضار، وسد باب الذرائع، وعدم الضعف أمام موجات الضغط الفكرية التي يتعرض لها المسلمون.

وأكد المؤتمر أهمية الاعتراف بالرأي والرأي الآخر، وإمكانية تعدد الصواب في القضايا الخلافية، وعدم إنكار الخلاف في القضايا الخلافية، كما طالب بضرورة التجديد الذي يقوم على الاجتهاد والرؤية والدراية والفهم العميق للنص، والواقع الذي ينبغي أن يستمر في حياة الأمم والشعوب مع الانضباط بضوابط الشرع والعقل.

وأقر المؤتمر ضرورة إقامة المزيد من الندوات والمؤتمرات والبحوث، لترسيخ معاني التجديد بمفاهيمه المستنبطة، وأن يكون التشريع للناس هو التشريع المحكوم بالكتاب والسنة وأدلة الفقه المعتبرة، بجانب معرفة مواطن الاجتهاد والنظر والبحث الفقهي في دائرة المتغيرات، كما طالب العلماء الاضطلاع بدورهم في حماية الثوابت والأصول القطعية. يذكر أن مؤتمر الإسلام والتجديد بين الأصل والعصر المنعقد تحت شعار "رسالة متجددة لعالم متنوع" قد ناقش المؤتمر عبر ست جلسات عمل (27) ورقة علمية. (سونا 2020/10/25م).

ما هو المراد من دعوة المؤتمر إلى حياد الخطاب الديني واستقلاله عن المؤثرات؟ وما معنى حياد، وهل ينطبق ذلك على واقع الإسلام بوصفه ديناً جاء للتفريق بين الحق والباطل؟ فهل يعقل أن يكون الحياد موقفا لعلماء الأمة، وحلا صائبا في ظل الظروف التي يعيشها المسلمون اليوم؟ ألا يُعَدّ النأي بالنفس والبقاء على الحياد خيانة للأمانة وهروباً من المسؤولية التي كلفهم بها الله سبحانه بوصفهم ورثة الأنبياء؟!

إن الحياد مصطلح يستخدم في مجال العلم للدلالة على "ترك البحث في قضية من القضايا، والوقوف موقف العدل والإنصاف"، ويعدون التلبس به مما يمدح به الباحث، ويدل على عدم حيفه واستجابته لعواطفه التي قد تخالف ما يظهر له من حقائق علمية، فمصطلح (الحياد) تسرب إلى المجال السياسي من المجال العلمي؛ حيث عرف هذا المصطلح حديثاً في عالم السياسة (بعد الحربين العالميتين) بمعنى عدم التحيز إلى أحد من الطرفين المتصارعين وتم استخدامه في الحرب الباردة، ووُصفت دول عديدة بعدم الانحياز، وقد تجسد بشكل عملي لأول مرة في مؤتمر باندونج، وبذلك أصبح الباحث في أي مجال يعرض المسائل عرضاً دون هوية، أو ميل للانتصار للحق أو مدافعة للباطل، ليثبت للآخرين بأنه (محايد)! أو لا يُحكم عواطفه بل عقله... وتتضح خطورة وخطأ هذا المصطلح وعدم انطباقه على الخطاب الإسلامي عندما يتلبس به علماء المسلمين في حديثهم عن الحق والباطل، وعن أمور الديانات والعقائد الفاسدة، أو لاتخاذ مواقف تجاه القضايا الراهنة حيث إن أي تأثر بهذا المصطلح يفرغ الإسلام من محتواه، فكيف بمن عرف الحق أن لا يتلبس به ولا ينصره ولا يدافع عنه؟! خاصة إذا علم به؟!

فلا حياد أبدا في الإسلام، وقد أمر الله تعالى المؤمنين في كتابه، بأن يتصفوا بالعدل ويكونوا مع الحق عندما يحكمون بين الناس، فيعلم الظالم من المظلوم، أو بين الأفكار فيعلم صحيحها من سقيمها، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. فالمسلم مطالب بالعدل في ما يصدره من أحكام، وهو أن يضع الشيء في موضعه الذي وضعه الله فيه شرعاً، فيمدح ما مدحه الله ويذم ما ذمه، ويدور مع ما دل عليه الكتاب والسنة، ولو خالف بذلك عواطفه أو أهواءه، فضلاً عن عواطف وأهواء الآخرين، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.

وتأتي دعوة المؤتمرين إلى تطوير الخطاب الديني، وتجديد قضاياه، مع ربطه بمقاصد الشريعة ومطالب الشعوب والاعتماد على الحقائق العلمية الحديثة في كل العلوم، في إعادة تفسير النص القرآني كدعوة خبيثة جعلت مقصد الشريعة (الذي إن تحقق فالحمد لله وإن لم يتحقق فلا بأس ما دام دين الله ظاهرا متحكما في علاقات الناس) جعلته أهم من الشريعة، وجعلت ذلك هو الأساس!! فأين الدين في الواقع حتى تتحقق مقاصده؟ وهل مقصد الشرع الذي يجب تتبعه أم هو الشرع نفسه؟

أما الاعتماد على الحقائق العلمية الحديثة في تفسير النص القرآني، فهو نفي لحقائق جوهرية في عقيدة المسلمين، لا يستطيع العلم الحديث إثباتها أو نفيها لأنها لا تقع تحت حس البشر، مثل أبحاث العقيدة؛ من وجود الله والملائكة واليوم الآخر وعذاب الله ونعيمه... فكيف يبحث العلم الحديث هذه الأبحاث وغيرها؟ لكنه منهج المتشككين، وهو منهج قديم تجدد في أوروبا مع وجود العلمانية، وهو منهج ملعون ابتدع لإبعاد الناس عن الدين، والتشكيك فيه حتى يبعد الدين عن الحياة، وتنفرد العلمانية، وتتحكم في مصائر الناس. أما الهدف الغبي أو المتغابي للمؤتمر فهو وضع معايير للقوانين الوضعية حتى لا تخالف مقاصد الشريعة، وهذه فرية لا يصدقها عاقل، فكيف تكون هناك قوانين وضعية تحقق مقاصد الشريعة؟! كيف يحكم بغير ما أنزل الله ويتحقق مقصد الشريعة؟!

أما دعوة المؤتمرين لمجمع الفقه الاستفادة من منهاج التجديد في الفكر الإنساني، فهي دعوة فضحت مآرب هذا المؤتمر والقائمين عليه، الذين يريدون تصميم دين جديد لا علاقة له بالإسلام، يأخذ في الاعتبار الفكر الإنساني الذي يحوي كل الأباطيل والضلالات، ومنها العلمانية المعاصرة التي تسيطر على عقولهم!! ولذر الرماد في العيون وضع هدف اعتماد مقاصد الشريعة ضمن المقررات الدراسية في الجامعات، ليظن الناس أنهم حريصون على الشريعة التي هي في حقيقة الأمر وراء ظهورهم، ويتحدثون عن مقاصدها!!

وفي تحريف عظيم لدين الله، وضع المؤتمر هدفاً من أهدافه، وهو استنباط الأحكام الشرعية للقضايا المعاصرة على ضوء جلب المصالح ودفع المضار، وسداً لباب الذرائع، في تزوير للأدلة الشرعية المعتمدة؛ وهي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإجماع الصحابة والاجتهاد بعلة شرعية، ولا غرابة بعد تلك المنزلقات لهؤلاء المؤتمرين أن يكون الشرع والعقل من الضوابط الأساسية، فليس الشرع وحده السيد المتحكم، كما هو فرض معروف حتى عند عوام الناس، بل العقل البشري الناقص والعاجز الذي لا يحيط بالوجود جعل ضابطاً للقضايا الخلافية! ما يعني خروجها عن الفهم الشرعي للاختلاف إلى سيادة حكم العقل، وهذه هي العلمانية في أبشع صورها لأنها تتلبس بالدين وفي الوقت نفسه تحاربه!

وبذلك يتضح بشكل جلي أن مؤتمر الإسلام والتجديد بين الأصل والعصر، ما هو إلا فصل من فصول الخيانة لله ولرسوله ﷺ، خدمة للأجندة (الأورو-أمريكية) في حرب الغرب الناعمة على الإسلام، تلك الحرب التي سمتها مراكز البحوث الأمريكية بحرب الأفكار، الحرب التي استطاعت أمريكا أن تجيَّش لها جيوشاً ممن يخدم مصالحها في بلاد المسلمين، مثل هؤلاء العلماء المأجورين، وهذا ليس بأمر جديد، وإنما خطط له الرئيس الأمريكي السابق أوباما حيث تحدث في 2015/02/18م، عن استخدام الولايات المتحدة لحكومات وجماعات وتنظيمات، لتنفيذ الحرب الفكرية الحضارية، ووعد بالدعم السخي لهذه الحكومات والجماعات والتنظيمات التي وصفها، بالمعتدلة.

وخطابنا اليوم لهؤلاء المؤتمرين ما هو إلا معذرة إلى ربنا، لعلهم يرجعون، ففيهم من له علم بشرع الله، فكيف بالله هان عليكم رضا ربكم، وآثرتم الحياة الدنيا وهي لا تساوي عند الله جناح بعوضة!! فثوبوا إلى رشدكم، واخلعوا عنكم ثوب العمالة والارتزاق، الذي تسربلتم به، فإن دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله، ستحاسبكم على خيانتكم لدين الله ولو تعلقتم بأستار الكعبة.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذة غادة عبد الجبار (أم أواب) – الخرطوم

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو