"يوم السعادة"... فاقد الشيء لا يعطيه!
April 05, 2020

"يوم السعادة"... فاقد الشيء لا يعطيه!

"يوم السعادة"... فاقد الشيء لا يعطيه!

في خضم الأزمة الصحية العالمية التي سببها فيروس كورونا المستجد، تصدرت فنلندا قائمة الدول الأكثر سعادة في العالم للمرة الثالثة على التوالي، بحسب التصنيف السنوي للأمم المتحدة بينما غاب اسم السودان عن القائمة الرسمية التي ضمت 153 دولة. ويصادف صدور هذا التقرير مع اليوم العالمي للسعادة الذي يحتفى به في العشرين من آذار/مارس من كل عام، وجاءت الدنمارك في المرتبة الثانية من تصنيف "وورلد هابييست ريبورت" الذي يستند إلى بيانات مجمعة من أشخاص في 156 بلداً عن مدى سعادتهم فضلاً عن معايير مرتبطة بمتوسط العمر المتوقع ومعدل الدخل والدعم الاجتماعي، وتلتها سويسرا في المرتبة الثالثة. ويستند التقرير الذي تضمن 153 دولة، إلى ستة متغيرات أساسية وهي نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في كل دولة، الدعم الاجتماعي، مؤشر الصحة، الحرية، الكرم، وغياب الفساد.

وجاء الترتيب كما يلي: (1- فنلندا، 2- الدنمارك، 3- سويسرا، 4- أيسلندا، 5- النرويج، 6- هولندا، 7- السويد، 8- نيوزيلندا، 9- النمسا، 10- لوكسمبورغ). واحتل جنوب السودان وأفغانستان، المركز قبل الأخير والأخير على التوالي "صحيفة الانتباهة 20 آذار/مارس". فماذا يعني يوم السعادة؟ وكيف يحتفل بالسعادة في يوم واحد ولا نعمل على تحقيقها في العمر كله؟ وماذا بعد العمر؟ ولماذا يحتاج العالم إلى تحديد الشقي من السعيد؟ وهل مقاييس التحديد تعكس الواقع الذي يعيشه الإنسان في هذا العالم اليوم؟ وما هي المفاهيم الصحيحة التي تجلب السعادة لبني الإنسان وتجعلهم يقدرون كل شيء في الحياة بمقداره الصحيح فتنبع معاني السعادة الحقيقية؟ أسئلة تحتاج إلى إجابة. فالدول التي احتلت مراكز متقدمة في إحصائيات السعادة هذه، وجدنا أن السعادة عندهم آنية وإن طال أمدها، فهم يبحثون عن السعادة في دار الكبد والتعب والعناء، وكذلك لو نظرنا إلى ما وضع من أهداف لتحقيق السعادة، لوجدنا أن تحقيقها يدع الإنسان يتساءل ماذا بعد؟ وهل هذا التحقيق للسعادة بهذا الفهم أوجد عندهم الراحة والطمأنينة المنشودة أم لا؟

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم (66/281) بإعلان يوم 20 آذار/مارس من كل عام يوماً دولياً للسعادة اعتباراً من عام 2013، واستناداً إلى قرارها رقم (65/309) بتاريخ 2011/7/12 والذي دعت فيه الدول الأعضاء للعمل على وضع تدابير إضافية تجسد على نحو أفضل أهمية السعي إلى تحقيق السعادة والرفاه في سياق التنمية. ولكن هل الاحتفال في يوم 20 آذار/مارس من كل عام يكفي لتخفيف وقع الحياة المادية الصرفة في الدول الرأسمالية التي جعلت الإنسان أيضا يتحول إلى آلة تتحرك وتحيا بلا إحساس، إضافة لغياب معظم مسببات السعادة النابعة من الأعماق وكثرة مسببات السعادة المفتعلة غير الحقيقية والتي ما قللت من نسب الانتحار والأمراض النفسية؟ وقس على يوم السعادة عيد الحب كذلك، ويوم الأمل، مما يبرهن على فشل الحضارة الغربية في جلب السعادة للإنسان، لذلك احتاجوا أن يخصصوا لها يوماً، مثل يوم العمل، ويوم الخضرة، ويوم البيئة...الخ، وكلها تدل على نقص كبير في كل جانب ابتدع له عيد للتغطية على قصور النظام الرأسمالي في رعاية شؤون الناس وتوفير الحياة الكريمة الهانئة، ويعكس يوم السعادة في كثير من بلدان العالم أحد مظاهر النفاق الإعلامي لتغطية ما فيه الناس من شقاء سببه النظام الرأسمالي النفعي الذي يحقق للإنسان القيمة المادية فقط، ويبعد كل القيم الروحية والخلقية والإنسانية، وإن وجدت فهي نشاز فيصبح الاحتفال في كثير من البلدان ليس نابعاً من القلب، بل هو أقرب إلى صناعة الوهم، حيث يرزح القلب تحت ثقل هموم لا تترك مكاناً حتى لطرح سؤال عن معنى السعادة!

لقد مر ذلك اليوم ولم يشعر به أحد، وعلى سبيل المثال لم تحقق الولايات المتحدة الأمريكية أية مكاسب في السعادة المُبلّغ عنها من المواطنين، على الرغم من التطور التكنولوجي والاقتصادي الهائل خلال نصف القرن الماضي، بل على العكس فقد ارتفعت مستويات عدم اليقين والقلق واتسعت الفوارق الاجتماعية والاقتصادية إلى حد كبير، والأمر الصادم أن تقرير الأمم المتحدة الأول من نوعه والذي صدر بشهر نيسان/أبريل من عام (2012) بعنوان "تقرير السعادة في العالم"، يؤكد على أن العالم يعيش في تناقضات صارخة، ففي حين نجد التقدم الهائل والمذهل في مجال التكنولوجيا، نجد بالمقابل على الأقل مليار إنسان لا يحصلون على كفايتهم من الطعام، وأن تدميراً مستمراً ومتزايداً للبيئة منتشر في كافة بقاع العالم والدول التي تحقق مستويات قياسية من النمو الاقتصادي لا زالت تعاني وتستسلم للأزمات الجديدة المتعلقة بالسمنة والتدخين والاكتئاب ومرض السكري وغيرها من الأمراض.

إن ابتهاج الغرب وآلته الإعلامية بيوم السعادة هو مجرد غطاء على الشقاء الذي يتقلب فيه بني الإنسان جراء النظم الرأسمالية التي جلبت الشقاء والدمار من أول ما عرفها الإنسان، وساقت العالم إلى الحروب العالمية والتدمير بالقنابل الذرية والغازات السامة، بل هو نفاق خالص، لأن الغرب يعلم شقاء الحياة التي يعيشها بارتفاع نسب الأمراض النفسية والانتحار رغم توفر الأسباب المادية للسعادة المتوهمة.

إن حضارة الغرب لا تستطيع أن تضمن السعادة للإنسانية، بل قطعاً هي سبب الشقاء الذي يتقلب العالم على أشواكه ويصطلي بنيرانه؛ فالحضارة التي تجعل أساسها فصل الدين عن الحياة خلافا لفطرة الإنسان ولا تقيم للناحية الروحية وزنا في الحياة العامة، وتصور الحياة على أنها منفعة فقط وتجعل الصلة بين الإنسان والإنسان في الحياة هي المنفعة فقط، هذه الحضارة لا تجلب إلا شقاءً وقلقا دائمين، فما دامت المنفعة هي الأساس فالتنازع عليها أمر طبيعي والنضال في سبيلها طبيعي، والاعتماد على القوة في إقامة الصِلات بين البشر أمر طبيعي، لذلك يكون الاستعمار أمرا طبيعيا عند أهل هذه الحضارة وتكون الأخلاق مزعزعة لأن المنفعة وحدها ستظل هي أساس الحياة؛ ولهذا فمن الطبيعي أن تنفى من الحياة الأخلاق الكريمة كما نفيت منها القيم الروحية، وأن تقوم الحياة على أساس التنافس والاعتداء والاستعمار. وما هو واقع في العالم اليوم من وجود أزمات روحية ومن قلق دائم وشر مستطير خير دليل على نتائج هذه الحضارة الرأسمالية التي تحكم سيطرتها على العالم، وهي المسؤولة في المقام الأول عما يجري فيه من ويلات.

إن السعادة الحقيقية هي نيل رضوان الله، وليست إشباع جوعات الإنسان، لأن إشباع جوعات الإنسان جميعها، من جوعات الحاجات العضوية، وجوعات الغرائز، هو وسيلة لازمة للمحافظة على ذات الإنسان، ولا يلزم من وجودها السعادة. هذا هو تصوير الحياة وهذا الأساس الذي يقوم عليه هذا التصوير وهو الأساس للحضارة الإسلامية. لكن الدول التي ذكرت في تصنيف السعادة جميعها تعطي السعادة معاني غير حقيقية، فالسعادة عندهم هي إشباع أكبر قدر من المتع المادية والجسدية، ولم يكترثوا إلى الفرق الشاسع بين المتعة والسعادة، فالمتعة هي اللذة التي يشعر بها الإنسان حين يلبي حاجة عضوية أو غريزية، فحين يمتلك الإنسان مالاً يشعر بمتعة، وهي لذة إشباع غريزة التملك، والإنسان حين يأكل طعاما لذيذاً، يشعر بلذة الطعام، وهكذا... والمتعة أو اللذة آنية، تنتهي بإشباع الحاجة العضوية أو الغريزية، أما السعادة فهي شعور دائم مصاحب للإنسان في جميع أحواله، يوجِدُ عنده طمأنينةً داخلية، تجعله مرتاح الخاطر، هادئ البال، لا يشعر بوحشة، بل يشعر بالرضا لما هو عليه حاله، ولا يطلب ما في أيدي الناس. هذا المعنى الحقيقي للسعادة لا ينتج إلا عند التلبس بالأفكار والمفاهيم الصحيحة عن الحياة؛ بأن الدنيا دار ممر وليست دار مقر، وأن لله الخالق حقاً علينا أن نلتزم به، وأنه سيحاسبنا على ذلك يوم القيامة. إن دين الإسلام يتجسد معنى السعادة فيه على أنها السعي لنيل رضوان الله تعالى، وقد حددت الشريعة أن من يطع الله تعالى فقد فاز، ومن عصا فقد خسر خسرانا مبينا، وجعل الجنَّةَ والنَّارَ والثوابَ والعقابَ على الأعمال، فيصبح معنى السعادة الحقيقية هو نوال رضوان الله تعالى، فكم تكون سعادة المرء حين يستشعر قربه من ربه في تنفيذه للأحكام الشرعية، وكم من جائع سعادته في قلبه أكبر لأن مطعمه حلال، في حين إن كان غنياً ما يكون منزعجا لشعوره بحرمة الطريقة التي جنى بها ماله، أو حتى لأنه لم يؤد ما عليه من زكاة!

﴿إنّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة عبد الجبار (أم أواب) – الخرطوم

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو