أحدث الإضافات

مقال مميز

تصريحات سلطان السامعي... وشهد شاهد منهم أظهر فسادهم وتبعيتهم للغرب

في مقابلة بثتها قناة الساحات، يوم الأحد 2025/8/3 فجّر الفريق سلطان السامعي، عضو المجلس السياسي الأعلى في صنعاء، جملة من التصريحات الصادمة، أبرزها اعترافه بأن المجلس السياسي الأعلى مجلس شكلي لا يملك القرار الفعلي، وأنهم عاجزون حتى عن إيقاف فاسد واحد، رغم أن الفساد يُمارَس علناً ويُدار من جهات عليا. وأشار إلى خروج أكثر من 150 مليار دولار من البلد، وتحوّل أشخاص من حفاة إلى

اقرأ المزيد
قانتات حافظات- حقوق الأم

قانتات حافظات- حقوق الأم

Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:Century; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} لَقَدْ عَنِيَ الشَّرْعُ بِالأُمِّ عِنَايَةً فَائِقَةً تَفُوقُ أَيَّ نَظْرَةٍ وَعِنَايَةٍ فَرَضَتْهَا النُّظُمُ الأُخْرَى، وَالْمُطَّلِعُ على اِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ يَجِدُ أَنَّ الشَّارِعَ قَدْ أوْصَى بِهَا خَيْرَ وِصَايَةٍ، فَهذا حَديثُ الرَّسولِ صلى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ عِنْدَما جاءَهُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ أُمُّكَ، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّكَ، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّكَ، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أَبُوكَ} فَفِي الحَديثِ دَليلٌ على أَنَّ مَحَبَةَ الأُمِّ وَالشَّفَقَةَ عَلَيْها يَنْبَغي أَنْ تَكونَ ثَلاثَةَ أَمْثالِ الأَبِ لِذِكْرِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الأمَّ ثَلاثَ مَراتٍ وَذِكْرِ الأَبِ مَرَّةً واحِدَةً. وَالسِّرُ في ذلِكَ كَمَا قالَهُ ابْنُ بطال أنَّ الأمَّ تَنْفَرِدُ عَنِ الأَبِ بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: صُعُوبَةِ الحَمْلِ وَصُعُوبَةِ الوَضْعِ، وَصُعُوبَةِ الرَّضَاعِ، فَهذهِ تَنْفَرِدُ بِهَا الأُمُّ وَتَشْقَى بِها ثُمَّ تُشَارِكُ الأَبَ فِي التَّرْبِيَةِ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إنَّ لِلأُمِّ ثُلُثَيِ البِرِ بِنَاءً عَلى هذا الحديثِ. جَاءَتِ الْوَصِيَةُ في الْقُرْآنِ الكَريمِ بِالْوالِدَيْنِ عُمُوماً وَبِالأُمِّ خَاصَّةً، وَذلِكَ فِي آيَةِ سُورَةِ لُقْمَان: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } وَفي سُورَةِ الأَحْقَافِ أيْضاً يَقُولُ تَعَالَى:{ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ }. فَفِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الْكَريمَتَيْنِ يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أَسْبابَ وَحَيْثِيَاتِ التَّوْصِيَةِ لِجانِبِ الأُمِّ، فَيَذْكُُرُ الْقُرْآنُ الكَريمُ مَتَاعِبَ الأُمِّ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَلَدِ مِنْ حَيْثُ قِيَامُها بِحَمْلِهِ مُدَّةِ الْحَمْلِ، وِهِيَ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ، تَتْعَبُ مِنْ هذا الْحَمْلِ الذِّي يَسْتَمِرُ لِشُهُورٍ عَديدَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ تِلْكَ الْمُعاناةِ مِنَ الْحَمْلِ تَضَعُهُ كُرْهاً: أيْ بِكُرهٍ وَمَشَقَّةٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ قَامَتْ بِإِرْضَاعِهِ، وَهَذِهِ الأُمُورُ قَدْ حَدَثَتْ فِي مَرْحَلَةٍ لَمْ يَبْلُغْ فِيهَا الابْنُ بَعْدُ مَسْأَلَةَ الإدْراكِ لِمَا يَحْدُثُ، فَهِيَ أُمورٌ غَيْرُ مَنْظورَةٍ لِلطِّفْلِ، وَبِهذا لا يَسْتَطيعُ أنْ يُدْرِكَ حَجْمَ المَتاعِبِ التِّي تَتَكَبَدُها الأُمُّ فِي فَتْرَةِ الْحَمْلِ وَالرَّضاعَةِ، وَمَا تَبْذُلُهُ مِنْ جُهْدٍ عَظيمٍ لِرِعايَتِهِ فِي مَرْحَلَةِ طُفُولَتِهِ المُبَكِّرَةِ. وَيُوَضِّحُ هذا الْمَعْنى فَضِيلَةُ الشَّيْخ الشَّعْراوي ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ مِنْ عُلَمَاءِ الأَزْهَرِ الشَّريفِ قائِلاً : إنَّ اللهَ سُبْحانَهُ وَتَعالى في تَوْصِيَتِهِ بِالأُمِّ قَدِ اخْتَصَّها؛ لأنَّها تَقُومُ بِالجُزْءِ غَيْرِ الْمَنْظورِ في حَيَاةِ الابْنِ أوْ غَيْرِ الْمُدْرَكِ عَقْلًا، بِمَعْنى أنَّ الطِّفْلَ وَهُوَ صَغيرٌ في الرَّضاعَةِ وَفي الحَمْلِ وَالوِلادَةِ، وَحتى يَبْلُغَ وَيَعْقِلَ، الأمُّ هي التي تُقَدِّمُ لَهْ كُلَّ شَيْءٍ، هِيَ التِّي تَسْهَرُ لِتُرْضِعَهُ، وَهِيَ التِّي تَحْمِلُ وَهِيَ التِّي تَلِدُ، فإذا كَبُرَ الطِّفْلُ وَعَقَلَ مَنِ الذِّي يَجِدُهُ أمامَهُ؟ يَجِدُ أَباهُ؛ إذا أرادَ شَيْئًا فإنَّ أباهُ هُو الذِّي يُحَقِّقُهُ لَهُ، وَإذا أَرادَ أنْ يَشْتَرِيَ لُعْبَةً جَديدَةً وَملابِسَ جَديدَةً، وَإذا أرادَ مالًا.. الخ، كُلُّ هذا يَقُومُ بِهِ الأَبُ. إذًا فَضْلُ الأبِ ظاهِرٌ أمامَهُ، أمَّا فَضْلُ الأمِّ فَمُسْتَتِرٌ؛ وَلِذلِكَ جَاءَتِ التَّوْصِيَةُ بِالأُمِّ أَكْثَرَ مِنَ الأَبِ، لِماذا؟ لأنَّ الطِّفْلَ حينَما يُحَقِّقُ لَهُ أبوهُ كُلَّ رَغَبَاتِهِ يُحِسُّ بِفَضْلِ أَبيهِ عَلَيْهِ، وَلكِنْ نادِرًا مَا يُقَدِّرُ التَّعَبَ الذِّي تَعِبَتْهُ أُمُّهُ، وَهُوَ يَزيدُ أضْعافَ أضْعافَ مَا يُقَدِّمُهُ لَهُ أبُوهُ، مِن هُنا جاءَتِ التَّوْصِيَةُ بِالأُمَّ وَلِلأُمِّ عَلَى وَلَدِهَا حُقُوقٌ مَعْنَوِيَةٌ كَثِيرَةٌ وَكَبيرَةٌ لا يُحْصيهَا الْمُحْصِي وَلكِنْ نَذْكُرُ مِنْها: أ - حُبَّهَا وَتَوْقِيرَهَا فِي النَّفْسِ وَالقَلْبِ مَا اسْتَطاعَ لأنَّها أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صُحْبَتِهِ. فَهِيَ التِّي جَعَلَتْ بَطْنَها لَهُ وِعَاءً وَثَدْيَهَا لَهُ سِقَاءً، فَحُبُّهَا لازِمٌ وَلا بُد، وَالفِطْرَةُ تَدْعُو إِلَيْهِ، بَلْ إِنَّ حُبَّ الأَوْلادِ لأُمَّهاتِهِمْ وَحُبَّ الأُمَّهَاتِ لأَوْلادِها فِطْرَةٌ فَطَرَ اللهُ عَلَيْها الْبَهَائِمَ وَالدَّوابَّ، فَبَنُو البَشَرِ أوْلى بِذلكَ وَالمُسلِمُونَ أَوْلى بِذلِكَ كُلِّهِ. ب - الرِّعايَةَ وَالقِيامَ عَلى شُؤُونِها إنِ احْتاجَتْ إِلى ذَلكَ بَلْ إنَّ هذا دَيْنٌ في عُنُقِ وَلَدِهَا. أَلَيْسَتْ قَدْ رَعَتْهُ طِفْلاً صَغيراً وَسَهِرَتْ عَلَيْهِ وَكانَتْ تَصْبِرُ عَلى أَذَاهُ .. بَلْ إنَّ ذلكَ قَدْ يُقَدَّمُ عَلى الجِهادِ إِنْ تَعَارَضَ مَعَهُ. عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرُو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهادِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحَيٌّ والِداكَ؟ قالَ: نَعَم، قالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ. رَواهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِم ت -عَدَمَ أَذِيَتِهَا أَوْ إِسْمَاعِهَا مَا تَكْرَهُ مِنَ الْقَوْلِ أوِ الفِعْلِ. قالَ تَعالى: { فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍ } فَإذا كانَ اللهُ تَعالى حَرَّمَ قَوْلَ " أُف " لِلْوالِدَيْنِ: فَكَيْفَ بِمَنْ يَضْرِبُهُمَا؟!! . ج - الطَّاعَةَ وَالائْتِمَارَ بِأَمْرِهَا إِنْ أَمَرَتْ بِمَعْرُوفٍ، أمَّا إنْ أَمَرَتْ بِشَرٍّ كَالشِّرْكِ: فَلا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ. قالَ تَعالى :{ وَإِنْ جَاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً } ( لقمان / 15 ) . ح - أَمَّا بَعْدَ مَوْتِها فَيُسَنُّ قَضَاءُ مَا عَلَيْهَا مِنْ كَفَّاراتٍ وَالتَّصَدُّقُ عَنْها وَالْحَجُّ أَوِ الاعْتِمَارُ عَنْها. عَنِ ابْنِ عَبَاسَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: " أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إلى النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْها؟ قَالَ: نَعَم حُجِّي عَنْها، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ، اقْضُوا (في حالة البدء بها تُقرأ إقضوا) اللهَ فَاللهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ". رَواهُ البُخارِيُّ. خ - وَكَذلِكَ بَعْدَ مَوْتِهَا يُسَنُّ بِرُّهَا بِصِلَةِ مَنْ كانَتْ تَصِلُهُمْ وَتَحْتَرِمُهُمْ كَأَقَارِبِهَا وَصديقاتِها. عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: " إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ ". أَمَّا حُقُوقُ الأُمِّ المَادِيَّةُ فَهِيَ مُتَمَثِلَةٌ بِـ : أ- النَّفَقَةِ عَلَيْهَا إِنْ أُعْوِزَتْ (إنِ احْتاجَتْ) وَلَمْ يَكُنْ لَها زَوْجٌ يُنْفِقُ عَلَيْها أَوْ كَانَ زَوْجُهَا مُعْسِراً. بَلْ إِنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهَا وَإِطْعَامَهَا عِنْدَ الصَّالِحِينَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يُطْعِمُوا أَبْناءَهُمْ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خَرَجَ ثَلاثَةٌ يَمْشُونَ فَأَصَابَهُمُ الْمَطَرُ فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ فَانْحَطَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، قَالَ: فَقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ادْعُوا اللهَ بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ فَقالَ أَحَدُهُمُ اللّهُمَّ إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى ثُمَّ أَجِيءُ فَأَحْلِبُ فَأَجِيءُ بِالحِلابِ فَآتِي بِهِ أَبَوَيَّ فَيَشْرَبَانِ ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي، فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً فَجِئْتُ فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ قَالَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغُونَ (( يَبْكُونَ بَصَوْتٍ عَالٍ )) عِنْدَ رِجْلِي فَلَمْ يَزَلْ ذلِكَ دَأْبِي وَدَأْبُهُمَا حَتى طَلَعَ الفَجْرُ. اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْها السَّماءَ، قَالَ فَفَرَجَ عَنْهُمْ .... " . رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمُ. ب - جُعِلَ لَهَا نَصِيبٌ فِي الميراثِ لا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ وَقَدْ جَاءَ ذلِكَ مُوَضَّحاً فِي قَوْلِهِ تَعالى: " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ" هذِهِ هِيَ نَظْرَةُ الشَّرْعِ لِلْمَرْأَةِ كَأُمٍّ، وَهذِهِ بَعْضُ الحُقُوقِ المَادِيَّةِ وَالمَعْنَوِيَةِ لَهَا، وَقَدْ حَرَصَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ عَلى بِرِّ أُمَّهَاتِهِمْ، بَلْ قِيلَ إنَّ عُمَرَ بنَ الخَطابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَمَنَّى لَوْ كَانَتْ لَهُ أُمٌّ لِيَبَرَّهَا، وَلا نَنْسَى أُوَيْسَ القَرْنِيَّ الذِّي ذَكَرَهُ الرَّسُولُ الكَريمُ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ أَنْ يَراهُ وَأَخْبَرَ الصَّحَابَةَ رِضْوانُ اللهِ عليهِمْ عَن بِرِّهِ لِوالِدَتِهِ، وَزَيْنُ العَابِدينَ مِنْ سَادَةِ التَّابِعينَ الذِّي لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ مِنْ صَحْنٍ تَأْكُلُ مِنْهُ أُمُّهُ مَخافَةَ أَنْ تَمْتَدَّ يَدُهُ إِلى ما سَبَقَتْ إِلَيْهِ عَيْنُهَا، فَيَكُونُ قَدْ عَقَّهَا، وَكَانَ حَيْوَةُ بنُ شُرَيْح -وَهُوَ مِنْ كِبَارِ العُلَماءِ- يَجْلِسُ فِي حَلَقَتِهِ يُعَلِّمُ النَّاسَ، فَتَقُولُ لَهُ أُمُّهُ: قُمْ يا حَيْوَةُ! فَأَلْقِ الشَّعيرَ لِلدَّجَاجِ، فَيَقُومُ فَيُطْعِمُهُمْ ثُمَّ يَرْجِعُ. فَأَحْمَدُ اللهَ تعالى أَنْ هَدانا لِهذا الدِّينِ الذِّي كَرَّمَ المَرْأَةَ فِي كًُلِّ شُؤُونِها، وَجَعَلَهَا فِي أَعْلى مَكَانَةٍ وَأَرْفَعِ مَنْزِلَةٍ. إلى أنْ نَلْقاكُمْ في حَلَقَةٍ قَادِمَةٍ الأُسْبوعَ القَادِمَ إِنْ شاءَ اللهُ وَمَع حَلَقَةٍ أُخْرى نَتَناوَلُ فِيها حُقُوقَ المَرْأَةِ المادِيَّةَ وَالمَعْنَوِيَةَ، أَتْرُكُكُمْ في رِعَايَةِ اللهِ وَحِفْظِهِ وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعالىَ وَبَرَكَاتُهُ لَقَدْ عَنِيَ الشَّرْعُ بِالأُمِّ عِنَايَةً فَائِقَةً تَفُوقُ أَيَّ نَظْرَةٍ وَعِنَايَةٍ فَرَضَتْهَا النُّظُمُ الأُخْرَى، وَالْمُطَّلِعُ على اِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ يَجِدُ أَنَّ الشَّارِعَ قَدْ أوْصَى بِهَا خَيْرَ وِصَايَةٍ، فَهذا حَديثُ الرَّسولِ صلى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ عِنْدَما جاءَهُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ أُمُّكَ، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّكَ، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّكَ، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أَبُوكَ} فَفِي الحَديثِ دَليلٌ على أَنَّ مَحَبَةَ الأُمِّ وَالشَّفَقَةَ عَلَيْها يَنْبَغي أَنْ تَكونَ ثَلاثَةَ أَمْثالِ الأَبِ لِذِكْرِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الأمَّ ثَلاثَ مَراتٍ وَذِكْرِ الأَبِ مَرَّةً واحِدَةً. وَالسِّرُ في ذلِكَ كَمَا قالَهُ ابْنُ بطال أنَّ الأمَّ تَنْفَرِدُ عَنِ الأَبِ بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: صُعُوبَةِ الحَمْلِ وَصُعُوبَةِ الوَضْعِ، وَصُعُوبَةِ الرَّضَاعِ، فَهذهِ تَنْفَرِدُ بِهَا الأُمُّ وَتَشْقَى بِها ثُمَّ تُشَارِكُ الأَبَ فِي التَّرْبِيَةِ .وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إنَّ لِلأُمِّ ثُلُثَيِ البِرِ بِنَاءً عَلى هذا الحديثِ.جَاءَتِ الْوَصِيَةُ في الْقُرْآنِ الكَريمِ بِالْوالِدَيْنِ عُمُوماً وَبِالأُمِّ خَاصَّةً، وَذلِكَ فِي آيَةِ سُورَةِ لُقْمَان: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } وَفي سُورَةِ الأَحْقَافِ أيْضاً يَقُولُ تَعَالَى:{ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ }. فَفِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الْكَريمَتَيْنِ يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أَسْبابَ وَحَيْثِيَاتِ التَّوْصِيَةِ لِجانِبِ الأُمِّ، فَيَذْكُُرُ الْقُرْآنُ الكَريمُ مَتَاعِبَ الأُمِّ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَلَدِ مِنْ حَيْثُ قِيَامُها بِحَمْلِهِ مُدَّةِ الْحَمْلِ، وِهِيَ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ، تَتْعَبُ مِنْ هذا الْحَمْلِ الذِّي يَسْتَمِرُ لِشُهُورٍ عَديدَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ تِلْكَ الْمُعاناةِ مِنَ الْحَمْلِ تَضَعُهُ كُرْهاً: أيْ بِكُرهٍ وَمَشَقَّةٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ قَامَتْ بِإِرْضَاعِهِ، وَهَذِهِ الأُمُورُ قَدْ حَدَثَتْ فِي مَرْحَلَةٍ لَمْ يَبْلُغْ فِيهَا الابْنُ بَعْدُ مَسْأَلَةَ الإدْراكِ لِمَا يَحْدُثُ، فَهِيَ أُمورٌ غَيْرُ مَنْظورَةٍ لِلطِّفْلِ، وَبِهذا لا يَسْتَطيعُ أنْ يُدْرِكَ حَجْمَ المَتاعِبِ التِّي تَتَكَبَدُها الأُمُّ فِي فَتْرَةِ الْحَمْلِ وَالرَّضاعَةِ، وَمَا تَبْذُلُهُ مِنْ جُهْدٍ عَظيمٍ لِرِعايَتِهِ فِي مَرْحَلَةِ طُفُولَتِهِ المُبَكِّرَةِ.وَيُوَضِّحُ هذا الْمَعْنى فَضِيلَةُ الشَّيْخ الشَّعْراوي ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ مِنْ عُلَمَاءِ الأَزْهَرِ الشَّريفِ قائِلاً : إنَّ اللهَ سُبْحانَهُ وَتَعالى في تَوْصِيَتِهِ بِالأُمِّ قَدِ اخْتَصَّها؛ لأنَّها تَقُومُ بِالجُزْءِ غَيْرِ الْمَنْظورِ في حَيَاةِ الابْنِ أوْ غَيْرِ الْمُدْرَكِ عَقْلًا، بِمَعْنى أنَّ الطِّفْلَ وَهُوَ صَغيرٌ في الرَّضاعَةِ وَفي الحَمْلِ وَالوِلادَةِ، وَحتى يَبْلُغَ وَيَعْقِلَ، الأمُّ هي التي تُقَدِّمُ لَهْ كُلَّ شَيْءٍ، هِيَ التِّي تَسْهَرُ لِتُرْضِعَهُ، وَهِيَ التِّي تَحْمِلُ وَهِيَ التِّي تَلِدُ، فإذا كَبُرَ الطِّفْلُ وَعَقَلَ مَنِ الذِّي يَجِدُهُ أمامَهُ؟ يَجِدُ أَباهُ؛ إذا أرادَ شَيْئًا فإنَّ أباهُ هُو الذِّي يُحَقِّقُهُ لَهُ، وَإذا أَرادَ أنْ يَشْتَرِيَ لُعْبَةً جَديدَةً وَملابِسَ جَديدَةً، وَإذا أرادَ مالًا.. الخ، كُلُّ هذا يَقُومُ بِهِ الأَبُ. إذًا فَضْلُ الأبِ ظاهِرٌ أمامَهُ، أمَّا فَضْلُ الأمِّ فَمُسْتَتِرٌ؛ وَلِذلِكَ جَاءَتِ التَّوْصِيَةُ بِالأُمِّ أَكْثَرَ مِنَ الأَبِ، لِماذا؟ لأنَّ الطِّفْلَ حينَما يُحَقِّقُ لَهُ أبوهُ كُلَّ رَغَبَاتِهِ يُحِسُّ بِفَضْلِ أَبيهِ عَلَيْهِ، وَلكِنْ نادِرًا مَا يُقَدِّرُ التَّعَبَ الذِّي تَعِبَتْهُ أُمُّهُ، وَهُوَ يَزيدُ أضْعافَ أضْعافَ مَا يُقَدِّمُهُ لَهُ أبُوهُ، مِن هُنا جاءَتِ التَّوْصِيَةُ بِالأُمَّوَلِلأُمِّ عَلَى وَلَدِهَا حُقُوقٌ مَعْنَوِيَةٌ كَثِيرَةٌ وَكَبيرَةٌ لا يُحْصيهَا الْمُحْصِي وَلكِنْ نَذْكُرُ مِنْها:أ - حُبَّهَا وَتَوْقِيرَهَا فِي النَّفْسِ وَالقَلْبِ مَا اسْتَطاعَ لأنَّها أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صُحْبَتِهِ.فَهِيَ التِّي جَعَلَتْ بَطْنَها لَهُ وِعَاءً وَثَدْيَهَا لَهُ سِقَاءً، فَحُبُّهَا لازِمٌ وَلا بُد، وَالفِطْرَةُ تَدْعُو إِلَيْهِ، بَلْ إِنَّ حُبَّ الأَوْلادِ لأُمَّهاتِهِمْ وَحُبَّ الأُمَّهَاتِ لأَوْلادِها فِطْرَةٌ فَطَرَ اللهُ عَلَيْها الْبَهَائِمَ وَالدَّوابَّ، فَبَنُو البَشَرِ أوْلى بِذلكَ وَالمُسلِمُونَ أَوْلى بِذلِكَ كُلِّهِ.ب - الرِّعايَةَ وَالقِيامَ عَلى شُؤُونِها إنِ احْتاجَتْ إِلى ذَلكَ بَلْ إنَّ هذا دَيْنٌ في عُنُقِ وَلَدِهَا. أَلَيْسَتْ قَدْ رَعَتْهُ طِفْلاً صَغيراً وَسَهِرَتْ عَلَيْهِ وَكانَتْ تَصْبِرُ عَلى أَذَاهُ .. بَلْ إنَّ ذلكَ قَدْ يُقَدَّمُ عَلى الجِهادِ إِنْ تَعَارَضَ مَعَهُ.عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرُو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهادِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحَيٌّ والِداكَ؟ قالَ: نَعَم، قالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ. رَواهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِم ت -عَدَمَ أَذِيَتِهَا أَوْ إِسْمَاعِهَا مَا تَكْرَهُ مِنَ الْقَوْلِ أوِ الفِعْلِ.قالَ تَعالى: { فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍ } فَإذا كانَ اللهُ تَعالى حَرَّمَ قَوْلَ " أُف " لِلْوالِدَيْنِ: فَكَيْفَ بِمَنْ يَضْرِبُهُمَا؟!! .ج - الطَّاعَةَ وَالائْتِمَارَ بِأَمْرِهَا إِنْ أَمَرَتْ بِمَعْرُوفٍ، أمَّا إنْ أَمَرَتْ بِشَرٍّ كَالشِّرْكِ: فَلا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ.قالَ تَعالى :{ وَإِنْ جَاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً } ( لقمان / 15 ) .ح - أَمَّا بَعْدَ مَوْتِها فَيُسَنُّ قَضَاءُ مَا عَلَيْهَا مِنْ كَفَّاراتٍ وَالتَّصَدُّقُ عَنْها وَالْحَجُّ أَوِ الاعْتِمَارُ عَنْها.عَنِ ابْنِ عَبَاسَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: " أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إلى النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْها؟ قَالَ: نَعَم حُجِّي عَنْها، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ، اقْضُوا (في حالة البدء بها تُقرأ إقضوا) اللهَ فَاللهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ". رَواهُ البُخارِيُّ.خ - وَكَذلِكَ بَعْدَ مَوْتِهَا يُسَنُّ بِرُّهَا بِصِلَةِ مَنْ كانَتْ تَصِلُهُمْ وَتَحْتَرِمُهُمْ كَأَقَارِبِهَا وَصديقاتِها.عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: " إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ ". أَمَّا حُقُوقُ الأُمِّ المَادِيَّةُ فَهِيَ مُتَمَثِلَةٌ بِـ : أ- النَّفَقَةِ عَلَيْهَا إِنْ أُعْوِزَتْ (إنِ احْتاجَتْ) وَلَمْ يَكُنْ لَها زَوْجٌ يُنْفِقُ عَلَيْها أَوْ كَانَ زَوْجُهَا مُعْسِراً. بَلْ إِنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهَا وَإِطْعَامَهَا عِنْدَ الصَّالِحِينَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يُطْعِمُوا أَبْناءَهُمْ.عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خَرَجَ ثَلاثَةٌ يَمْشُونَ فَأَصَابَهُمُ الْمَطَرُ فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ فَانْحَطَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، قَالَ: فَقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ادْعُوا اللهَ بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ فَقالَ أَحَدُهُمُ اللّهُمَّ إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى ثُمَّ أَجِيءُ فَأَحْلِبُ فَأَجِيءُ بِالحِلابِ فَآتِي بِهِ أَبَوَيَّ فَيَشْرَبَانِ ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي، فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً فَجِئْتُ فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ قَالَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغُونَ (( يَبْكُونَ بَصَوْتٍ عَالٍ )) عِنْدَ رِجْلِي فَلَمْ يَزَلْ ذلِكَ دَأْبِي وَدَأْبُهُمَا حَتى طَلَعَ الفَجْرُ. اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْها السَّماءَ، قَالَ فَفَرَجَ عَنْهُمْ .... " . رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمُ. ب - جُعِلَ لَهَا نَصِيبٌ فِي الميراثِ لا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ وَقَدْ جَاءَ ذلِكَ مُوَضَّحاً فِي قَوْلِهِ تَعالى: " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ" هذِهِ هِيَ نَظْرَةُ الشَّرْعِ لِلْمَرْأَةِ كَأُمٍّ، وَهذِهِ بَعْضُ الحُقُوقِ المَادِيَّةِ وَالمَعْنَوِيَةِ لَهَا، وَقَدْ حَرَصَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ عَلى بِرِّ أُمَّهَاتِهِمْ، بَلْ قِيلَ إنَّ عُمَرَ بنَ الخَطابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَمَنَّى لَوْ كَانَتْ لَهُ أُمٌّ لِيَبَرَّهَا، وَلا نَنْسَى أُوَيْسَ القَرْنِيَّ الذِّي ذَكَرَهُ الرَّسُولُ الكَريمُ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ أَنْ يَراهُ وَأَخْبَرَ الصَّحَابَةَ رِضْوانُ اللهِ عليهِمْ عَن بِرِّهِ لِوالِدَتِهِ، وَزَيْنُ العَابِدينَ مِنْ سَادَةِ التَّابِعينَ الذِّي لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ مِنْ صَحْنٍ تَأْكُلُ مِنْهُ أُمُّهُ مَخافَةَ أَنْ تَمْتَدَّ يَدُهُ إِلى ما سَبَقَتْ إِلَيْهِ عَيْنُهَا، فَيَكُونُ قَدْ عَقَّهَا، وَكَانَ حَيْوَةُ بنُ شُرَيْح -وَهُوَ مِنْ كِبَارِ العُلَماءِ- يَجْلِسُ فِي حَلَقَتِهِ يُعَلِّمُ النَّاسَ، فَتَقُولُ لَهُ أُمُّهُ: قُمْ يا حَيْوَةُ! فَأَلْقِ الشَّعيرَ لِلدَّجَاجِ، فَيَقُومُ فَيُطْعِمُهُمْ ثُمَّ يَرْجِعُ.فَأَحْمَدُ اللهَ تعالى أَنْ هَدانا لِهذا الدِّينِ الذِّي كَرَّمَ المَرْأَةَ فِي كًُلِّ شُؤُونِها، وَجَعَلَهَا فِي أَعْلى مَكَانَةٍ وَأَرْفَعِ مَنْزِلَةٍ.

قانتات صغيرات- قصتي مع الحجاب

قانتات صغيرات- قصتي مع الحجاب

السّلامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُه وَبَعدُ، فَعَن أَبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: "أَمَرَني رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُُ عليهِ وَسَلَمَ أَن أَصِلَ رَحمي وَإِن أَدبَرَت، وَأَن أَقولَ الحقَ وَإِن كانَ مُرّاً، وَأَن لا تَأخُذُني في اللهِ لَومَةَ لائِم..." (أخرجه الطبراني في الكبير، وأحمد في المسند، وابن حبان في صحيحه، والبزّار في المسند). لِذلِكَ فَإِنَّ الحِكمةَ لا تَعني السُّكوتَ عَن قَولِ الحقِّ بَل الحِكمَةُ هِيَ قَولُ الحقِّ حينَ وُرودِ مَحلِّهِ وَوُجوبِ الصَّدعِ بِهِ وَإِن خالَفتَ النّاسَ كُلُّهُم أَو خالَفُوكَ. وَإِلَيكُم هذِهِ القِصَّةَ، قِصّتي مَعَ الحِجابِ أَنا فَتاةٌ في الحادِيَةَ عَشَرَ مِن عُمري أَصبحْتُ مُكَلَّفَةً وَمُلزَمَةً بِلِبسِ اللِّباسِ الشَّرعِيِّ الذي فَرَضَهُ اللهُ عَلَينَا مَعشَرِ نِساءِ المُسلمينَ لِقَولِهِ تَعالى:{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}(الأحزاب 59) وَإِذعَاناً مِنّا لِقَولِهِ صَلّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، فَعَن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ ‏‏أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ‏دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏وَقَالَ يَا ‏أَسْمَاءُ ‏‏إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ ‏.(رواه أبو داود). فَلِكَوني صَغيرَةً في السنِّ صارَ الطالباتُ يُضايِقُونَني وَدَوماً يُنادُونَني بِالمُعلّمةِ وَلكِن لَم أَهتمْ لَهُم لِأَني لَم أَفعلْ أَيَ خَطَأٍ بِارتِدائِي لِلحِجابِ وَإِنَّما أَنا أَمَةٌ طائِعَةٌ للهِ وَلِرَسولِهِ أَفعلُ ما أَمَرَنَا بِهِ وَانتَهي عَما نَهانَا عَنهُ وَاللهَ أَسأَلُ أَن أَكونَ مُخلِصَةً في نِيَّتي هذِهِ لَه وَاللهُ وَلِيُ التَوفيقِ. لكِنَ قِصَّتي لَم تَنتَهِ عِندَ ذلكَ فَالبنات عُذرُهُن أَنَهُن صِغارٌ لا يَفقَهُونَ مِنَ الحَياةِ شَيئاً وَلكن مَاذا نَقولُ بِالمعلمةِ التي يَجِبُ أَن تَكونَ قُدوةً لَنا لا أَن تَكونَ هِيَ المُفسِدَةُ لنا، فَمِن أَغربِ ما حَصَلَ مَعي يَومَ ارتَدَيتُ الجِلبابَ هُوَ مَوقِفُ أَحدى المعلماتِ مِن ذلكَ فَقدْ قالَت لي أَثناءَ الحِصَّةِ أَنتِ ما زِلتِ صَغيرةً عَلى الحِجابِ وَغداً أُريدُكِ أَن تَلبِسي زِيَّ المَدرَسَةِ الرسمي الذي كُنتِ تَلبِسينَهُ مِن قَبل -وَلِلعِلمِ الزِّيِ المدرسيِ هُوَ عِبارةٌ عَن بُلوزةٍ زَرقاء وَبِنطالِ جينز وَمِريولٍ لِلبَناتِ وَمَن أَرادَتِ الحِجابَ تَلبِسُ مِنديلاً فَوقَ الزِّيِّ المدرسيِّ-. لَم أَرُد عَلَيها وَلَم أُجِبْها بِشَيءٍ قُلتُ سَتَعتادَ عَلى ذلكَ وَلتَقُل ما أَرادَت فَما دُمتُ لَم أَفعل ما يُغضِبُ اللهُ فَلا يُهِمُّني غَضَبُ العِبادِ. وَفي اليومِ التالي فُوجِئتُ بِنَفسِ المُعلمةِ تَأتي لِلصَّفِّ وَتَطلُبُ أَن أخرجَ معَها لِأَنَها تُريدُ أَن تَتَحَدَّثَ مَعي بِأَمرٍ مُهِمٍّ، خَرَجْتُ مَعَها فَإِذا بِها تُبادِرُني بِنَفسِ الطَّلَبِ الذي طَلَبَتهُ بِالأَمسِ قَالَت لي: لِماذا لَم تَخلَعي الجِلبابَ ؟ فَحينئِذٍ قُلتُ لَها: أَنا لَم أَعُد صَغيرَةً، لَقدْ أَصبَحتُ مُكَلَّفَةً وَمُلزَمَةً بِارتِدائِهِ. فَقالَتِ المُعَلِّمَةُ: وَلِماذا لا تَرتَدي الزِّيَّ المَدرسِيَّ الخاصَ بِالبَناتِ؟ فَقُلتُ لَها: يا مُعلِّمَتي، أَنتِ مَخلوقٌ وَاللهُ خالِقٌ وَالرَّسولُ صَلَى اللهُ عليهِ وَسَلَمَ يَقولُ:" ‏لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" رواه أحمد في مسنده. هكَذا انتَهَى حِواري مَعِ المعلِّمَةِ وَبَعدَها لَم تَعُد تُكَلِّمَني بِأَمرِ الحِجابِ لِأَني لَم أَخضعْ لَها وَلَن أَفعلَ ذلكَ بِإِذنِ اللهِ وَسَأَقُولَ كَما قَالَ جَعفرُ بنُ أَبي طالبٍ عِندَما طَلَبَهُم النَجاشي لِيَقُولُوا ما عِندَهُم عَن عيسَى ابنِ مَريَم فَقالَ جَعفرُ لِلصَّحابَةِ الذينَ مَعَهُ: نَقولُ وَاللهِ فيهِ ما قالَ اللهُ، وَما جاءَ بِهِ نَبِيَّنا كائِناً في ذلكَ ما هُوَ كائِنٌ. عَلى فِكرَة بِفِعلي هذا كَسَبتُ احتِرامَ الهيئة التدريسية كُلُهُم لي وَاحتِرامَ طلبة صَفي كذلكَ فَلِليَومِ هُنالِكَ بَعضَ الطلابِ ما زالُوا يُضايِقونَني وَلكِن أَجِدُ طُلاّبَ صفي هُم الذينَ يَتَوَلُّونَ الدِّفاعَ عَني وَيُبعِدونَ باقي الطلابِ الجَهَلَةِ . هذا ما حَدَثَ مَعي خِلالَ السَّنَةِ الماضِيَةِ، أَما الآنَ فَلا مُضايَقاتٍ وَلا انتِقاداتٍ بَل هُنالِكَ احترامٌ مُتَبادَلٌ بَيني وَبَينَ المعلمينَ والمعلماتِ مَع وُجودِ بَعضِ الطلابِ الجاهلينَ المُشاكِسينَ وَهؤلاءِ لا أُلقِي لَهُم بالاً فَهُم لا يَفقَهُونَ وَلا يَفهَمُون ما مَعنى الِالتِزامِ. فَانظُرُوا إِلى هذا الِمقياسِ الذي غَفِلَ عَنهُ كَثيرٌ مِنَ النّاسِ في هذا الزَّمَنِ: " نَقولُ وَاللهِ فيهِ ما قالَ اللهُ، وَما جاءَ بِهِ نَبِيُّنا كائِناً في ذلكَ ما هُوَ كائِنٌ"؛ فَقَد تَخَلّى عَنهُ الناسُ اليومَ وَظَنُّوا أَنَّ قَولَ غَيرِ الحَقِّ سَيَقُودَهُم إِلى نُصرةِ الحَقِّ، وَإِنَّ مِنَ الناسِ مَنْ يَخجَلُ مِنَ الحَقِّ وَيَستَحي مِن نَشرِهِ سداً لِذريعةِ اتِهامِهِم بِالتَّطَرُّفِ أَو خَوفاً مِن مُواجَهَةِ التَّيّارِ كَما يُقالُ، وَلكِن مَا جَلَبَتِ الُمداهَنَةِ إِلا الذِلَةِ، وَمَا عَادَتِ المُداراةَ عَلى الأُمَّةِ إِلاّ بِالضَّعفِ وَالوَهَنِ. لاحَظْتُم مُستَمِعينا الكِرام أَنَّ مُعَلِّمَتي هذِه تَحمِلُ أَفكاراً غَربِيَّةً غَريبةً عَن دينِنا سُمومٌ مُزَيَّنةٌ بِالدَّسَمِ وَتَسعَى بِكُلِّ جُهدِها لِدَسِّها وَبَثِّها فينا عَلى اعتِبارِ أَنها قُدوةٌ لِلبناتِ، وَلكِن أَحمدُ اللهَ عَزَّ وَجَل أَن يَسَّرَ لي أَبَوينِ مُتَفَهِّمَينِ يَخافُونَهُ وَيَلتَزِمان أَوامِرَهُ، فَالحَمدُ لِلهِ عَلى ذلكَ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إلاّ باللهِ وَحَسْبُنا اللهَ وَنِعمَ الوَكيلِ.. نَعَم حَسبُنا اللهَ وَنِعمَ الوَكيلِ وَالسَّلامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُه.

نفائس الثمرات -لم أر لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق

نفائس الثمرات -لم أر لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق

لم أر لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته: إحداهما، اعتذار من أساء بأن فلاناً أساء قبله، والثانية، إستسهال الإنسان أن يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس، أو أن يسيء في وجه ما، لأنه قد أساء في غيره، فقد صارت هاتان الكلمتان عذراً مسهلتين للشر ومدخلتين له في حد ما يعرف ويحمل ولا ينكر.

شرح مواد النظام الإقتصادي في الإسلام (ح41) شرح المادة 167

شرح مواد النظام الإقتصادي في الإسلام (ح41) شرح المادة 167

نص المادة 167: (نقود الدولة هي الذهب والفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة، ولا يجوز أن يكون لها نقد غيرهما، ويجوز أن تصدر الدولة بدل الذهب والفضة شيئا أخر، على أن يكون في خزانة الدولة ما يساويه من الذهب والفضة، فيجوز أن تصدر الدولة نحاسا أو برونزا أو ورقا أو غير ذلك، وتضربه باسمها نقدا لها إذا كان له مقابل يساويه تماما من الذهب والفضة). تبين هذه المادة أن الإسلام قد حدد النقد، وفرض على الدولة أن تتقيد به، وهذا النقد هو الذهب والفضة ليس غير، فالشرع لم يترك للدولة أن تصدر النقد الذي تريده من أي نوع تشاء، وإنما عين الوحدات النقدية التي للدولة أن تجعلها نقدا لها إذا أرادت أن تصدر نقدا بوحدات نقدية معينة، هي الذهب والفضة ليس غير. والدليل على ذلك أن الإسلام ربط الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية، عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب، قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: (وإن في النفس المؤمنة مائة من الإبل، وعلى أهل الوَرِق ألفُ دينار)، وقال: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا)، فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار والدرهم والمثقال، يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة، وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد، فربط الشرع الذهب والفضة بهذه الأحكام يعني أنهما حَصْرا هما النقد. وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى حين فرض زكاة النقد أوجبها على الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة، فلو كان النقد غيرهما لما وجبت فيه زكاة النقد، لأنه لم يأت نص في زكاة النقد إلا على الذهب والفضة، مما يدل على أنه لا إعتبار لغيرهما من النقود. وأيضا فإن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما، وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت على الذهب والفضة. وأما الصرف فهو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة وإما بيع عملة بعملة أخرى. وبعبارة أخرى الصرف بيع نقد بنقد، فتعيين الشرع للصرف بالذهب والفضة وحدهما دون غيرهما، دليل صريح على أن النقد يجب أن يكون الذهب والفضة ليس غير، قال عليه الصلاة والسلام: ( بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد)، وقال عليه السلام: (الذهب بالوَرِق ربا إلا هاءَ وهاء). وفوق ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عين الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يُرجع اليه عند قياس السلع والجهود والخدمات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم والدانق والقيراط والمثقال والدينار. وكانت هذه كلها معروفة ومشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس. فكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد جعل النقد الذهب والفضة، وكون الشرع قد ربط بعض الأحكام الشرعية بهما وحدهما، وجعل الزكاة النقدية محصورة بهما، وحصر الصرف والمعاملات المالية بهما، كل ذلك دليل واضح على أن نقد الإسلام، إنما هو الذهب والفضة ليس غير. فكون الشرع قد عين النقد الذي تصدره الدولة وهو الذهب والفضة، لا يعني أن الدولة تقيد المبادلات بين الناس في البلاد التي تحكمها بهذا النقد، بل يعني أن الأحكام الشرعية التي عين الشرع فيها النقد، بوحدة معينة، لا تجري على هذه الأحكام إلا بحسب هذا النقد. أما المبادلات بين السلع فتبقى مباحة كما جاء الشرع بها، ولا يحل للخليفة أن يقيدها، لأن هذا التقييد هو تحريم لمباح، وهو لا يجوز ولا يحل للدولة أن تفعله، إلا أنه إذا رأت الدولة أن إباحة نقدٍ غيرها في البلاد التي تحت سلطانها، يؤدي إلى ضرب نقدها، أو ضرب مالها، أو ضرب اقتصادها، أو يؤدي إلى ضرر، فإنها حينئذ تمنعه عملا بقاعدة: ( الوسيلة إلى الحرام حرام)، وكذلك إذا رأت نقدا معينا يؤدي إلى ذلك، فإنها تمنع ذلك بقاعدة: ( كل فرد من أفراد الشيء المباح إذا كان يؤدي إلى ضرر يحرم ذلك الفرد ويبقى الشيء مباحا). إن المبادلة في الأشياء مباحة مطلقا، إلا ما ورد النص بتحريمه، فيحرم التبادل فيه. وبناء على ذلك، فان مبادلة السلعة بنقد والنقد بسلعة، وكذلك مبادلة الجهد بنقد، والنقد بجهد مباحة مطلقا، إلا السلع والجهود التي ورد نص بتحريمها. ولتسهيل هذه المبادلات على الناس، يجوز للدولة أن تصد ر أوراقا نقدية نائبة عن الذهب والفضة تمثلهما تمثيلا كاملا، يعني أن غطاءهما الذهبي أو الفضي يمثل قيمتهما مائة في المائة، ولحامل هذه الأوراق النقدية النائبة أن يحولها الى ذهب أو فضة حسب غطائها . وقد تصدر الدولة أوراقا نقدية مغطاة بجزء من قيمتها - ذهبا أو فضة - بنسبة محددة معينة، ويطلق عليها (النقود الوثيقة) أي حصلت الثقة بها من الثقة فى الجهة التي أصدرتها، ويكون القسم المغطى منها بالذهب أو الفضة عملة نائبة عنهما، ويجري بها التبادل، للنقود والسلع والخدمات. ويجوز للدولة أن تصدر نقدا خاصا وتضربه باسمها، من المعادن الأخرى غير الذهب أو الفضة، كالبرونز والنحاس، التي يسهل على المسلم تداولها، لشراء المحقرات من الأشياء، شريطة أن يكون له ما يساويه من الذهب والفضة . والى حلقة قادمة ومادة اخرى من مواد النظام الا قتصادي في الاسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

10210 / 10603