مع الحدیث النبوی الشریف
النصح لکل مسلم!!
نُحَیِّیکُمْ جَمِیعًا أیها الأَحِبَّةُ المُستَمِعُونَ الکِرَامَ فِی کُلِّ مَکَانٍ, نَلتَقِی بِکُمْ فِی حَلْقَةٍ جَدِیدَةٍ مِنْ بَرنَامَجِکُم "مَعَ الحَدِیثِ النَّبوِیِّ الشَّرِیفِ" وَنَبدَأ بِخَیرِ تَحِیَّةٍ وَأزکَى سَلامٍ, فَالسَّلامُ عَلَیکُمْ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَکَاتُهُ وَبَعدُ:
رَوَى البَیهَقِیُّ فِی شُعَبِ الإِیمَانِ عَنْ زِیَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِیرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، یَقُولُ: «بَایَعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَسَلَّمَ فَاشْتَرَطَ عَلَیَّ النُّصْحَ لِکُلِّ مُسْلِمٍ». رَوَاهُ الْبُخَارِیُّ فِی الصَّحِیحِ عَنْ أَبِی نُعَیْمٍ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِیثِ ابْنِ عُیَیْنَةَ، عَنْ زِیَادٍ. وَرَوَى مُسلِمٌ فِی صَحِیحِهِ عَنْ تَمِیمٍ الدَّارِیِّ أنَّ النَّبِیَّ صَلَّى اللهُ عَلَیهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الدِّینُ النَّصِیحَةُ». قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «للهِ وَلِکِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِینَ وَعَامَّتِهِمْ».
لِلنَّصِیحَةِ شَأنٌ عَظِیمٌ فِی حَیَاةِ الفَردِ وَالأمَّةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاء, فَهِیَ أسَاسُ بِنَاءِ الأُمَّةِ, وَهِیَ السِّیاجُ الوَاقِی بِإِذنِ اللهِ مِنَ الفُرقَةِ وَالتَّنازُعِ وَالتَّحرِیشِ بَینَ المُسلِمِینَ الَّذِی رَضِیَهُ الشَّیطَانُ بَعدَ أنْ یَئِسَ أنْ یَعبَدَهُ المُصَلُّونَ فِی جَزِیرَةِ العَرَبِ. رَوَى مُسلِمٌ فِی صَحِیحِهِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِیَّ صَلَّى اللهُ عَلَیْهِ وَسَلَّمَ، یَقُولُ: «إِنَّ الشَّیْطَانَ قَدْ أَیِسَ أَنْ یَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِی جَزِیرَةِ الْعَرَبِ، وَلَکِنْ فِی التَّحْرِیشِ بَیْنَهُمْ». أی وَلَکِنَّهُ یَسعَى فِی التَّحرِیشِ بَینَهُمْ بِالخُصُومَاتِ وَالشَّحنَاءِ وَالحُرُوبِ وَالفِتَنِ وَغَیرِهَا. لَقَد رَضِیَ الشَّیطَانُ بِالتَّحرِیشِ؛ لأَنَّهُ بِدَایَةٌ طَبِیعِیَّةٌ لِلعَدَاءِ وَالتَّفَرُّقِ وَالتَّنازُعِ, المُؤَدّی إِلَى الاقتِتَالِ وَذَهَابِ الرَّیحِ. وَأعظَمُ حَدِیثٍ جَامِعٍ یُبَیِّنُ مَفهُومَ النَّصِیحَةِ الشَّرعِیَّةِ وَحُدُودَهَا, هُوَ الحَدِیثُ الَّذِی رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِی صَحِیحِهِ عَنْ تَمِیمٍ الدَّارِیِّ أنَّ النَّبِیَّ صَلَّى اللهُ عَلَیهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الدِّینُ النَّصِیحَةُ». قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «للهِ وَلِکِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِینَ وَعَامَّتِهِمْ». فَهَذَا الحَدِیثُ لَهُ شَأنٌ عَظِیمٌ, فَهُوَ یَنُصُّ عَلَى أنَّ عِمَادَ الدِّینِ وَقَوَامُهُ بِالنَّصِیحَةِ, فَبِوُجُودِهَا یَبقَى الدِّینُ قَائِماً فِی الأُمَّةِ, وَبِعَدَمِهَا یَدخُلُ النَّقْصُ عَلَى الأُمَّةِ فِی جَمِیعِ شُؤُونِ حَیَاتِهَا. وَقَدْ کَانَ مَنهَجُ أنبِیَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ مَعَ أُمَمِهِمْ مَبنِیاً عَلَى النُّصحِ لَهُمْ وَالشَّفَقَةِ عَلَیهِمْ، قَالَ نُوحٌ عَلَیهِ السَّلامُ مُخَاطِباً قَومَهُ: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ). (الأعراف 62) وَقَالَ صَالِحٌ لِقَومِهِ: (فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ یَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَـٰکِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِینَ). (الأعراف 79) وَقَالَ هُودٌ لِقَومِهِ: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِینٌ). (الأعراف 68).
وَالنَّصِیحَةُ کَلِمَةٌ یُعَبَّرُ بِهَا عَنْ إِرَادَةِ الخَیرِ لِلمَنصُوحِ لَهُ, وَلا یُمکِنُ أنْ یُعَبَّرَ عَنْ هَذَا المَعنَى بِکَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَحصُرُهَا وَتَجمَعُ مَعنَاهَا غَیرِ هَذِهِ الکَلِمَةِ. وَالنَّصِیحَةُ خَمسَةُ أنَواعٍ ذُکِرَتْ فِی الحَدِیثِ الَّذِی رَوَاهُ مُسلِمٌ فِی صَحِیحِهِ عَنْ تَمِیمٍ الدَّارِیِّ, وَهِیَ:
1. النصیحة لله: وَتکُونُ بِالاعتِرَافِ بِوَحدَانِیَّتهِ وَتَفَرُّدِهِ بِصِفَاتِ الکَمَالِ وَنُعُوتِ الجَلالِ, وَتَفَرُّدِهِ وَحدَهُ بالتَّشرِیعِ, فَلا مُشَرِّعَ وَلا حَاکِمَ سِوَاهُ, إِنِ الحُکْمُ إِلَّا للهِ, أمَرَ ألَّا تَعبُدُوا إِلَّا إِیَّاهُ, وَتکُونُ النَّصِیحَةُ للهِ بِالقِیَامِ بِعُبُودِیَّتهِ ظَاهِراً وَبَاطِناً، بِاتِّباعِ جَمِیعِ أوَامِرِهِ, وَاجتِنَابِ جَمِیعِ نواهیه, وَالإِنَابَةِ إِلَیهِ کُلَّ وَقْتٍ, مَعَ التَّوبَةِ وَالاستِغفَارِ الدَّائِمِ؛ لأنَّ العَبدَ لا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّقصِیرِ فِی شَیءٍ مِنَ الوَاجِبَاتِ وَالتَّجَرُّؤِ عَلَى بَعضِ المُحَرَّمَاتِ, وَبِالتَّوبَةِ وَالاستِغفَارِ یَنجَبِرُ النَّقصُ, وَیُسَدُّ الخَلَلُ.
2. النصیحة لکتاب الله: وَتکُونُ بِجَعلِهِ دُستُورَ الأُمَّةِ, وَبِتَحکِیمِهِ فِی جَمِیعِ شُؤُونِ الحَیَاةِ, وَرَفْضِ مَا عَدَاهُ مِنَ الدَّسَاتِیرِ الوَضعِیَّةِ, وَبِتَعَلُّمِهِ وَتَعلِیمِهِ, وَفَهْمِ ألفَاظِهِ, وَتَدَبُّرِ مَعَانِیهِ, وَالمُدَاوَمَةِ عَلَى تِلاوَتِهِ وَحِفْظِهِ, وَالاجتِهَادِ فِی العَمَلِ بِهِ, وَتَطبِِیقِ جَمِیعِ أحْکَامِهِ.
3. النصیحة لرسوله: وَتکُونُ بِالإِیمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَیهِ وَسَلَّمَ، وَتَقدِیمِهِ عَلَى النَّفسِ وَالمَالِ وَالوَلَدِ، وَاتِّباعِهِ فِی أُصُولِ الدِّینِ وَفُرُوعِهِ، وَتَقدِیمِ قَولِهِ عَلَى قَولِ کُلِّ أحَدٍ, وَالاهتِدَاءِ بِهَدیِهِ، وَالنُّصرَةِ لِدِینِهِ وَسُنَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَیهِ وَسَلَّمَ.
4. النصیحة لأئمة المسلمین: وَهُمُ الخُلَفَاءُ الشَّرعِیُّونَ المُبَایَعُونَ مِنْ قِبَلِ الأُمَّةِ عَلَى الحُکْمِ بِکِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ, وَالوُلاةُ وَالأُمَرَاءُ وَالقُضَاةُ وَجَمِیعُ مَنْ لَهُمْ وَلاَیَةٌ عَامَّةٌ أو خَاصَّةٌ, وَتکُونُ هَذِهِ النَّصِیحَةُ بِاعتِمَادِ وَلاَیَتِهِمْ, وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُمْ فِی حُدُودِ طَاعَةِ اللهِ، وَحَثِّ النَّاسِ عَلَى ذَلِکَ، وَبَذلِ مَا یُستَطَاعُ فِی إِرشَادِهِمْ لِلقِیَامِ بِوَاجِبِهِمْ, وَمَا یَنفَعُهُمْ وَیَنفَعُ النَّاسَ, وَأمرِهِمْ بِالمَعرُوفِ وَنَهیِهِمْ عَنِ المُنکَرِ, وَقَولِ کَلِمَةِ الحَقِّ لَهُمْ دُونَ أنْ نَخشَى لَومَةَ لائِمِ.
5. النصیحة لعامة المسلمین: وَتکُونُ بِمَحَبَّةِ الخَیرِ لَهُمْ کَمَا یُحِبُّ المَرءُ لِنَفسِهِ, وَکَرَاهِیَةِ الشَّرِّ لَهُمْ کَمَا یَکرَهُ لِنَفسِهِ. وَلا بُدَّ فِی النَّصِیحَةِ مِنْ أرْبَعَةِ أُمُورٍ:
أولها: الإِخلاصُ للهِ تَعَالَى فِی النَّصِیحَةِ؛ لأنَّهُ لُبُّ الأَعمَالِ؛ وَلأَنَّ النَّصِیحَةَ مِنْ حَقِّ المُؤمِنِ عَلَى المُؤمِنِ, فَوَجَبَ فِیهَا التَّجَرُّدُ عَنِ الهَوَى وَالأغرَاضِ الشَّخصِیَّةِ, وَالنَّوَایَا السَّیئَةِ التِی قَد تُحبِطُ العَمَلَ, وَتُورِثُ الشَّحنَاءَ وَفَسَادَ ذَاتِ البَینِ.
وثانیها: الرِّفقُ فِی النُّصحِ, وَإِذَا خَلَتِ النَّصِیحَةُ مِنَ الرِّفْقِ صَارَتْ تَعنِیفاً وَتَوبِیخاً لا یُقبَلُ، وَمَنْ حُرِمَ الرِّفقَ فَقَد حُرِمَ الخَیرَ کُلَّهُ کَمَا أخبَرَ بِذَلِکَ نَبِیُّنا عَلَیهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ.
وثالثها: الحِلْمُ بَعدَ النُّصحِ؛ لأَنَّ النَّاصِحَ قَد یُوَاجَهَ بِمَنْ یَتَجَرَّأُ عَلَیهِ أو یَرُدَّ نَصِیحَتَهُ, فَعَلَیهِ أنْ یَتَحَلَّى بِالحِلْمِ, وَمِنْ مُقتَضَیَاتِ الحِلْمِ: السَّترُ وَالحَیَاءُ وَعَدَمُ البَذَاءَةِ, وَتَركُ الفُحشِ.
ورابعها: الصَّبرُ عَلَى الأذَى الَّذِی قَد یَلحَقُ بِالدَّاعِیَةِ مِنَ الحُکَّامِ الظَّلَمَةِ الَّذِینَ یَتَمَادَونَ فِی البَاطِلِ, وَیَرفُضُونَ الانصِیَاعَ إِلَى الحَقِّ, ویبطشون بِحَمَلَةِ الدَّعوَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). (العصر 1-3)
وَإِنَّ مِنَ الحِکْمَةِ وَالبَصِیرَةِ فِی النَصِیحَةِ مَعرِفَةَ أقدَارِ النَّاسِ, وَإِنزَالَهُمْ مَنَازِلَهُمْ، وَالتَّرَفُّقَ مَعَ أهْلِ الفَضْلِ وَالسَّابِقَةِ, وَتَخَیُّرَ وَقْتِ النُّصْحِ المُنَاسِبِ, وَتَخَیُّرَ أُسلُوبِ النُّصْحِ الْمتَّزِنِ البَعِیدِ عَنِ الانفِعَالاتِ, وَانتِقَاءِ الکَلِمِ الطَّیبِ وَالوَجْهِ البَشُوشِ وَالصَّدرِ الرَّحْبِ، فَهُوَ أوقَعُ فِی النَّفسِ وَأدْعَى لِلقَبُولِ وَأعظَمُ لِلأجْرِ عِندَ اللهِ. فَهَذِهِ هِیَ حُدُودُ النَّصِیحَةِ الشَّرعِیَّةِ, وَخِلافُ ذَلِکَ هُوَ الإِرجَافُ وَالتَّعْیِیرُ وَالغِشُّ الَّذِی هُوَ مِنْ عَلامَاتِ النِّفَاقِ عِیَاذاً بِاللهِ, قَالَ عَلِیٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: "المُؤمِنُونَ نَصَحَةٌ, وَالمُنَافِقُونَ غَشَشَةٌ". وَقَالَ غَیرُهُ: "المُؤمِنُ یَستُرُ وَیَنصَحُ, وَالفَاجِرُ یَهتِکُ وَیُعَیِّرُ ويفضحُ".
وَالنَّبِیُّ صَلَّى اللهُ عَلَیهِ وَسَلَّمَ فَسَّرَ النَّصِیحَةَ بِهَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ, الَّتِی تَشمَلُ القِیَامَ بِحُقُوقِ اللهِ، وَحُقُوقِ کِتَابِهِ، وَحُقُوقِ رَسُولِهِ، وَحُقُوقِ جَمِیعِ المُسلِمِینَ عَلَى اختِلافِ أحْوَالِهِمْ وَطَبَقَاتِهِمْ, فَشَمَلَ ذَلِکَ الدِّینَ کُلَّهُ، وَلَمْ یَبقَ مِنهُ شَیءٌ إِلَّا دَخَلَ فِی هَذَا الکَلامِ الجَامِعِ المَانِعِ المُحِیطِ, فَکَانَ لِزَاماً عَلَى المُسلِمِینَ أخْذُ النَّصِیحَةِ خُلُقاً بَینَهُمْ, فَهِیَ القَاطِعَةُ لِفَسَادِ ذَاتِ البَینِ وَالتَّحرِیشِ, وَالمُوصِلَةُ لِمَعَانِی الأُخُوَّةِ وَالمَحَبَّةِ فِی اللهِ, وَهِیَ العَامِلُ الأهَمَّ فِی تَمَاسُکِ الجَمَاعَةِ وَالأُمَّةِ, وَاللهُ المُوَفِّقُ.
مستمعینا الکرام: نَشکُرُکُم عَلى حُسنِ استِمَاعِکُم, مَوعِدُنَا مَعَكُمْ فی الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ, فَإِلَى ذَلِکَ الحِینِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِماً, نَترُکُکُم في عنایةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ,
وَالسَّلامُ عَلَیکُمْ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَکَاتُهُ.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الأستاذ محمد أحمد النادي - ولاية الأردن - 2014/9/14م