اقتصاد

الفئات الفرعية: مال أعمال
مقال مميز

تصريحات سلطان السامعي... وشهد شاهد منهم أظهر فسادهم وتبعيتهم للغرب

في مقابلة بثتها قناة الساحات، يوم الأحد 2025/8/3 فجّر الفريق سلطان السامعي، عضو المجلس السياسي الأعلى في صنعاء، جملة من التصريحات الصادمة، أبرزها اعترافه بأن المجلس السياسي الأعلى مجلس شكلي لا يملك القرار الفعلي، وأنهم عاجزون حتى عن إيقاف فاسد واحد، رغم أن الفساد يُمارَس علناً ويُدار من جهات عليا. وأشار إلى خروج أكثر من 150 مليار دولار من البلد، وتحوّل أشخاص من حفاة إلى

اقرأ المزيد
    ضرائب أجاز الشرع استيفاءها - الأستاذ أبو الصادق

  ضرائب أجاز الشرع استيفاءها - الأستاذ أبو الصادق

إن من أعظم ما فتن به المسلمون وما أصابهم من عظيم بلاء في حياتهم ومما جعلهم أسرى للكافر المستعمر وهم في بلدانهم ,هو ما ركز عليه هذا المستعمر الحاقد من أفكار تتعلق بالاقتصاد, حتى تراءى للمسلمين أن مصلحتهم تكمن في تطبيق أفكار الحكم المستوردة من عدوهم وأفكار الاقتصاد التي طبقت عملياً في جميع بلاد المسلمين, وهي الأكثر رواجاً وتأثيراً في واقع الحياة الاقتصادية في العالم الإسلامي. لقد أدخل علينا الكافر أفكارا ومفاهيم ومصطلحات تتعلق بالاقتصاد وجعلها تشمل كل نواحي الحياة الاقتصادية, ومن جملة ما أوجد من مصطلحات, مصطلح الضرائب وهو مصطلح غربي, يعني ما يفرضه السلطان على الرعية لإدارة شؤونها, فالإسلام لم يشرع ضرائب لإدارة شؤون الرعية بل جعل الواردات التي تلجُ بيت المال تكفي الأمة مهما بلغ تعدادها ومهما استلزمت من نفقات, ولا يحتاج الأمر لفرض ضرائب مباشرة أو غير مباشرة. ولكن الشرع مع ذلك احتاط فجعل حاجات الأمة قسمين أثنين: منها حاجات فرضها على بيت المال أي على الموارد الدائمة لبيت المال, ومنها حاجات فرضها على المسلمين كافة, وجعل للسلطان الحق في تحصيلها لقضاء تلك الحاجات. وهنا يبرز سؤال:هل يجوز للدولة الإسلامية أن تفرض ضرائب على المسلمين لإدارة شؤونهم؟ فالجواب على ذلك هو أن الشرع قد حدد واردات بيت المال وجعل هذه الواردات لإدارة شؤون الرعية ولم يشرع ضرائب لإدارة شؤون الرعية, ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدير شؤون الرعية بهذه الواردات, ولم يثبت عنه عليه السلام أنه فرض ضريبة على الناس مطلقا, ُوحين علمَ أن من على حدود الدولة يأخذون ضرائب على البضائع التي تدخل البلاد نهى عن ذلك فقد رويَ عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( لا يدخل الجنة صاحب مكس) ويقول في حديث أخر( أن صاحب المكس في النار) وهذا يدل على النهي عن أخذ الضرائب بالمعنى الذي اصطلح عليه الغرب والذي يستعمله حكام المسلمين اليوم. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:( لا يحل مال إمرىء مسلم إلا بطيب نفسه) وهذا عام يشمل الفرد والدولة, وأخذ الضرائب أخذٌ لمال المسلم من غير طيب نفسهُ, مما يدل على عدم جواز أخذها, إلا أن واردات بيت المال محدودة الجهات التي تستوفي منها ومحددة المقدار فقد لا تكفي لرعاية شؤون الرعية وقد توجد شؤون تحتاج إلى الرعاية وتكون واردات بيت المال قد نفذت فهل يجوز في هذه الحالة فرض ضرائب أم لا؟ والجواب على ذلك إن ما أوجبهُ الشرع على بيت المال فقط ولم يوجبه على المسلمين لا يحل للدولة فرضُ ضريبة عليهم مطلقا,فإن كان في بيت المال مالً, قامت الدولة بالإنفاق على ما تريد الإنفاق عليه,وإن لم يكن فيه مال أخرتهُ حتى يوجد لديها مال لتقوم به, ولا تفرض من أجله ضريبة لأن الشرع لم يوجب ذلك على المسلمين فلا يحل أخذ الضرائب لأن أخذها في هذه الحالة يكون ظلما وهو حرام ويعتبر فرض لم يفرضهُ الله تعالى وهو عدوان على الشرع يُعتبر فاعلهُ كافر إن اعتقد به . ومن هنا لا يحل للدولة أن تفرض ضرائب على الرعية فيما لم يوجبه الشرع وذلك مثل إعطاء رواتب للعاملين على الزكاة ومثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وإعطاء الأرقاء ليعتقوا والمدينين ليسدوا دينهم. ومثل فتح طريق ثانية مع وجود غيرها تكفي لأداء الفرض ومثل إقامة سد للمياه وإقامة مستشفى ثانِ مع وجود أخر قائم بالحاجة فهذا وَمَن في مثلِهِ لا يحل للدولة فرضُ ضرائبٍ على المسلمين لأجله لأن الشرع لم يوجب ذلك. أما ما أوجبه الشرع على بيت المال وعلى المسلمين فإنهُ إذا لم يوجد في بيت المال مال,فعندها على الدولة أن تفرض الضرائب على المسلمين بالقدر الذي يفي بالغرض, للقيام بالمصالح التي أوجبها الشرع عليهم وعلى بيت المال, وذلك لأنه ثبتَ بالنص أن الله أوجبها عليهم والإمام صاحب الصلاحية في تحصيلها منهم. والمصالح التي يشترك فيها المسلمون وبيت المال للإنفاق عليها وجوباً مثل: إعطاء الفقراء والمساكين وابن السبيل, لقوله صلى الله عليه وسلم ( أيما أهل عرصه أصبح فيهم امرؤٌ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى) وكالنفقات الواجبة للجيش والإعدادات للحرب إذا لم يوجد في بيت المال مال, لقوله سبحانه وتعالى{ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} وقوله أيضاً { والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم } وقوله صلى الله عليه وسلم ( جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم). وكذلك كل ما كان عدم القيام به يسبب ضرراً للمسلمين, كفتح طريق لا يوجد غيرها وكفتح مستشفى تقتضي الضرورةُ فتحهُ وما شاكل ذلك من كل ما يكون صرفه مستحقاً على وجه المصلحة والإرفاق دون البدل ويسبب عدم القيام به ضرراً يلحق الجماعة.لقوله صلى الله عليه وسلم {لا ضرر ولا ضرار}فأرزاق الجند والقضاة والمعلمين والموظفين فهذه الأمور التي أوجبها الشرع على المسلمين مع إيجابها على بيت المال يجوز للدولة أن تفرض ضرائب لأجل القيام بها لأن النصوص صريحة في فرضها على المسلمين. أما غير المسلمين فلا يجوز للدولة أن تأخذ منهم ضريبة أبداً لأن أمر الإنفاق مطلوب من المسلمين وليس من الذميين. إن الضريبة التي أجاز الشرع استيفاءها من المسلمين لا بد وأن تكون ما زاد على المأكل والملبس والمسكن والخادم والزواج إن لم يكُن متزوجاً وما يركبه لقضاء حاجتهِ وما شاكل ذلك,على أن الله تعالى يقول{يسألونك ماذا ينفقون قل العفو}ولقول الرسول عليه السلام( أفضل الصدقةِ ما كان عن ظهرِ غنى ) وقوله صلى الله عليه وسلم( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) . كما أنه يحرم على الإمام أن يأخذ من الرعيةِ مالم يجبُ عليهم دفعه,فعليه ان لا يأخذ الإ ما يكفي لمعالجة الحالة التي أراد أخذ الضريبة لها,أما ان يأخذ من كل الرعية من فقيرهم وغنيهم,وما يُحتاج له وما لا يُحتاج,كما هو حاصلٌ في هذه الأنظمة الظالمة اليوم,فهو تعدٍ على المسلمين وأكلٍ لأموالهم بالباطل, وتعدٍ على شرع الله تعالى وحدوده,يقول تعالى{ إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين }.

قراءة في كتاب النظام الإقتصادي في الإسلام ح3- من منشورات حزب التحرير - الأستاذ أبي عبد الله التحريري

قراءة في كتاب النظام الإقتصادي في الإسلام ح3- من منشورات حزب التحرير - الأستاذ أبي عبد الله التحريري

أيها الإخوة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد،،هذا أخوكم أبو عبدالله التحريري يلتقيكم في حلقة جديدة مع كتاب "النظام الإقتصادي في الإسلام"، للشيخ الراحل، تقي الدين النبهاني، عليه رحمة الله تعالى، لنكمل ما بدأناه في الحلقة الماضية، والتي أنهينا فيها جولة سريعة في: الملكية، وتنميتها، وأسباب تملكها، والتصرف فيها ، وبذلك نكون قد جئنا على الملكية الفردية.والآن نبدأ قراءتنا معكم في عنوان جديد من عناوين هذا الكتاب الراقي، وهذا العنوان هو: "الملكية العامة". وابتدأ المؤلف بتعريف الملكية العامة بقوله:"هي إذن الشارع للجماعة بالإشتراك في الإنتفاع بالعين"، وهي ثلاثة أنواع كما نص عليها المؤلف: 1- ما هو من مرافق الجماعة، بحيث إذا لم تتوفر لبلدة أو جماعة تفرقوا في طلبها.2- المعادن التي لا تنقطع.3- الأشياء التي من طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الفرد بحيازتها." انتهى كلام المؤلف. واسترسل المؤلف في ذكر الأدلة والتفصيل في العلة لهذا الحكم، وضرب الأمثلة على كل نوع من الأنواع الآنفة الذكر. ثم انتقل إلى ملكية الدولة، فعرفها قائلا: "وملك الدولة هو ما كان الحق فيه لعامة المسلمين، والتدبير فيه للخليفة، يخص بعضهم بشيء من ذلك، حسب ما يرى." انتهى.وانتقل المؤلف ليفصِّل في معنى التأميم، وأنه ليس من الإسلام، بل هو من ترقيعات النظام الإقتصادي الرأسمالي، وأن التأميم ليس من الملكية العامة، ولا ملكية الدولة.ثم تطرق الشيخ الفاضل -عليه رحمة الله- إلى عنوان جديد هو: "الحمى من المنافع العامة" وهذا الموضوع مبني على ما رواه أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا حمى إلا لله ولرسوله"، قال المؤلف: "ومعنى الحديث، ليس لأحد أن يحمي ما هو لعموم المسلمين إلا الله ورسوله، فلهم أن يحموا أي شيء يرونه... والحمى المنهي عنه في الحديث يشتمل أمرين: الأول الأرض الميتة التي لكل واحد من الناس أن يحييها ويأخذ منها، والثاني أن تُحمى الأشياء التي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فيها شركاء، وهي الماء والكلأ والنار، كأن يختص بقناة الماء فيسقي زرعه، ثم يمنعها عن غيره حتى يسقي زرعه." انتهى كلام المؤلف.وما ان انتهى المؤلف من هذا الموضوع، بدأ يبحث في "المصانع"، والمصانع تأخذ حكم المادة التي تصنعها، فمصانع الخمر حرام، ومصانع الأحذية حلال، وإن كانت المصانع تعمل في صناعة ما هو من الملكية العامة، تكون المصانع هذه من الملكية العامة، وتديرها أو تمتلكها الدولة نيابة عن المسلمين. وهناك تفاصيل أخرى نتركها لكم، أيها المستمعون الكرام.والآن بدأ المؤلف عنوانا جديدا وهو "بيت المال"، و"بيت المال هو الجهة التي تختص بكل دخل، أو خرج، لما يستحقه المسلمون من مال." و "واردات بيت المال الدائمة هي: الفيء، والغنائم، والأنفال، والخراج، والجزية، وواردت الملكية العامة بأنواعها، وواردات أملاك الدولة، والعشور، وخمس الركاز، والمعدن، وأموال الزكاة" هكذا عرف المؤلف بيت المال وسرد موارده. ومن موارد بيت المال الضرائب التي تفرض على الأغنياء فقط في حال لم تف واردات بيت المال الدائمة لسد النفقات الضرورية. ثم فصل المؤلف كيف ومتى تجبى الضرائب، و سرد قواعد نفقات بيت المال، ثم فصل في دليل كل مورد ومصرف. ومن الجدير بالذكر انه نص أنه لا ميزانية سنوية لبيت المال، لأن واردات ونفقات بيت المال محددة بأحكام شرعية، ولكونها كذلك فلا حاجة لموافقة مجلس الأمة أو سواه، والخليفة يخصص ما يشاء من الأموال لأي مصرف حسب ما يرى مناسبا في حينه.وبعد أن أنهى المؤلف موضوع بيت المال، انتقل ليناقش "توزيع الثروة بين الناس" و "التوازن الإقتصادي في المجتمع"، وخلاصة القول هي قوله تعالى: "كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم". فالدولة حين ترى خللاً في التوازن الإقتصادي، تعطي للمحتاجين حتى تقلل الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وذكر المؤلف هذا الموضوع بالتفصيل مع الأدلة الشرعية.ثم انتقل لموضوع آخر له علاقة بالتوازن الإقتصادي، وهو: "منع كنز الذهب والفضة"، وذلك يمنع استئثار أفراد بأداة التبادل التجاري والإقتصادي في المجتمع، وهي الذهب والفضة، وهذا الإستئثار يولد بطالة، وفقرا، وسوء توزيع للثروة، وهبوط في مستوى الدخل للفرد.هذه أمور مستفادة من الحكم الشرعي الذي يحرم كنز الذهب والفضة. قال الله تعالى: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم".ولما أنهى الشيخ، تقي الدين النبهاني، عليه رحمة الله تعالى، موضوع كنز الذهب والفضة، تطرق لـ "الربا والصرف"، فبين حكم الربا بأنواعه، وبين حكم الصرف ، وهو كما عرفه المؤلف: "والصرف هو أخذ مال بمال من الذهب والفضة من جنس واحد متماثلين، أو من جنسين مختلفين متماثلين، أو متفاضلين". وبحث المؤلف الموضعين بالتفصيل من ناحية الموضوع، ومن ناحية الأدلة الشرعية والأحكام المبنية عليها.وبحث الشيخ، العالم الفاضل، عليه رحمة الله، النقود، وعرفها بقوله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد"، والإسلام ترك للناس أن يتراضوا بما يرونه مناسبا بينهم حول تقييم السلع والجهود بما تساويه من نقود. وجعل الإسلام الذهب والفضة أساس النقود، يقول المؤلف: "إلا أنه ليس معنى تعيين الذهب والفضة وحدهما نقدا أنه لا يجوز التبادل بغيرهما. فموضوع النقد هنا ليس موضوع التبادل، بل هو موضوع اتخاذ نقد. فإنه مع جواز التبادل بين الناس بكل شيء، إلا أن اتخاذ مقياس نقدي للتبادل ولغيره لا بد من أن يكون الذهب والفضة، لأن النقد في الإسلام هو الذهب والفضة." إنتهى.وبعد ذلك تطرق الشيخ تقي الدين النبهاني، مؤسس حزب التحرير، إلى "نظام الذهب"، و "فوائد نظام الذهب"، و "مشاكل نظام الذهب"، و "نظام الفضة"، و "النقود المعدنية"، و "النقود الورقية"، و"إصدار النقود"، و "سعر الصرف"، كل هذا تطرق له المؤلف بتفصيل، ومقارنة، وبيان للحكم الشرعي ودليله.وآخر موضوع رئيسي تطرق له المؤلف هو: "التجارة الخارجية". قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "والفرق بين التجارة الداخلية، والتجارة الخارجية، أن التجارة الداخلية هي عمليات البيع والشراء بين أفراد الأمة والواحدة، وهذه ينطبق عليها أحكام البيع التي ذكرها الفقهاء، ولا تحتاج إلى أية مباشرة من الدولة، حتى ولا إشراف مباشر، وإنما تحتاج إلى إشراف عام، في إلزام الناس بأحكام الإسلام في البيع والشراء، ومعاقبة المخالفين لها، كأية عملية من عمليات المعاملات، كالإجارة، والزواج، وغير ذلك. أما التجارة الخارجية، فهي عمليات البيع والشراء التي تجري بين الشعوب والأمم، لا بين أفراد دولة واحدة. سواء أكانت بين دولتين، أم كانت بين فردين، كل منهما من دولة غير الأخرى، يشتري بضاعة لينقلها إلى بلاده، فهي كلها تدخل تحت سيطرة علاقة دولة بدولة. ولذلك تباشر موضوع التجار الحربيين والمعاهدين، فهي تباشر التجارة مطلقا، وتباشر موضوع التجار من رعاياها. أما رعاياها فيكفي الإشراف عليهم في التجارة الخارجية، كالتجارة الداخلية، إذ هم من العلاقة الداخلية." انتهى كلام المؤلف. والتجارة الخارجية متعلقة بالتاجر وحكمه، وحسب حكمه يكون حكم المال الذي يتاجر به ما دام المال نفسه مقوما من الناحية الشرعية، ولا علاقة ولا أهمية لمنشأ المال، وذلك لأن الحكم الشرعي هو "خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد"، وهذا متعلق بالإنسان، أي متعلق بالفرد، وليس متعلقا بالمال نفسه، وعليه ينظر للتاجر وحكم هذا التاجر، ولا ينظر لبلد منشأ المال. والتاجر إما من رعايا الدولة الإسلامية، مسلما كان أم ذميا، وإما معاهد، وأما حربي. فمن كان من رعايا الدولة الإسلامية فيحرم عليه أن يحمل أي سلعة تعين الحربيين حكما على المسلمين من الناحية الحربية ومتعلقاتها، لأن في ذلك تعاون على الإثم والعدوان، قال تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان". أما الإتجار مع المحارب فعلا، فهو حرام بغض النظر عن نوعية السلعة. وبالنسبة للإتجار مع المعاهدين، فيكون حسب نصوص المعاهدة بيننا وبينهم. وبالنسبة للإتجار مع الحربيين، فله أحكام متعددة، وشروط لدخول الدولة الإسلامية، وكذلك حكم الجمارك والعشور، تجدونها كلها مبسوطة -أيها المستمعون الأكارم- في هذا الكتاب الرائع، كتاب: "النظام الإقتصادي في الإسلام".أما "واقع التجارة الخارجية"، فقد نص المؤلف على أن للتجارة الخارجية فائدة كبرى للربح الحقيقي، ونص قائلا: "والسبب الرئيسي لقيام التجارة الدولية، هو الاختلاف في نسب تكاليف السلع المختلفة بين دولة وأخرى. ومن صالح الدول أن تقوم التجارة الدولية بينها، متى اختلفت فيها نسب التكلفة النسبية." انتهى.وهنا نود أن نقول أنه بقيام الدولة الإسلامية، وبتوحيد المسلمين وأراضيهم، نجد أن أمة "لآ إله إلا الله، محمد رسول الله" تكاد تكون مستغنية بنفسها عن غيرها، لما عندها من مصادر، ومواد خام، وأيدي عاملة، وصناعة، بحيث أن ما ينقص أهل مِصر يعوضه أهل مِصر آخر، وكل هذا داخل الدولة، فيكون عندها إكتفاء ذاتي حقيقي، مما يجعل من الصعب على أي عدو أو دولة لها أطماع فينا أن تتمكن من أن يكون لها سبيل علينا بواسطة السلع والخدمات، بل على العكس من ذلك، فالعالم بحاجة لنا ولما لدينا، وبالتالي نسخر ذلك في خدمة دعوتنا ومصلحة أمتنا. وهذا ما أشار إليه المؤلف في نقاشه للميزان التجاري، حيث يقول: "... ولا يصح أن يحرص على أن يكون الميزان التجاري لصالحنا، إلا إذا لم تكن للدولة أغراض أخرى. أما إذا كان لها أغراض أخرى تتعلق بالمبدأ، أو الدعوة له، أو تتعلق بالإعداد الصناعي، أو تتعلق بسد الحاجات، أو تتعلق بأمور سياسية، بالنسبة لموقف الدولة التي نتعامل معها تجاريا، وما نريده أن يكون عليه، أو بالنسبة للموقف الدولي وما يؤثر فيه، فإنه يتبع الغرض المقصود، ويضحى بأن يكون الميزان التجاري في غير صالحنا. فالنظرة التجارية، وإن كانت نظرة ربح، ولكنها في نفس الوقت نظرة دولة، لا نظرة فرد، فيراعى فيها هدف الدولة وكيانها، قبل الربح التجاري."وبما أن هناك تجارة خارجية، فهذا يعني تبادلا للسلع والخدمات بأثمانها، ومن أجل توضيح ذلك أفرد الشيخ تقي الدين النبهاني عنوانا هو: "العلاقات النقدية بين الدول". والخلاصة هي ما نص عليه المؤلف بقوله: "إلا أنه لا يجوز أن نضحي بعملتنا فنعرضها للاضطراب، وزعزعة الثقة بها في سبيل إيجاد علاقة تجارية، أو إقتصادية، بل يجب أن نجعل تحكمنا نحن في العلاقات الاقتصادية الخارجية -تجارية كانت، أو غير تجارية- أساسا من أسس هذه العلاقات. وبذلك يتيسر لنا المحافظة على عملتنا، مع حصولنا على العملات الأجنبية التي نريدها". انتهى.وآخر عنوان رئيسي تطرق إليه الشيخ تقي الدين النبهانيّ، في كتابه "النظام الإقتصادي في الإسلام"، هو "سياسة التجارة الخارجية"، موضحا أن السياسة للتجارة الخارجية تختلف باختلاف وجهات النظر عن الحياة، وباختلاف النظرة للمصلحة الإقتصادية، فمثلا الإقتصاديون الرأسماليون لهم مذاهب مختلفة في النظرة إلى التجارة الخارجية منها:1- حرية المبادلة: وتعني أن يتم التبادل بين الدول بدون قيد أو شرط أو رقابة. وهذه مخالفة للإسلام لأن في الإسلام الدولة مسؤولة عن التجارة وهي تنظمها وتمنع الإتجار مع دولة وتسمح بها مع أخرى حسب تصنيف الدول من معاهدة، ومحاربة حكما، ومحاربة فعلا. وعليه لا يجوز الأخذ بهذه النظرية في التجارة الخارجية.2- الحماية التجارية: وهذه "تقتضي بأن تتدخل الدولة لتحقيق توازن المبادلات مع الخارج. والقصد من الحماية التجارية هو التأثير في الميزان التجاري ومعالجة العجز." وهذه النظرية قاصرة جدا بالنظر إلى الدورالمنوط بالدولة في الإسلام، حيث تتدخل لإيجاد توازن، وسد عجز، ولأغراض سياسية، واقتصادية، وأغراض تجارية، ولحمل الدعوة الإسلامية إلى الخارج. إذا فهذه النظرية خداج لا يؤخذ بها.3- الإقتصاد القومي: وهذه النظرية تفرض الحماية التجارية للصناعة، وتفرض ما يلزم من قيود على الصادرات والواردات الصناعية وحدها، وتبقي حرية المبادلة الزراعية دون قيود. وهذه النظرية مخالفة للإسلام، لأن الدولة الإسلامية تراقب الصادرات والواردات الصناعية والزراعية من وإلى الدولة الإسلامية، وذلك حسب تصنيف التاجر وحسب نظرة الدولة الإسلامية للبلد الذي يتاجر معه، والوضع الدولي، وسياسة حمل الدعوة إلى الخارج. وبالتالي هذه النطرية تُرد.4- السياسة االاكتفائية: وهذه النظرية تعني عمل بلد من البلدان على أن تكون عنده كفاية ذاتية داخلية فلا يصدر ولا يستورد. وهذه تنقسم إلى قسمين، هما: الإنعزالية والتوسعية، "فالانعزالية هي التي تكون فيها الحاجات الأساسية متوفرة. والتوسعية في مدى معين تكون بالضم، أو بالمعاهدات، من أجل توفير الحاجات اللازمة، سواء أكانت حاجات أساسية أم كمالية." يقول المؤلف: "والناظر في السياسة الاكتفائية لا يجدها معالجة تجارية، ولا معالجة اقتصادية، وإنما هي تدبير وقائي مؤقت لما يعترض الدولة من حصار اقتصادي، أو تجاري... فهي داخلة في بحث الأساليب، وليست في بحث الأحكام. ولذلك لا يقال ما هو الحكم الشرعي في شأنها، ولا يقال أنها تناقض الإسلام أو تخالفه، بل هي أسلوب من الأساليب التي تتبع ... فهي تدخل في باب رعاية المصالح التي يتولاها الخليفة، والتي جعل الشرع له أن يقرر ما يراه مناسبا من الأساليب، وما يرى فيه مصلحة للمسلمين." انتهى كلام المؤلف. وهنا لابد أن نلفت النظر إلى ان المؤلف في طيات رده على هذه النظريات لسياسة التجارة الخارجية قد وضع نظرة الإسلام للسياسة التجارية الخارجية، فلا يسأل سائل، وأين هي سياسة الإسلام في هذا الشأن.وبهذا يكون المؤلف، الشيخ تقي الدين النبهاني، نسأل الله أن يرحمه رحمة واسعه وأن يدخله فسيح جنانه، قد أنهى موضوع النظام الإقتصادي، وبحثه بحثا قل نظيره، إن لم ينقطع، في كتابه "النظام الإقتصادي في الإسلام".مستمعينا الكرام، أنا في هذه العجالة قدمنا لكم قراءة خاطفة لكتاب عظيم، في موضوعه، وبحثه، واستدلاله، ووجهة نظره. ومن المؤكد أن هذه القراءة لا تغني عن قراءة الكتاب بأي صورة أو شكل. وليكن واضحا لكل من يقرأ هذا الكتاب، أن كتاب "النظام الإقتصادي في الإسلام" وُضع للأخذ به ووضعه موضع التطبيق والتنفيذ، ولم يوضع للترف الفكري أو السفسطة النظرية، بل هو أحكام شرعية، مبنية على عقيدة كلية، لحل مشاكل الإنسان، وتنظيم حياته. مستمعينا الكرام، وإلى أن نلقاكم في قراءة جديدة في كتاب جديد، هذا أخوكم أبو عبدالله التحريري يستودعكم الله تعالى الذي لا تضيع ودائعه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبو عبدالله التحريري

قراءة في كتاب النظام الإقتصادي في الإسلام ح2- من منشورات حزب التحرير - الأستاذ أبي عبد الله التحريري

قراءة في كتاب النظام الإقتصادي في الإسلام ح2- من منشورات حزب التحرير - الأستاذ أبي عبد الله التحريري

أيها الإخوة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد،، هذا أخوكم أبو عبدالله التحريري يلتقيكم ثانية مع كتاب "النظام الإقتصادي في الإسلام"، لنكمل ما بدأناه في الحلقة الماضية، والتي أنهينا فيها جولة سريعة في "مقدمة في الإقتصاد"، أتحفنا فيها الشيخ الراحل، تقي الدين النبهاني، عليه رحمة الله تعالى، بأن بين زيف النظامين الإقتصاديين الرأسمالي والإشتراكي. والآن نبدأ قراءتنا معكم في عنوان جديد من عناوين هذا الكتاب الراقي، وهذا العنوان هو: "الإقتصاد". وابتدأ المؤلف بتعريف الإقتصاد لغة وأوضح بقوله:"وإنما المقصود هو المعنى الإصطلاحي لمسمى معين، وهو تدبير شؤون المال، إما بتكثيره وتأمين إيجاده، ويبحث فيه علم الإقتصاد، وإما بكيفية توزيعه، ويبحث فيه النظام الإقتصادي." انتهى. ثم عرج على التفريق ثانية بين علم الإقتصاد ونظام الإقتصاد، والذي تطرقنا له في الحلقة الماضية. وبعد هذا التفريق الذي بدأ به المؤلف، رحمه الله، إختتم بخلاصة معنى النظام الإقتصادي، فقال:"وعلى ذلك فالأساس الذي يبنى عليه النظام الإقتصادي قائم على ثلاث قواعد هي: الملكية، والتصرف بالملكية، وتوزيع الثروة بين الناس" ، لينتقل بنا إلى عنوان جديد هو"نظرة الإسلام إلى الإقتصاد". ولخص المؤلف نظرة الإسلام إلى الإقتصاد بعد أن فصَّل في مادة الثروة، والإنتفاع بها وإنتاجها، بقوله: "وعلى هذا فإنه يتبين أن الإسلام ينظر في النظام الإقتصادي، لا في علم الإقتصاد، ويجعل الإنتفاع بالثروة، وكيفية حيازة هذه المنفعة موضوع بحثه، ولم يتعرض لإنتاج الثروة، ولا إلى وسائل المنفعة مطلقا." أنتهى كلام الشيخ تقي الدين. وانتقل بنا الشيخ تقي الدين - رحمه الله تعالى - إلى عنوان آخر وهو: "سياسة الإقتصاد في الإسلام". وهذه السياسة قائمة على إشباع حاجات الإنسان الإساسية إشباعا تاما، وهذه الحاجات الأساسية هي المأكل والملبس والمسكن، وإشباع ما أمكن من حاجاته الكمالية، بوصفه إنسانا ، وفرد ذا فردية، ولكن يعيش في مجتمع له أفكاره ومشاعره وأنظمته. يقول المؤلف: "وهكذا يشاهد أن سياسة الإقتصاد في الإسلام مبنية على أساس إشباع الحاجات لكل فرد، باعتباره إنسانا يعيش في مجتمع معين، وعلى كسب الثروة لتوفير ما يشبع الحاجات، وقائمة على فكرة واحدة هي تسيير الأعمال بالأحكام الشرعية ومنفذة من كل فرد بدافع تقوى الله، وبالتنفيذ من قبل الدولة، بالتوجيه وبالتشريع." انتهى ثم انتقل المؤلف إلى آخر عنوان من عناوين "الإقتصاد" وهو: "القواعد الإقتصادية العامة"، ليجعل من هذا العنوان توطئة لباقي أبحاث الإقتصاد التي سيبحثها. أما هذه القواعد فهي ثلاث، كالتالي: القاعدة الأولى: الملكية. الملكية أصلا لله تعالى، قال الله تعالى: "وءاتوهم من مال الله الذي ءاتاكم"، والله تعالى استخلفنا استخلاف تمليك في هذا المال، فقال: "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه"، وقال: "خذ من أموالهم صدقة تزكيهم وتطهرهم بها"، والملكية الفعلية تصبح للفرد إذا أذن الله له أن يتملك، أي تكون ملكيته شرعية، وهذا يكون إذا تملك الفرد بسبب أجازه الله تعالى، وهو مالك الملك عز وجل. والملكية ثلاثة أنواع هي: فردية، وجماعية أو عامة، وملكية دولة. القاعدة الثانية: التصرف بالملكية: والتصرف في ملكية الدولة راجع للدولة حسب أحكام الشرع الحنيف، والتي تظهر فيها أحكام بيت المال. أما الملكية العامة، فموكولة بها الدولة بالتصرف حسب أحكام الشرع، وأما الملكية الفردية فأحكامها واضحة مع أحكام بيت المال وأحكام كالهبة وأحكام المعاملات. يقول المؤلف: "وقد أجاز الشارع للدولة وللفرد التصرف بملكيتهما بالمبادلة والصلة، وغير ذلك بحسب الأحكام التي بينها الشرع". انتهى كلام المؤلف. القاعدة الثالثة: توزيع الثروة: يقول المؤلف: "وأما توزيع الثروة بين الناس فإنه يجري في أسباب التملك، وفي العقود طبيعيا. غير ان تفاوت الناس بالقوى، وفي الحاجة إلى الإشباع، يؤدي إلى تفاوت التوزيع للثروة بين الناس. ويجعل احتمال الإساءة في هذا التوزيع موجودا، فيترتب على هذه الإساءة في التوزيع تجمع المال بين يدي فئة، وانحساره عن فئة أخرى، كما يترتب عليها كنز أداة التبادل الثابتة، وهي الذهب والفضة. ولذلك جاء الشرع يمنع تداول الثروة بين الأغنياء فقط، ويوجب تداولها بين جميع الناس، وجاء يمنع كنز الذهب والفضة، ولو أخرجت زكاتهما." انتهى كلام الشيخ تقي الدين، عليه رحمة الله تعالى. وبعد هذه التوطئة، شرع العالم الجليل، الشيخ تقي الدين النبهاني ببحث أنواع الملكية وأسبابها، فبدأ بالملكية الفردية، حيث نص على أن تملك الفرد للثروة أمر فطري، وهو راجع لغريزة حب البقاء، وحتمي في نفس الوقت كي يبقى الفرد على قيد الحياة، وأي إخلال في ذلك يكون مخالفة لفطرة الإنسان محدثا قلقا واضطرابا له، وقد يهدد وجوده في حالات منعه من التملك لإشباع حاجاته الأساسية. ولكن لابد من أن يحدد الكيف الذي يكون به التملك، ولا يحدد الكم، فبتحديد الكيف ضمان أن لا يأكل القوي الضعيف وان يتاح لجميع الأفراد حيازة الثروة، وعدم التحديد بالكم كي يبقى عند الإنسان الدافع للعمل والإنتاج وهو من متطلبات الفطرة. أما ما هي هذه الملكية، فإنها "حكم شرعي مقدر بالعين أو المنفعة، يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالشيء، وأخذ العوض عنه." قد يبدو هذا التعريف معقدا ولكنه على عكس ذلك، فقوله (حكم شرعي) أي أنه من الله تعالى أي من الشارع عز وجل، وقوله (أنه مقدر بالعين) أي انه متعلق بالعين وهي الأشياء المنقولة وغير المنقولة، مثل رغيف الخبز أو البيت، قوله (أو المنفعة) وهي مثل منفعة خدمة الطبيب أو المهندس أو المدرس، وقوله (يقتضي تمكين من يضاف إليه) أي من يحوز هذه العين أو المنفعة، وقوله (من انتفاعه بالشيء) أي أن الحكم الشرعي هو الذي أجاز لحائز هذه العين أو المنفعة أن ينتفع بها هو كأن يأكل الرغيف أو أن يبيعه فيأخذ بذلك (العوض عنه). وهذا التعريف الجامع المانع يحدد لنا أن الشارع هو الذي يعطي الإذن بالحيازة للعين أو المنفعة، وبطريقة هذه الحيازة، وبكيفية التصرف بها. قال المؤلف: "والمال الحلال هو الذي ينطبق عليه معنى الملكية، والمال الحرام ليس ملكا، ولا ينطبق عليه معنى الملكية" انتهى. وحين يتم التملك حسب المقتضيات الشرعية، تكون لهذه الملكية حرمة يمنع الشرع التعدي عليها، ويضع العقوبات الزواجر على كل من يتعدى عليها بالسرقة، أو بالسلب، أو خلافه. وينتقل بنا الشيخ تقي الدين إلى فكرة اخرى فيقول: "والإسلام حين يحدد الملكية لا يُحَدِّدها بالكمية، وإنما يُحَدِّدها بالكيفية ويظهر هذا التحديد بالكيفية بارزا في الأمور الآتية: 1-بتحديدها من حيث أسباب التملك، وتنمية الملك، لا في كمية المال المملوك. 2-بتحديد كيفية التصرف. 3-بكون رقبة الأرض الخراجية ملكا للدولة لا للأفراد. 4-بصيرورة الملكية الفردية ملكا عاما جبرا في أحوال معينة. 5-بإعطاء من قصرت به الوسائل عن الحصول على حاجته ما يفي بتلك الحاجة في حدودها." انتهى وبعد هذا الشرح حول معنى الملكية، وماهيتها، انتقل بنا الشيخ الجليل إلى عنوان آخر، وهو: "أسباب تملك المال"، وابتدأ بالتفصيل أن البحث هنا حول تملك المال ابتداءً، وليس تنمية المال، لأن تنمية المال تعني أنه مُحاز عند صاحبه، وليس تبادل السلع والخدمات بالمال أو مقايضة، لأن هذا يعني حيازة المال كي تتم المبادلة، فالموضوع في سبب التملك هو حيازة المال في حال عدم تملكه أو حيازته أصلا، وفي هذا يقول المؤلف -عليه رحمة الله-: "فأسباب الملك هي أسباب حيازة الأصل. واسباب تنمية الملك هي أسباب تكثير أصل المال، الذي سبقت حيازته بسبب من أسباب التملك... وباستقراء الأحكام الشرعية التي تقتضي ملكية الشخص للمال يتبين أن أسباب التملك محصورة في خمسة أسباب هي: أ‌-العمل ب‌-الإرث. ج -الحاجة إلى المال لأجل الحياة. د -إعطاء الدولة من أموالها للرعية. هـ -الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مالٍ أو جهدٍ.". انتهى أما العمل، فيندرج تحته عدة عناوين والتي تكون أسبابا للتملك وهي: إحياء الموات، واستخراج ما في باطن الأرض، أو الهواء، والصيد، والسمسرة والدلالة، والمضاربة، والمساقاة، وأخيرا العمل للآخرين بأجر. وفي كل واحد من هذه الأسباب أورد المؤلف تعريفه ودليله وحدوده الشرعية، والمقام الآن لا يتسع لذكر كل هذه التفاصيل، ونتركها للمستمع الكريم ليراجعها بنفسه. وأما الإرث، فقد أوضح المؤلف -رحمه الله رحمة واسعة- أنه من الأسباب الشرعية التي يتملك بها الإنسان المال، وأن الإرث واقعه أنه يفتت الثروة فلا تبقى بحوزة شخص أو أشخاص دون غيرهم، وهذا الأمر، وهو تفتيت الثروة، واقع مستفاد من الإرث وليس علة حكم الإرث. وأما السبب لثالث وهو: الحاجة للمال من أجل الحياة، فينطبق على العاجز الذي لا يستطيع العمل ولا يوجد من يعيله من أهله المفروض عليهم إعالته، أو في حال المجاعة وما شاكلها من ظرف، ففي هذه الأحوال يجب على الدولة النفقة على العاجز بعد أن لا يكون هناك من يعوله من أهله وفي هذه الحال له حقان، حق أن تنفق عليه الدولة وحق في الزكاة، فإن لم ينفق عليه من تجب عليهم نفقته، ولم تنفق عليه الدولة، ولم يلتفت إليه أحد من أهل حيه، ففي هذه الحال له أن يأخذ ما يسد رمقه ويبقيه على قيد الحياة من أي مكان ومن أي بيت ومن أي شخص ، وليس له أن يأكل الميتة ما دام الناس ليسوا في مجاعة، فإن كان الناس في مجاعة فله أن يأكل الميتة، وله أن يسرق من غيره من الناس طعاما ولا يقام عليه حد السرقة لما روى أبو أمامة أن الرسول عليه السلام قال: "لا قطع في زمن المجاعة". أما السبب الرابع من أسباب التملك فهو: إعطاء الدولة من أموالها للرعية، وذلك لسد حاجات الأفراد فتعطي الدولة من أملاكها للفرد المحتاج دون مقابل، أو أن تعطي الدولة للأفراد من أملاكها كي تستفيد من جهدهم، كأن تعطي الدولة للأفراد أرضا معطلة المنفعة فيستصلحونها للزراعة أو الصناعة أو غير ذلك، ويدخل ضمن هذا السبب الغنائم والسلب الذي يعطيه الخليفة للمحاربين. والسبب الخامس هو: الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد، وهذه تنقسم إلى خمسة أقسام هي: "صلة الأفراد بعضهم البعض" كالهدية والوصية، و"إستحقاق الأموال عوضا عن ضرر من الأضرار التي لحقته، وذلك كدية القتيل، وديات الجراح"، و"استحقاق المهر وتوابعه بعقد النكاح"، و"اللقطة"، وأخيرا "تعويض الخليفة، ومن يعتبر عملهم حكما، فإنه لا يكون مقابل عملهم، وإنما هو مقابل حبسهم عن القيام بأعمالهم". أيها المستمعون الكرام، بعد بيان أسباب التملك، شرع المؤلف -عليه رحمة الله تعالى- ببيان النقطة الثانية من نقاط كيف أن الإسلام حدد الكيف بالنسبة للتملك والإقتصاد بشكل عام. وهذه النقطة هي: "كيفية التصرف بالمال". والتصرف بالمال إنما يكون إذا أذن الشارع الحكيم بالتصرف فيه، ومعنى حق التصرف بالعين هو: "... الإنتفاع بها، وهو المعنى المراد من ملكيتها، أو هو أثر هذه الملكية. وحق التصرف في العين المملوكة يشمل حق التصرف في تنمية الملك، وحق التصرف بالإنفاق صلةً ونفقةً". وتنمية الملك تختلف عن تتنمية المال، فتنمية المال هي بالأساليب التي تكثرة وهي مطلقة في الإسلام ما لم تخالف حكما شرعيا، وذلك لأنها من صميم علم الإقتصاد. أما تنمية الملك فهي بتكثيرهذه المالية بكيفية أو كيفيات معينة حددها الشرع الحنيف، وهي من النظام الإقتصادي. ونص الشيخ الفاضل على أن "الأشياء التي يشتغل فيها الإنسان، للحصول على المال، أو تنميته، هي الزراعة، والتجارة، والصناعة... والأحكام المتعلقة بالزراعة، والتجارة، والصناعة، هي التي تبين الكيفية التي ينمي بها الفرد ملكيته للمال... ولذلك كانت تنمية الملكية مقيدة بالأحكام التي جاء الشرع بها، وهي أحكام الأراضي وما يتعلق بها، وأحكام البيع والشركة وما يتعلق بها، وأحكام الأجير والاستصناع." وقد قام المؤلف بالتطرق لكل نوع من هذه الكيفيات بالتفصيل الشرعي، وبالأدلة الشرعية. فذكر أحكام الأراضي وتقسيمها من خراجية وعشرية وبين أحكام إحياء الموات، كما بين حكم حرمة تأجير الأرض للزراعة، ثم تطرق للبيع والإستصناع مبينا حكم كل واحد منها، ليتنتقل إلى أحكام الشركات، من شركة عنان، وأبدان، ومضاربة، وشركة الوجوه، والمفاوضة، وختم بأن بين أحكام فسخ الشركة. وبعد أن أسس المؤلف لنا أنواع الشركات المقبولة وأحكامها الشرعية، بدأ بذكر الشركات الرأسمالية، من شركة تضامن، وشركات مساهمة، وبين مخالفتها للشرع الإسلامي وأنها لا تمت للإسلام وأحكامه بصلة، وأنها شركات باطلة أصلا. ولما انتهى من ذلك بدأ بالحديث عن "أسهم شركة المساهمة"، وأنها مال غير مُقَوَّم، أي أنها غير معترف بها شرعا، وأنها مال حرام، وذكر أحكام هذا المال وبيان كيفية التخلص منه، وكيف يأخذ الفرد رأس ماله من هذه الشركات وهكذا. ولما فرغ من ذلك، نقض من الناحية الشرعية الجمعيات التعاونية، والتأمين. ولكون الموضوع الذي يطرقه المؤلف هو: "تنمية الملك"، أورد تحت عنوان منفصل المحرمات في تنمية الملك، وهذا العنوان هو: "الطرق الممنوع تنمية الملك بها"، وتحت هذا العنوان أورد الدليل الشرعي على حرمة القمار، وحرمة الربا، وحرمة الغبن الفاحش وهو الزيادة أو النقصان من قيمة السلعة بشكل كبير، وحرمة التدليس في البيع وهو إخفاء ما في السلعة من عيب بالنسبة للبائع، وإخفاء ما في الثمن من عيب بالنسبة للمشتري، وحرمة الإحتكار في أي نوع من أنواع السلع، طعاما كانت أم غيره، وذكر الدليل على حرمة التسعير من قبل ولي الأمر أو أي أحد من أفراد طاقم الحكم لما رواه أحمد عن انس بن مالك -رضي اله عنه- قال: "غلا السعر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله لو سعرت. فقال: إن الله هو الخالق، القابض، الباسط، الرزاق، المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطلبني أحدٌ بمَظْلِمَة ظلمتها إياه، في دم، ولا مال". والجانب الآخر من جوانب حق التصرف، هو: "حق التصرف بالإنفاق والصلة"، "وإنفاق المال هو بذله بلا عوض"، هكذا عرفه المؤلف -عليه رحمة الله تعالى. قال الله تبارك وتعالى: "لينفق ذو سعة من سعته"، والإنفاق في حياة الفرد تكون بالهدية، والهبة، والصدقة، وبإنفاقه على نفسه، وبإنفاقه على من تجب عليه النفقة عليهم. أما انفاقه بعد مماته فيكون بالوصية. والشارع الحكيم حدد ضوابط الإنفاق، فحرم الإنفاق بالهدية على عدو في حالة الحرب بما يتقوى به على المسلمين، ومنع المسلم من أن ينفق بحيث لا يبقي لنفسه وعياله ما يغنيهم، روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول"، وبين المؤلف معنى "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"، وكذلك بين حكم الوصية ومتى تقع وأنها يجب أن لا تزيد عن الثلث. وبعد هذا ذكر لنا الشيخ تقي الدين النبهاني محظورات متعلقة بإنفاق الفرد على نفسه وعلى من تجب عليه نفقتهم، وهذه المحظورات هي: الإسراف والتبذير، والترف والبطر، والتقتير. وبالرغم من أننا هنا ذكرنا هذه المحظورات كعناوين، إلا أن المؤلف ذكرها بتفاصيلها من تعريف ودليل شرعي ومناط حكم، وتفصيلات أخرى كثيرة مهمة، نرجو أن تقوموا أنتم أيها المستمعون الكرام بقراءتها بأنفسكم. ثم تطرق المؤلف إلى الفقير ومن يعد فقيرا تجب له النفقة، ومن يعد غنيا تجب عليه النفقة، يقول المؤلف: "والحاصل أن الفقير الذي تجب له النفقة هو من عُدِم إشباع حاجاته الأساسية، أي احتاج إلى الطعام، والكسوة، والسكنى، وأما الغني الذي تجب عليه النفقة، ويجب عليه ما يجب على جميع المسلمين من التكاليف المالية، فهو من ملك ما يفضل عن إشباع حاجاته بالمعروف، لا حاجاته الأساسية فقط، ويقدر ذلك بحسب حاله وأمثاله من الناس." انتهى كلام المؤلف وبهذا يكون المؤلف، الشيخ تقي الدين النبهاني، عليه رحمة الله رحمة واسعة، قد قطع شوطا طويلا في الإقتصاد وموضوعاته، ويكون قد أنهى موضوع الملكية الفردية، لينتقل إلى أنواع أخرى من أنواع الملكية، وهذه الأنواع وغيرها ما سنتطرق إليها، بإذن الله تعالى، في حلقتنا القادمة معكم. وإلى أن نلقاكم لنكمل قراءتنا في كتاب "النظام الاقتصادي في الإسلام"، هذا أخوكم أبو عبدالله التحريري يستودعكم الله تعالى الذي لا تضيع ودائعه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

58 / 73