في مقابلة بثتها قناة الساحات، يوم الأحد 2025/8/3 فجّر الفريق سلطان السامعي، عضو المجلس السياسي الأعلى في صنعاء، جملة من التصريحات الصادمة، أبرزها اعترافه بأن المجلس السياسي الأعلى مجلس شكلي لا يملك القرار الفعلي، وأنهم عاجزون حتى عن إيقاف فاسد واحد، رغم أن الفساد يُمارَس علناً ويُدار من جهات عليا. وأشار إلى خروج أكثر من 150 مليار دولار من البلد، وتحوّل أشخاص من حفاة إلى
اقرأ المزيد ←
دخل ابن السماك يوماً على أمير المؤمنين هارون الرشيد، فوافق أن وجده يرفع الماء إلى فمه ليشرب فقال: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تنتظر به قليلاً. فلما وضع الماء قال له: أستحلفك بالله تعالى، لو أنك مـُنعت هذه الشربة من الماء، فبكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنأك الله، فلما شرب قال: أستحلفك بالله تعالى، لو أنك منعت خروجها من جوفك بعد هذا، فبكم كنت تشتريها؟ قال: بملكي كله. فقال: يا أمير المؤمنين إن ملكا تربو عليه شربة ماء، وتفضله بولة واحدة، لخليق ألا يـُنافس فيه، فبكى هارون الرشيد، حتى ابتلت لحيته. فقال الفضل بن الربيع، أحد وزرائه، مهلاً يا ابن السماك، فأمير المؤمنين أحق من رجا العاقبة عند الله بعدله في ملكه، فقال ابن السماك، يا أمير المؤمنين، إن هذا ليس معك في قبرك غداً، فانظر لنفسك، فأنت بها أخبر، وعليها أبصر، وأما أنت يا فضل، فمن حق الأمير عليك، أن تكون يوم القيامة من حسناته، لا من سيئاته، فذلك أكفأ ما تؤدي به حقه عليك. لا شيء أجل من العافية، ولا يدوم ملك إلا بالعدل، ولا ينفع نفساً إلا ما قدمت، يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً، ويوم لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم. شذرات الذهب ( 1-336)
الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, ملء السموات وملء الأرض وملء ما شاء من شيء بعد, والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى أله وصحبه أجمعين, والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين وبعد: روى البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أتبايعونني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا, ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم - وقرأ آية النساء - فمن وفى منكم فأجره على الله, ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له, ومن أصاب منها شيئا من ذلك فستره الله, فأمره إلى الله, إن شاء عذبه, وإن شاء عفا عنه».فإذا كان من رحمة الله ونعمته علينا في ظل تطبيق الإسلام أنه لا يعاقبنا في الآخرة على الجريمة أو الإثم الذي نرتكبه لأننا عوقبنا عليه في الدنيا بالعقوبة التي قدرها الله, كما لو زنى الزاني المحصن فرجم, ولكننا نعاقب عليه في الآخرة إذا لم نعاقب في الدنيا بالعقوبة التي قدرها الله, وكما لو سرق السارق ما زادت قيمته على ربع دينار من الذهب, وانطبقت الشروط الشرعية على إقامة حد السرقة, فحبس السارق بدلاً من قطع يده في حال تركنا تطبيق الإسلام. فأي خسارة على المسلمين أعظم من خسارتهم عدم إسقاط العقوبة عنهم في الآخرة بسبب حكمهم بغير ما أنزل الله؟ وقد كان واحدهم إذا ارتكب فاحشة فخاف عذاب الآخرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: طهرني. كما حصل مع ماعز ومع المرأة الغامدية, وقد قال صلى الله عليه وسلم في ماعز بعد رجمه: « إنه ليتسبح في أنهار الجنة!». وقال في المرأة الغامدية بعد رجمها: « لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينه لوسعتهم!». إن تطبيق الشريعة الإسلامية رحمة للمسلمين, بل هو رحمة للعالمين جميعاً بدليل قوله تعالى: (وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين). فشريعة الله زواجر وجوابر: تزجر الناس عن ارتكاب المعاصي, وتجبر عنهم عذاب الآخرة, هذه النعمة العظيمة تحصل للمسلمين في حال تطبيق الحاكم عليهم أحكام الإسلام, ويحرم منها المسلمون في حال ترك تطبيقه, وتطبيق الأحكام الوضعية عليهم.عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: « حدٌ يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً». فكيف إذا أقيمت حدود الله كلها؟! وإذا كان في إقامة الحدِّ الواحد من حدود الله من الخير والرحمة ما يعادل مطر أربعين صباحاً, فإنه في عدم إقامته خسارة لكل هذا الخير والرحمة, فكيف تكون خسارة المسلمين في هجر أحكام الله التي جاء بها القرآن الكريم؟ بل كيف تكون خسارتهم في استبعاد نظام الإسلام كاملاً؟كيف تكون خسارتهم في عدم إقامة حدود الله كلها؟ كيف تكون خسارتهم في إقصاء أحكام الإسلام من واقع الحياة؟ففي ترك المسلمين التحاكم بشرع الله القويم, فإنَّ الله تعالى يجعلهم يعيشون معيشة ضنكاً, ويسلط عليهم من لا يخافه ولا يرحمهم, وقد حصل وتحقق فيهم قول الله تعالى: ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ). وفي ترك المسلمين التحاكم بشرع الله القويم تصبح بلادهم دار كفر بعد كانت دار إسلام وفقاً للقاعدة التي استنبطها العلماء, والتي تقول: (( تكون الديار ديار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها, وتكون الديار ديار كفر بظهور أحكام الكفر فيها )). يقول الله تعالى في سورة البقرة: ( ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب). ونعمة الله في الآية هي الإسلام بعقيدته وشريعته, وتبديلها بغيرها كفر. يقول تعالى في سورة إبراهيم: ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار).وتبديل حكم واحد من أحكام الإسلام بغيره هو كفر كذلك أيضاً لقوله تعالى في سورة البقرة: ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاَّ خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون). إن تطبيق أحكام الإسلام على الناس منوط بالحاكم, فهو الذي بتطبيقه الأحكام يجعل نعمة الله تعمُّ الرعية, وبترك تطبيقها يحرمهم هذه النعمة, ويحول دارهم من دار إسلام إلى دار كفر, وإذا شرَّع لهم تشريعاً من عنده, فأحلَّ لهم ما حرَّم الله عليهم, كأن أقرَّ في تشريعه التعامل بالربا, أو أباح لهم فتح الخمارات في الأماكن العامة كالأسواق, وأعطى الحرية للنساء أن يخرجن كاشفات لعوراتهنَّ, أو سمح بفتح النوادي للرقص وغيره, وحرَّم عليهم الحلال كأن يمنع عليهم مجاهدة العدو بإغلاق باب الجهاد في سبيل الله, أو منعهم من إقامة حزب أو أحزاب على أساس الإسلام أبيحت لهم بناء على قوله تعالى في سورة آل عمران: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) أو منعهم من الدعوة لإعادة تطبيق الإسلام إذا كان معطلاً, أو منعهم من إحياء الأرض الموات أو منعهم من اقتناء السلاح أو حمله أو منع القضاة من أن يفضوا مشاكل الناس حسب أحكام الإسلام.فإذا فعل ذلك فقد نصب نفسه رباً لهم لأن التشريع لله وحده, فهو الذي يحلل وهو الذي يحرم, وليس لأحد من الخلق أن يفعل ذلك.والذين يرضون بتشريعه ويوافقونه عليه ويعملون به ويتخذونه رباً بدلالة قوله تعالى في سورة التوبة: ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ).روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير عن عدي بن حاتم، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، فطرحته، فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة، فقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) حتى فرغ منها، فقلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله، فتستحلونه؟ قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم.وهذا العمل أي الرضا بتشريع هؤلاء الحكام شرك بالله, والله تعالى يقول في سورة النساء: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ).أيها القضاة في المحاكم المدنية والمحاكم العسكرية ومحاكم أمن الدولة وغيرها من أنواع المحاكم, أيها المدعون العامون, أيها المحامون, إنكم بتطبيق الأحكام الوضعية والعمل بها في حلول المشاكل التي تحدث بين الناس أو بين الدول أو بين الشعوب والأمم والتي شرعها المشرعون سواء أكان الحكام أو اللجان القانونية في مجالس الأمة أم ناشئة من مواثيق الأمم, إنكم بممارستكم لهذه الأحكام والعمل بموجبها قد اتخذتموهم أرباباً وأشركتموهم مع الله في أحقية التشريع, فإذا رضي المشرعون لأنفسهم بالكفر فكيف تقبلونه أنتم وتطيعونهم؟ فإلام تظلون سادرين في غيكم, عاصين لربكم وقد وجه إليكم الخطاب, وحباكم عقولاً تفهمون بها الخطاب فقال تعالى في محكم كتابه في سورة النساء: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ).أيها القضاة, أيها المدعون العامون يقسم رب العزة ويؤكد على قسمه أن من لا يحكم الشرع فيما يحصل بين الناس من مشاكل لا يؤمن, وأنه لا يتم إيمانه إلا بالتسليم الذي ينفي الشك من نفسه بحيث لا يشعر بالحرج من الحكم الصادر بموجب شرع الله, ولن يكمل إيمان المسلم حتي يوطد نفسه ويعودها على التسليم بقبول الحكم الشرعي الوارد في كتاب الله وسنة رسوله أو ما انبثق عنهما أو بني عليهما, فالمؤمن حقيقة هو الذي تكون نفسه منقادة لما أتى به الرسول عن طريق الوحي, ويكون هذا الانقياد سجية وميلا نفسياً مصحوباً بالرضا والتسليم, فإذا أحس المرء أن نفسه تنقبض عندما يمنعه شرع الله من التعامل بالربا أو من شراء أوراق اليانصيب أو من أخذ الرشوة أو إعطائها فليتحسس منطقة إيمانه وليراجع نفسه. وإذا أحس أن نفسه ترغب في شرب الخمر مثلاً, وأن الأنثى ترغب بالخروج من البيت متبرجة أو كاشفة رأسها فليتحسس كل منهما قلبه فإنه لا يكون حينئذ مكتمل الإيمان ولا يكون هواه مع شرع الله لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به».أيها القضاة يقول الله تعالى في سورة المائدة: ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) هذا خطاب الله للرسول صلى الله عليه وسلم وخطابه للرسول خطاب لأمته, وأنتم بعض أمته فهو خطاب لكم, فالمطلوب منكم أن تحكموا بين الناس بشرع الله لا بأحكام الطاغوت, ويحذركم من فتنة الحكام الذين نأوا بكم عن شرع الله فلا تتخذوهم أرباباً لكم فتحشرون معهم في النار, واقرؤوا إن شئتم قول الله تعالى في سورة إبراهيم: ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار, وجعلوا لله أنداداً ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار).إن المشرعين بدلوا نعمة الله ( العقيدة الإسلامية وما انبثق عنها من الشريعة ) بأن أحلوا محلها العقيدة الكهنوتية التي هي فصل الدين عن الحياة, وأحلوا أحكام الطاغوت محل شرع الله ونصبوا أننفسهم أنداداً لله أي خصوماً له فأسقطوا أو بعبارة أدق فعطلوا شرعه, وأقاموا شرعهم ليبعدوا المسلمين عن دينهم.أيها القضاة يقول الله تعالى في سورة النساء: ( إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ), يطلب الله تعالى منكم أن تحكموا بين الناس بما تفهمونه من كتاب الله, والطلب هنا طلب جازم لقوله تعالى في سورة المائدة: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ), والطلب حينما يكون جازماً يكون فرضاً.ويقول الله تعالى كذلك في سورة المائدة: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون), ويقول في نفس السورة: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون). وكلمة (من) من ألفاظ العموم والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, وهي وإن نزلت فيمن أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا أنها عامة في كل من حكم بغير ما أنزل الله, فاختاروا أيها القضاة لأنفسكم ما شئتم من الكفر أو الظلم أو الفسق, إن بقيتم تحكمون بين الناس بغير ما أنزل الله, فاتقوا الله واعلموا أنكم موقوفون غداً بين يدي الله ومحاسبون, فاعملوا بالحق ليوم لا يقضى فيه إلا بالحق, تنزلوا منازل الحق, وإن من لم ينتفع بالحق ضره الباطل, ومن لم يستقم به الهدى جار به الضلال.أيها القضاة قد تقولون ماذا نعمل إذا تركنا القضاء ولم نتعود على عمل غيره؟ وكيف لنا أن نكتسب قوت أبنائنا وأهلنا وقد تعونا مستوىً معيناً من العيش؟ اعلموا أن ذلك من وساوس الشيطان, فرزقكم ورزق أهلكم من عند الله لأنه هو الرزاق. قال الله تعالى في سورة الذاريات: ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) وقال تعالى في سورة الرعد: ( إن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ). فلا تجعلوا للشيطان سبيلاً عليكم فيصرفكم عن طاعة ربكم, وثقوا بوعد ربكم إذ يقول في سورة البقرة: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء, والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم ).أيها القضاة, أيها المدعون العامون, أيها المحامون: اتقوا الله امتثالاً لقوله تعالى: ( واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ). اتقوا الله امتثالاً لقوله تعالى: ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ). اتقوا الله, واعملوا ليوم تبيض فيه وجوه وتسود وجوه, ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ). إنه يوم المحاسبة, ويوم المساءلة, ويوم الزلزلة, ويوم القارعة التي تقرع القلوب الغافلة. هدانا الله وإياكم إلى الحق, وسدد خطانا وخطاكم على الصراط المستقيم, آمين آمين آمين يا رب العالمين.والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
حدثنا عبد الله بن شبيب أبو سعيد المديني، قال: حدثني أبو الطاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: حدثني الحسن بن علي بن حسن بن حسن، عن أبيه، عن جده، قال: كان يقال: «لا يحل لعين مؤمنة ترى الله يعصى فتطرف حتى تغيره». عن كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن أبي الدنيا وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَىْ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وَعَلَىْ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: كنا قد تحدثنا في الحلقة السابقة عن بعض الدروس والعبر المستفادة من الهجرة النبوية، وهي:1. عيد الأضحى وعيد الفطر هما فقط العيدان الشرعيان للمسلمين.2. الهجرة مرحلة من مراحل الدعوة، وخطوة من خطوات بناء الدولة الإسلامية.3. الهجرة تكليف لنا بإيجاد دولة الخلافة والحفاظ عليها. وفي هذا اللقاء معكم نستكمل الحديث عن بعض الدروس والعبر المستفادة من الهجرة النبوية. وأول هذه الدروس والعبر هو العناية بالقاعدة الفكرية: فعلينا نحن المسلمين أن نعتني بالقاعدة الفكرية أي بالعقيدة الإسلامية، فإن الأمة التي يجتاحها عدوها فيهدم مصانعها وعمرانها وجيشها، والقاعدة الفكرية لديها سليمة، لا تفتأ أن تعود أقوى مما كانت! وإن أمة ليست لديها القاعدة الفكرية، وليست لديها العقيدة الصحيحة إن اجتاحها عدوها ستندثر وسيمر التاريخ ليقول: إن أمة كانت هنا ثم ذهبت! وعلينا أن نقف سداً منيعاً أمام التيارات الملحدة، وأفكار الكفر كالاشتراكية والشيوعية، والرأسمالية، والقومية، والوطنية، والإقليمية، والديمقراطية، وما شاكلها! علينا أن نجعل الإسلام محور تفكيرنا واهتمامنا وأن يكون مادة فكرنا في مناهج تعليمنا! علينا أن نسعى لنجعل معنى الهجرة مرحلة من مراحل الدعوة إلى الله، أي أن نعلم أن إقامة دولة الإسلام فرض في عنق كل مسلم، مصداقاً لقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية». والبيعة لا تكون إلا للخليفة أي للحاكم المسلم! الهجرة النبوية ليست مجرد مراسم واحتفالات، وهنا ونحن مازلنا نعيش في ظلال وأجواء الهجرة النبوية العطرة، نتساءل فنقول:أي معنى للهجرة هذا، والخمر تباع في الحوانيت؟ أي معنى للهجرة هذا، والذي يسب الله لا يؤاخذ، ومن يسب فرداً من أفراد الحكومة يسجن ويعذب؟أي معنى للهجرة هذا، والمسلم قد افتقد الأمن والصحة والاستقرار؟ يركض ليل نهار خلف الرغيف، فلا يجد إلا كسرة خبز لا تسد الرمق؟أي معنى للهجرة هذا، وأحكام الله معطلة؟ حنانيك أيها المسلم، فإن الخطباء يخطبون! وسعديك أيها المؤمن فلا زلت تسمع من المآذن الله أكبر! ويا فرحتك أيها المتقي المحب لله ولرسوله، فإن للمولد وللهجرة عيدا! أتريد أكثر من هذا ؟ وهل الإسلام إلا هذا؟ فالإسلام بخير إذاً! يا فرحتنا بالخطب، فقد امتلأت بطون الجائعين! يا فرحتنا بالأعياد، فقد جلبت لنا النصر والعز! يا فرحتنا، فلقد رضي الرسول ورب الرسول!نقول بملء الفم: إن هذا لن يرضي ربنا، فالله سبحانه وتعالى قد أمرنا بفرائض علينا أن نفعلها، ونهانا عن أشياء، علينا أن نتجنبها فقال عز من قائل: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ). ( النساء 65 ) وقوله سبحانه وتعالى لصفيه وحبيبه محمد عليه الصلاة والسلام: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ). ( المائدة 49 ) أي حكِّم الإسلام في شؤونهم واحكمهم به. فمن أراد أن يرضي الله ورسوله فلا بد أن يطبق الشرع الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى. ومن الدروس المستفادة من الهجرة التضحية والفداء: فقد ضحى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بنفسه حين نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم بينما كان المشركون يحيطون ببيت النبي يريدون قتله! كما ضحى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بنفسه حين عرض نفسه للخطر بقبوله الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مطارد من قبل المشركين. كما ضحى أبو بكر رضي الله عنه بكل ماله حيث جاء به، ووضعه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول: «ماذا أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟». فقال أبو بكر: أبقيت لهم الله ورسوله! هذا وقد ضحى أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه بكل ما آتاه الله من طاقات، ولم يترك شيئا أو أحداً له سلطان عليه إلا سخره في خدمة الدعوة، تطبيقاً لقول الله جل في علاه: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ). (القصص 77) وهذه تضحيات أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه نجملها فيما يأتي:1. جهز الراحلتين له وللنبي .2. استأجر الدليل الذي يدلهما على الطريق إلى مكة المكرمة.3. طلب من راعيه أن يطمس آثار أقدام القادمين إلى الغار .4. كلف ابنته أسماء بجلب الطعام إلى الغار له وللنبي .5. كلف ابنه عبد الله بتتبع الأخبار في مكة وإبلاغها للنبي . 6. جعل نفسه فداء للنبي وفي خدمته وحراسته عليه السلام.7. وضع ماله كله تحت تصرف النبي صلى الله عليه وسلم وفي خدمة الدعوة. كما وضحى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بنصف ماله، ووضعه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «ماذا أبقيت لأهلك يا عمر؟». قال: مثل هذا يا رسول الله! ومن دروس الهجرة النبوية أيضاً إحسان اختيار الصديق فيحرص المسلم على اختيار الصديق الصالح، فقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر صديقاً له، فكان أبو بكر نعم الصديق لصديقه! وكان الصديق الوفي لرسول الله صلى الله عليه وسلم! كان يفتديه بنفسه! وكان حريصاً عليه كل الحرص، فكان وهو في طريقه إلى المدينة يمشي تارة أمام النبي صلى الله عليه وسلم، ويمشى تارة خلفه، يمشي عن يمينه تارة وطوراً عن شماله خشية أن يصبه أذى مفاجئ، فلما وصل هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى باب الغار دخله أبو بكر قبل النبي ليكتشف ما فيه، إن كان يشكل خطراً على حياة النبي ليفتديه بنفسه!كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يدرك بفكره الثاقب أنه إذا مات، فإنما هو رجل واحد، وأن موت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني موت أمة، لذا كان دائماً يفتديه بنفسه، ويقول له دائماً: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ومن دروس الهجرة النبوية كذلك حرص القائد على سلامة أفراد رعيته: حيث أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرته، فهاجر بعد صحابته، ولم يهاجر قبلهم وذلك ليتمكن من الاطمئنان على سلامتهم! ولإنجاح العمل لا بد من إعداد الخطة المناسبة، وأخذ الاحتياطات اللازمة، والحذر من الأخطار التي يمكن أن تقع. حيث وضع الرسول عليه الصلاة والسلام بالتعاون مع أبي بكر الصديق خطة متكاملة للهجرة، وكانت كالآتي:1. تضليل العدو: حيث سلك رسول الله طريقاً جنوب مكة، بينما كان المشركون يبحثون عنه شمال مكة!2. وسيلة الركوب: راحلتان جهزهما أبو بكر الصديق.3. الدليل والخبير بالطرق ومسالكها: وهو رجل يدعى عبد الله بن أريقط، استأجره أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه وأرضاه!4. طمس آثار الأقدام: قام بذلك عامر بن فهيرة، وهو راع لدى أبي بكر الصديق!5. الإمداد الغذائي: قامت بذلك أسماء بنت أبي بكر الصديق, وقد عرفت بعد ذلك بذات النطاقين؛ لأنها شقت نطاقها نصفين، انتطقت بنصفه الأول، وربطت الطعام بنصفه الثاني!6. تتبع الأخبار السياسية: قام بذلك عبد الله بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما. ومن دروس الهجرة النبوية الثقة بنصر الله جل في علاه، فبينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة، جعلت قريش مئة ناقة لمن يأتي برأسه حيا أو ميتا، فلحقه وسار في طلبه كثيرون طمعاً في الجائزة، منهم رجل يدعى سراقة بن مالك. ولما اقترب سراقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تدخلت قدرة الله، فحصلت معجزة! لقد ساخت ( أي غاصت) أقدام فرس سراقة في التراب! فعلم سراقة أن رسول الله ممنوع (أي معصوم) من قبل الله، عندها طلب سراقة من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله له ليفرج عنه ما هو فيه! فدعا له وطلب منه أن يعمِّي على قريش خبر هجرة النبي وصاحبه أبي بكر، ووعده إن فعل ذلك أن يعطيه سواري كسرى وقيصر! وهذا يدل على ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الكاملة بنصر الله تعالى، مع أنه صلى الله عليه وسلم مطارد أعزل من كل شيء إلاَّ من الإيمان بالله تعالى. وقد تحققت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد نصر الله عباده المؤمنين على الفرس والروم! وأتي بسواري كسرى وقيصر، ووضعت أمام خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: أين سراقة بن مالك؟ وكان سراقة يومها شيخاً كبير السن فألبسه عمر بن الخطاب سواري كسرى وقيصر، إلاَّ أن سراقة تبرَّع بهما لبيت مال المسلمين! إن العبرة التي ينبغي أن نأخذها من حادثة الهجرة هي أن نقيس أنفسنا بمقياس الله، أن نفعل كما فعل رسول الله، أن نهجر الباطل، وأن نقبل على الحق، أن نهجر المبادئ المستوردة والأفكار المتعفنة، وشرائع الكفر، أن نتوجه إلى قرآننا وسنة نبينا نسألهما الشفاء، نسألهما الدواء! إن حال أمتنا كحال الرجل الذي وقف بجانب النهر يسأل: أأتيمم من تراب الضفة اليسرى أم من تراب الضفة اليمنى؟ ونسي أو تناسى أنه لا يجوز له التيمم مع وجود الماء، نسي القاعدة الشرعية التي تقول: (إذا حضر الماء بطل التيمم). ونحن قد وقفنا بجانب نبع الإيمان الصافي، وحكم الله الذي لا يخطئ وشرع الله المنزل من عنده فنسأل: أنأخذ الاشتراكية أم الرأسمالية؟ ونسينا أو تناسينا أنه لا يجوز لنا إلا أخذ الإسلام! وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجر؟ فقال عليه السلام: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه».وقبل الختام نقول: إن أمة لا تحترم دينها ولا تطبقه في حياتها ولا تقرأ تاريخها لتستفيد منه لهي أمة جديرة بالفناء! وسيأتي التاريخ ليكتب: إن أمة كانت هنا ثم ذهبت! أما أهم الدروس والعبر المستفادة من هذه الحلقة فهي:1. الحرص على سلامة القاعدة الفكرية لدى الأمة الإسلامية.2. الهجرة ليست مجرد مراسم واحتفالات، بل هي محل الاقتداء، وموضع التأسي.3. الهجرة دعوة للتضحية والفداء من أجل إعلاء كلمة الله. 4. الهجرة دعوة إلى إحسان اختيار الصديق، والحرص على اختيار الصديق الصالح.5. حرص القائد على سلامة أفراد الرعية.6. لإنجاح العمل لا بد من إعداد الخطة، وأخذ الاحتياطات اللازمة.7. الثقة الكاملة بنصر الله تعالى لعباده المؤمنين. 8. الهجرة إقبال على الحق، وهجرانٌ للباطل. وختاما نسأل الله عز وجل أن يعجل لنا بالخلاص، وان يبعث فينا إماماً مخلصاً رحيماً بأمته، يقودنا لطاعته وإقامة حكمه. وأن يكرمنا بقيام دولة الخلافة وأن يجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.