الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, ملء السموات وملء الأرض وملء ما شاء من شيء بعد, والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى أله وصحبه أجمعين, والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
روى البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أتبايعونني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا, ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم - وقرأ آية النساء - فمن وفى منكم فأجره على الله, ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له, ومن أصاب منها شيئا من ذلك فستره الله, فأمره إلى الله, إن شاء عذبه, وإن شاء عفا عنه».
فإذا كان من رحمة الله ونعمته علينا في ظل تطبيق الإسلام أنه لا يعاقبنا في الآخرة على الجريمة أو الإثم الذي نرتكبه لأننا عوقبنا عليه في الدنيا بالعقوبة التي قدرها الله, كما لو زنى الزاني المحصن فرجم, ولكننا نعاقب عليه في الآخرة إذا لم نعاقب في الدنيا بالعقوبة التي قدرها الله, وكما لو سرق السارق ما زادت قيمته على ربع دينار من الذهب, وانطبقت الشروط الشرعية على إقامة حد السرقة, فحبس السارق بدلاً من قطع يده في حال تركنا تطبيق الإسلام.
فأي خسارة على المسلمين أعظم من خسارتهم عدم إسقاط العقوبة عنهم في الآخرة بسبب حكمهم بغير ما أنزل الله؟ وقد كان واحدهم إذا ارتكب فاحشة فخاف عذاب الآخرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: طهرني. كما حصل مع ماعز ومع المرأة الغامدية, وقد قال صلى الله عليه وسلم في ماعز بعد رجمه: « إنه ليتسبح في أنهار الجنة!». وقال في المرأة الغامدية بعد رجمها: « لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينه لوسعتهم!».
إن تطبيق الشريعة الإسلامية رحمة للمسلمين, بل هو رحمة للعالمين جميعاً بدليل قوله تعالى: (وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين). فشريعة الله زواجر وجوابر: تزجر الناس عن ارتكاب المعاصي, وتجبر عنهم عذاب الآخرة, هذه النعمة العظيمة تحصل للمسلمين في حال تطبيق الحاكم عليهم أحكام الإسلام, ويحرم منها المسلمون في حال ترك تطبيقه, وتطبيق الأحكام الوضعية عليهم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: « حدٌ يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً». فكيف إذا أقيمت حدود الله كلها؟!
وإذا كان في إقامة الحدِّ الواحد من حدود الله من الخير والرحمة ما يعادل مطر أربعين صباحاً, فإنه في عدم إقامته خسارة لكل هذا الخير والرحمة, فكيف تكون خسارة المسلمين في هجر أحكام الله التي جاء بها القرآن الكريم؟
بل كيف تكون خسارتهم في استبعاد نظام الإسلام كاملاً؟
كيف تكون خسارتهم في عدم إقامة حدود الله كلها؟
كيف تكون خسارتهم في إقصاء أحكام الإسلام من واقع الحياة؟
ففي ترك المسلمين التحاكم بشرع الله القويم, فإنَّ الله تعالى يجعلهم يعيشون معيشة ضنكاً, ويسلط عليهم من لا يخافه ولا يرحمهم, وقد حصل وتحقق فيهم قول الله تعالى: ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ).
وفي ترك المسلمين التحاكم بشرع الله القويم تصبح بلادهم دار كفر بعد كانت دار إسلام وفقاً للقاعدة التي استنبطها العلماء, والتي تقول: (( تكون الديار ديار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها, وتكون الديار ديار كفر بظهور أحكام الكفر فيها )).
يقول الله تعالى في سورة البقرة: ( ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب). ونعمة الله في الآية هي الإسلام بعقيدته وشريعته, وتبديلها بغيرها كفر. يقول تعالى في سورة إبراهيم: ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار).
وتبديل حكم واحد من أحكام الإسلام بغيره هو كفر كذلك أيضاً لقوله تعالى في سورة البقرة: ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاَّ خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون).
إن تطبيق أحكام الإسلام على الناس منوط بالحاكم, فهو الذي بتطبيقه الأحكام يجعل نعمة الله تعمُّ الرعية, وبترك تطبيقها يحرمهم هذه النعمة, ويحول دارهم من دار إسلام إلى دار كفر, وإذا شرَّع لهم تشريعاً من عنده, فأحلَّ لهم ما حرَّم الله عليهم, كأن أقرَّ في تشريعه التعامل بالربا, أو أباح لهم فتح الخمارات في الأماكن العامة كالأسواق, وأعطى الحرية للنساء أن يخرجن كاشفات لعوراتهنَّ, أو سمح بفتح النوادي للرقص وغيره, وحرَّم عليهم الحلال كأن يمنع عليهم مجاهدة العدو بإغلاق باب الجهاد في سبيل الله, أو منعهم من إقامة حزب أو أحزاب على أساس الإسلام أبيحت لهم بناء على قوله تعالى في سورة آل عمران: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) أو منعهم من الدعوة لإعادة تطبيق الإسلام إذا كان معطلاً, أو منعهم من إحياء الأرض الموات أو منعهم من اقتناء السلاح أو حمله أو منع القضاة من أن يفضوا مشاكل الناس حسب أحكام الإسلام.
فإذا فعل ذلك فقد نصب نفسه رباً لهم لأن التشريع لله وحده, فهو الذي يحلل وهو الذي يحرم, وليس لأحد من الخلق أن يفعل ذلك.
والذين يرضون بتشريعه ويوافقونه عليه ويعملون به ويتخذونه رباً بدلالة قوله تعالى في سورة التوبة: ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ).
روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير عن عدي بن حاتم، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، فطرحته، فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة، فقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) حتى فرغ منها، فقلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله، فتستحلونه؟ قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم.
وهذا العمل أي الرضا بتشريع هؤلاء الحكام شرك بالله, والله تعالى يقول في سورة النساء: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ).
أيها القضاة في المحاكم المدنية والمحاكم العسكرية ومحاكم أمن الدولة وغيرها من أنواع المحاكم, أيها المدعون العامون, أيها المحامون, إنكم بتطبيق الأحكام الوضعية والعمل بها في حلول المشاكل التي تحدث بين الناس أو بين الدول أو بين الشعوب والأمم والتي شرعها المشرعون سواء أكان الحكام أو اللجان القانونية في مجالس الأمة أم ناشئة من مواثيق الأمم, إنكم بممارستكم لهذه الأحكام والعمل بموجبها قد اتخذتموهم أرباباً وأشركتموهم مع الله في أحقية التشريع, فإذا رضي المشرعون لأنفسهم بالكفر فكيف تقبلونه أنتم وتطيعونهم؟ فإلام تظلون سادرين في غيكم, عاصين لربكم وقد وجه إليكم الخطاب, وحباكم عقولاً تفهمون بها الخطاب فقال تعالى في محكم كتابه في سورة النساء: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ).
أيها القضاة, أيها المدعون العامون يقسم رب العزة ويؤكد على قسمه أن من لا يحكم الشرع فيما يحصل بين الناس من مشاكل لا يؤمن, وأنه لا يتم إيمانه إلا بالتسليم الذي ينفي الشك من نفسه بحيث لا يشعر بالحرج من الحكم الصادر بموجب شرع الله, ولن يكمل إيمان المسلم حتي يوطد نفسه ويعودها على التسليم بقبول الحكم الشرعي الوارد في كتاب الله وسنة رسوله أو ما انبثق عنهما أو بني عليهما, فالمؤمن حقيقة هو الذي تكون نفسه منقادة لما أتى به الرسول عن طريق الوحي, ويكون هذا الانقياد سجية وميلا نفسياً مصحوباً بالرضا والتسليم, فإذا أحس المرء أن نفسه تنقبض عندما يمنعه شرع الله من التعامل بالربا أو من شراء أوراق اليانصيب أو من أخذ الرشوة أو إعطائها فليتحسس منطقة إيمانه وليراجع نفسه. وإذا أحس أن نفسه ترغب في شرب الخمر مثلاً, وأن الأنثى ترغب بالخروج من البيت متبرجة أو كاشفة رأسها فليتحسس كل منهما قلبه فإنه لا يكون حينئذ مكتمل الإيمان ولا يكون هواه مع شرع الله لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به».
أيها القضاة يقول الله تعالى في سورة المائدة: ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) هذا خطاب الله للرسول صلى الله عليه وسلم وخطابه للرسول خطاب لأمته, وأنتم بعض أمته فهو خطاب لكم, فالمطلوب منكم أن تحكموا بين الناس بشرع الله لا بأحكام الطاغوت, ويحذركم من فتنة الحكام الذين نأوا بكم عن شرع الله فلا تتخذوهم أرباباً لكم فتحشرون معهم في النار, واقرؤوا إن شئتم قول الله تعالى في سورة إبراهيم: ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار, وجعلوا لله أنداداً ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار).
إن المشرعين بدلوا نعمة الله ( العقيدة الإسلامية وما انبثق عنها من الشريعة ) بأن أحلوا محلها العقيدة الكهنوتية التي هي فصل الدين عن الحياة, وأحلوا أحكام الطاغوت محل شرع الله ونصبوا أننفسهم أنداداً لله أي خصوماً له فأسقطوا أو بعبارة أدق فعطلوا شرعه, وأقاموا شرعهم ليبعدوا المسلمين عن دينهم.
أيها القضاة يقول الله تعالى في سورة النساء: ( إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ), يطلب الله تعالى منكم أن تحكموا بين الناس بما تفهمونه من كتاب الله, والطلب هنا طلب جازم لقوله تعالى في سورة المائدة: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ), والطلب حينما يكون جازماً يكون فرضاً.
ويقول الله تعالى كذلك في سورة المائدة: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون), ويقول في نفس السورة: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون). وكلمة (من) من ألفاظ العموم والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, وهي وإن نزلت فيمن أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا أنها عامة في كل من حكم بغير ما أنزل الله, فاختاروا أيها القضاة لأنفسكم ما شئتم من الكفر أو الظلم أو الفسق, إن بقيتم تحكمون بين الناس بغير ما أنزل الله, فاتقوا الله واعلموا أنكم موقوفون غداً بين يدي الله ومحاسبون, فاعملوا بالحق ليوم لا يقضى فيه إلا بالحق, تنزلوا منازل الحق, وإن من لم ينتفع بالحق ضره الباطل, ومن لم يستقم به الهدى جار به الضلال.
أيها القضاة قد تقولون ماذا نعمل إذا تركنا القضاء ولم نتعود على عمل غيره؟ وكيف لنا أن نكتسب قوت أبنائنا وأهلنا وقد تعونا مستوىً معيناً من العيش؟ اعلموا أن ذلك من وساوس الشيطان, فرزقكم ورزق أهلكم من عند الله لأنه هو الرزاق. قال الله تعالى في سورة الذاريات: ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) وقال تعالى في سورة الرعد: ( إن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ). فلا تجعلوا للشيطان سبيلاً عليكم فيصرفكم عن طاعة ربكم, وثقوا بوعد ربكم إذ يقول في سورة البقرة: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء, والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم ).
أيها القضاة, أيها المدعون العامون, أيها المحامون: اتقوا الله امتثالاً لقوله تعالى: ( واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ). اتقوا الله امتثالاً لقوله تعالى: ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ).
اتقوا الله, واعملوا ليوم تبيض فيه وجوه وتسود وجوه, ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ). إنه يوم المحاسبة, ويوم المساءلة, ويوم الزلزلة, ويوم القارعة التي تقرع القلوب الغافلة. هدانا الله وإياكم إلى الحق, وسدد خطانا وخطاكم على الصراط المستقيم, آمين آمين آمين يا رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
علم ينتفع به- عناصر قوة الدولة - ج2
المزيد من القسم null
تلخيص كتاب التفكير الحلقة الثالثة
إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.
إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.
إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.
إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.
إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.
إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.
إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.
ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.
أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.
معالم الإيمان المستنير المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1
أيها المسلمون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أيها المؤمنون:
قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا). (الإسراء 15)
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.
فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟
للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.
والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد). (فصلت 46)
الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.
أيها المؤمنون:
وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)
واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".
فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)
لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى). ( الليل 10)
جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.