دروس وعبر من الهجرة النبوية_ج2
January 08, 2010

دروس وعبر من الهجرة النبوية_ج2

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
كنا قد تحدثنا في الحلقة السابقة عن بعض الدروس والعبر المستفادة من الهجرة النبوية، وهي:
1. عيد الأضحى وعيد الفطر هما فقط العيدان الشرعيان للمسلمين.
2. الهجرة مرحلة من مراحل الدعوة، وخطوة من خطوات بناء الدولة الإسلامية.
3. الهجرة تكليف لنا بإيجاد دولة الخلافة والحفاظ عليها.

وفي هذا اللقاء معكم نستكمل الحديث عن بعض الدروس والعبر المستفادة من الهجرة النبوية.

وأول هذه الدروس والعبر هو العناية بالقاعدة الفكرية: فعلينا نحن المسلمين أن نعتني بالقاعدة الفكرية أي بالعقيدة الإسلامية، فإن الأمة التي يجتاحها عدوها فيهدم مصانعها وعمرانها وجيشها، والقاعدة الفكرية لديها سليمة، لا تفتأ أن تعود أقوى مما كانت! وإن أمة ليست لديها القاعدة الفكرية، وليست لديها العقيدة الصحيحة إن اجتاحها عدوها ستندثر وسيمر التاريخ ليقول: إن أمة كانت هنا ثم ذهبت! وعلينا أن نقف سداً منيعاً أمام التيارات الملحدة، وأفكار الكفر كالاشتراكية والشيوعية، والرأسمالية، والقومية، والوطنية، والإقليمية، والديمقراطية، وما شاكلها!

علينا أن نجعل الإسلام محور تفكيرنا واهتمامنا وأن يكون مادة فكرنا في مناهج تعليمنا! علينا أن نسعى لنجعل معنى الهجرة مرحلة من مراحل الدعوة إلى الله، أي أن نعلم أن إقامة دولة الإسلام فرض في عنق كل مسلم، مصداقاً لقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية». والبيعة لا تكون إلا للخليفة أي للحاكم المسلم!

الهجرة النبوية ليست مجرد مراسم واحتفالات، وهنا ونحن مازلنا نعيش في ظلال وأجواء الهجرة النبوية العطرة، نتساءل فنقول:
أي معنى للهجرة هذا، والخمر تباع في الحوانيت؟ أي معنى للهجرة هذا، والذي يسب الله لا يؤاخذ، ومن يسب فرداً من أفراد الحكومة يسجن ويعذب؟
أي معنى للهجرة هذا، والمسلم قد افتقد الأمن والصحة والاستقرار؟ يركض ليل نهار خلف الرغيف، فلا يجد إلا كسرة خبز لا تسد الرمق؟
أي معنى للهجرة هذا، وأحكام الله معطلة؟ حنانيك أيها المسلم، فإن الخطباء يخطبون! وسعديك أيها المؤمن فلا زلت تسمع من المآذن الله أكبر! ويا فرحتك أيها المتقي المحب لله ولرسوله، فإن للمولد وللهجرة عيدا! أتريد أكثر من هذا ؟ وهل الإسلام إلا هذا؟ فالإسلام بخير إذاً!

يا فرحتنا بالخطب، فقد امتلأت بطون الجائعين! يا فرحتنا بالأعياد، فقد جلبت لنا النصر والعز! يا فرحتنا، فلقد رضي الرسول ورب الرسول!
نقول بملء الفم: إن هذا لن يرضي ربنا، فالله سبحانه وتعالى قد أمرنا بفرائض علينا أن نفعلها، ونهانا عن أشياء، علينا أن نتجنبها فقال عز من قائل: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ). ( النساء 65 )


وقوله سبحانه وتعالى لصفيه وحبيبه محمد عليه الصلاة والسلام: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ). ( المائدة 49 ) أي حكِّم الإسلام في شؤونهم واحكمهم به. فمن أراد أن يرضي الله ورسوله فلا بد أن يطبق الشرع الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى.


ومن الدروس المستفادة من الهجرة التضحية والفداء: فقد ضحى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بنفسه حين نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم بينما كان المشركون يحيطون ببيت النبي يريدون قتله! كما ضحى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بنفسه حين عرض نفسه للخطر بقبوله الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مطارد من قبل المشركين. كما ضحى أبو بكر رضي الله عنه بكل ماله حيث جاء به، ووضعه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول: «ماذا أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟». فقال أبو بكر: أبقيت لهم الله ورسوله!

هذا وقد ضحى أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه بكل ما آتاه الله من طاقات، ولم يترك شيئا أو أحداً له سلطان عليه إلا سخره في خدمة الدعوة، تطبيقاً لقول الله جل في علاه: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ). (القصص 77)


وهذه تضحيات أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه نجملها فيما يأتي:
1. جهز الراحلتين له وللنبي .
2. استأجر الدليل الذي يدلهما على الطريق إلى مكة المكرمة.
3. طلب من راعيه أن يطمس آثار أقدام القادمين إلى الغار .
4. كلف ابنته أسماء بجلب الطعام إلى الغار له وللنبي .
5. كلف ابنه عبد الله بتتبع الأخبار في مكة وإبلاغها للنبي .
6. جعل نفسه فداء للنبي وفي خدمته وحراسته عليه السلام.
7. وضع ماله كله تحت تصرف النبي صلى الله عليه وسلم وفي خدمة الدعوة.
كما وضحى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بنصف ماله، ووضعه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «ماذا أبقيت لأهلك يا عمر؟». قال: مثل هذا يا رسول الله!

ومن دروس الهجرة النبوية أيضاً إحسان اختيار الصديق فيحرص المسلم على اختيار الصديق الصالح، فقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر صديقاً له، فكان أبو بكر نعم الصديق لصديقه! وكان الصديق الوفي لرسول الله صلى الله عليه وسلم! كان يفتديه بنفسه! وكان حريصاً عليه كل الحرص، فكان وهو في طريقه إلى المدينة يمشي تارة أمام النبي صلى الله عليه وسلم، ويمشى تارة خلفه، يمشي عن يمينه تارة وطوراً عن شماله خشية أن يصبه أذى مفاجئ، فلما وصل هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى باب الغار دخله أبو بكر قبل النبي ليكتشف ما فيه، إن كان يشكل خطراً على حياة النبي ليفتديه بنفسه!
كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يدرك بفكره الثاقب أنه إذا مات، فإنما هو رجل واحد، وأن موت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني موت أمة، لذا كان دائماً يفتديه بنفسه، ويقول له دائماً: بأبي أنت وأمي يا رسول الله!

ومن دروس الهجرة النبوية كذلك حرص القائد على سلامة أفراد رعيته: حيث أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرته، فهاجر بعد صحابته، ولم يهاجر قبلهم وذلك ليتمكن من الاطمئنان على سلامتهم!

ولإنجاح العمل لا بد من إعداد الخطة المناسبة، وأخذ الاحتياطات اللازمة، والحذر من الأخطار التي يمكن أن تقع. حيث وضع الرسول عليه الصلاة والسلام بالتعاون مع أبي بكر الصديق خطة متكاملة للهجرة، وكانت كالآتي:
1. تضليل العدو: حيث سلك رسول الله طريقاً جنوب مكة، بينما كان المشركون يبحثون عنه شمال مكة!
2. وسيلة الركوب: راحلتان جهزهما أبو بكر الصديق.
3. الدليل والخبير بالطرق ومسالكها: وهو رجل يدعى عبد الله بن أريقط، استأجره أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه وأرضاه!
4. طمس آثار الأقدام: قام بذلك عامر بن فهيرة، وهو راع لدى أبي بكر الصديق!
5. الإمداد الغذائي: قامت بذلك أسماء بنت أبي بكر الصديق, وقد عرفت بعد ذلك بذات النطاقين؛ لأنها شقت نطاقها نصفين، انتطقت بنصفه الأول، وربطت الطعام بنصفه الثاني!
6. تتبع الأخبار السياسية: قام بذلك عبد الله بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما.

ومن دروس الهجرة النبوية الثقة بنصر الله جل في علاه، فبينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة، جعلت قريش مئة ناقة لمن يأتي برأسه حيا أو ميتا، فلحقه وسار في طلبه كثيرون طمعاً في الجائزة، منهم رجل يدعى سراقة بن مالك. ولما اقترب سراقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تدخلت قدرة الله، فحصلت معجزة! لقد ساخت ( أي غاصت) أقدام فرس سراقة في التراب! فعلم سراقة أن رسول الله ممنوع (أي معصوم) من قبل الله، عندها طلب سراقة من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله له ليفرج عنه ما هو فيه!

فدعا له وطلب منه أن يعمِّي على قريش خبر هجرة النبي وصاحبه أبي بكر، ووعده إن فعل ذلك أن يعطيه سواري كسرى وقيصر! وهذا يدل على ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الكاملة بنصر الله تعالى، مع أنه صلى الله عليه وسلم مطارد أعزل من كل شيء إلاَّ من الإيمان بالله تعالى.
وقد تحققت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد نصر الله عباده المؤمنين على الفرس والروم! وأتي بسواري كسرى وقيصر، ووضعت أمام خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: أين سراقة بن مالك؟ وكان سراقة يومها شيخاً كبير السن فألبسه عمر بن الخطاب سواري كسرى وقيصر، إلاَّ أن سراقة تبرَّع بهما لبيت مال المسلمين!

إن العبرة التي ينبغي أن نأخذها من حادثة الهجرة هي أن نقيس أنفسنا بمقياس الله، أن نفعل كما فعل رسول الله، أن نهجر الباطل، وأن نقبل على الحق، أن نهجر المبادئ المستوردة والأفكار المتعفنة، وشرائع الكفر، أن نتوجه إلى قرآننا وسنة نبينا نسألهما الشفاء، نسألهما الدواء! إن حال أمتنا كحال الرجل الذي وقف بجانب النهر يسأل: أأتيمم من تراب الضفة اليسرى أم من تراب الضفة اليمنى؟ ونسي أو تناسى أنه لا يجوز له التيمم مع وجود الماء، نسي القاعدة الشرعية التي تقول: (إذا حضر الماء بطل التيمم).

ونحن قد وقفنا بجانب نبع الإيمان الصافي، وحكم الله الذي لا يخطئ وشرع الله المنزل من عنده فنسأل: أنأخذ الاشتراكية أم الرأسمالية؟ ونسينا أو تناسينا أنه لا يجوز لنا إلا أخذ الإسلام! وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجر؟ فقال عليه السلام: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
وقبل الختام نقول: إن أمة لا تحترم دينها ولا تطبقه في حياتها ولا تقرأ تاريخها لتستفيد منه لهي أمة جديرة بالفناء! وسيأتي التاريخ ليكتب: إن أمة كانت هنا ثم ذهبت!

أما أهم الدروس والعبر المستفادة من هذه الحلقة فهي:
1. الحرص على سلامة القاعدة الفكرية لدى الأمة الإسلامية.
2. الهجرة ليست مجرد مراسم واحتفالات، بل هي محل الاقتداء، وموضع التأسي.
3. الهجرة دعوة للتضحية والفداء من أجل إعلاء كلمة الله.
4. الهجرة دعوة إلى إحسان اختيار الصديق، والحرص على اختيار الصديق الصالح.
5. حرص القائد على سلامة أفراد الرعية.
6. لإنجاح العمل لا بد من إعداد الخطة، وأخذ الاحتياطات اللازمة.
7. الثقة الكاملة بنصر الله تعالى لعباده المؤمنين.
8. الهجرة إقبال على الحق، وهجرانٌ للباطل.

وختاما نسأل الله عز وجل أن يعجل لنا بالخلاص، وان يبعث فينا إماماً مخلصاً رحيماً بأمته، يقودنا لطاعته وإقامة حكمه. وأن يكرمنا بقيام دولة الخلافة وأن يجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.