December 23, 2013

حقوق الإنسان حصان طروادة الكفار الرأسماليين المستعمرين


موجة احتفالات باليوم العالمي لحقوق الإنسان تجتاح العالم هذه الأيام للترويج لمبادئ حقوق الإنسان، وتسليط الضوء عليها باعتبارها المثل العليا والضامن الحقيقي لاستقرار وأمن ورفاهية المجتمعات، احتفال السودان يأتي هذا العام وما زال تصنيفه ضمن دائرة الدول التي تنتهك حقوق الإنسان، وذلك منذ التسعينات، بسبب رفع بعض شعارات الإسلام كالجهاد في جنوب السودان وضبط بعض مظاهر الحياة العامة، وعلى الرغم من تخلي النظام الحاكم عن هذه الشعارات، وعن جنوب السودان، لكن ما زال شبح العقوبات يلاحقه خاصة في ظل حروب يخوضها النظام ضد مجموعات مسلحة في أكثر من مكان.


وقد خاطب الاحتفال في اليوم العالمي لحقوق الإنسان - محمد بشارة دوسة وزير العدل قائلاً: "إن السودان دولة تحترم حقوق الإنسان الذي كرمه الله من خلال القرآن الكريم بالإضافة إلى احترامه للمواثيق الدولية باعتبارها حقوقًا لكل إنسان". وقال: "إن السودان تقدم كثيراً في هذا المجال على الرغم من نظرة البعض لهذا الإنجاز بصورة سلبية في المحيط الإقليمي والدولي"، وأكد دوسة أن "السودان من خلال الخطة العشرية وتوصيات الشراكة كلها قضايا نضع لها خططاً من أجل تنفيذها والسعي إلى تعزيز حقوق الإنسان من خلالها". وقال دوسة "إن زيارة الخبير الخاص بحقوق الإنسان للسودان حالياً تأتي للوقوف على أوضاع حقوق الإنسان، ونحن نفتح له كل الأبواب لينظر لقضايا حقوق الإنسان بصورة موضوعية لأن أكبر ضامن لحقوق الإنسان هو المواطن السوداني."


ولكي نقف على حقيقة حقوق الإنسان فلا بد من معرفة المبدأ الذي تقوم عليه، والأفكار والمفاهيم التي تعالَج بها القضايا حتى يجوز لنا أن نقبلها ونحتفل بها ونفتح لها أبوابنا أو نرفضها ونوصد الأبواب دونها.


إن من الشعارات البراقة التي ترفعها أميركا والغرب بشكل عام، ويعملون على حمل المسلمين على أخذها وتبنّيها «حقوق الإنسان». وهذا الشعار له بريق أخّاذ في عيون الكثير من أبناء المسلمين، بسبب ما يلاقونه على أيدي حكامهم من ظلم وبطش واضطهاد تعدى استعباد فرعون لبني إسرائيل، ما جعلهم يتشوقون إلى كل ما من شأنه أن يعتقهم دون تفكير في حقيقته ومآلاته. وأصل هذه الحقوق نظرة المبدأ الرأسمالي لطبيعة الإنسان، وللعلاقة بين الفرد والجماعة، ولواقع الـمجتمع، ووظيفة الدولة. ففي نظرته لطبيعة الإنسان، يَرى هذا المبدأ أن الإنسان بطبيعته خيّر وليس شريراً، وأنّ الشر الذي يصدر عنه سببه تقييد إرادته. ولذلك ينادي الرأسماليون بإطلاق إرادة الإنسان حتى يعبّر عن طبيعته الخيّرة. ومن هنا نشأت فكرة الحريات التي أصبحت أبرز أفكار المبدأ الرأسمالي ولكن هذه النظرة الموغلة في الضلال قادته إلى أوضاع كارثية ما زال يعاني منها بسبب هذه الحريات التي أصبح بموجبها يفعل الإنسان ما يخالف كل دين وخلق ونزل إلى درك البهيمية.


والنظرة الصحيحة لطبيعة الإنسان هي أنه لديه غرائز وحاجات عضوية تتطلب الإشباع. وبفضل ما وهبه الله من عقل، صارت لديه الإرادة ليختار الطريقة التي يُشبع بها غرائزه وحاجاته. فإنْ أشبعها بطريقة صحيحة يَفعل الخير، وإن أشبعها بطريقة خاطئة أو شاذة يَفعل الشر. فالإنسان بذلك مهيَّأ بطبيعته للخير والشر معاً، وهو الذي يختار الخير أو الشر بإرادته. وهذه هي النظرة التي يقول بها الإسلام، والتي بيّنها سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاها فَألْهَمَها فُجورَها وتَقْواها﴾؛ وقوله: ﴿وَهَدَيْناه النَّجْدَيْن﴾. فالمسالة إذنْ ليست في إطلاق حريات ولكن في معالجة الغرائز والحاجات العضوية بنظام عادل يأتي من جهة غير الإنسان وغير الواقع بل ممن يحيط بهم وهو الخالق سبحانه وتعالى.


أما بالنسبة للعلاقة بين الفرد والجماعة، فالرأسماليون يقولون إنها علاقة تناقُض، ولذلك لا بد من حـماية الفرد من الجماعة، وتأمين حرّياته وحـمايتها، وجعلوا وظيفة الدولة الأساسية تأمين هذه المصلحة وصيانتها. أي إن الدولة وسيلة وليست غاية.


وفي نظرتهم للمجتمع قالوا إنه مجموع الأفراد الذين يعيشون فيه، فإذا ما تمّ تأمين مصالح الفرد، تأمَّنت مصالح الـمجتمع بشكل طبيعي. وهذه نظرة خاطئة لأن العلاقة الصحيحة هي كما صَوَّرَها الإسلام من أنها علاقة عضوية وعلاقة تكامل، وليست علاقة تناقُض. فالفرد جزء من الجماعة مثلما أن اليد جزء من جسم الإنسان. وكما أن الجسم لا يستغني عن اليد، فإن اليد لا قيمة لها إذا انفصلت عن الجسم.


والإسلام جَعل للفرد حقوقاً وللجماعة حقوقاً، وهذه الحقوق ليست متضاربة ولا متناقضة بل متكاملة تقود إلى تعاون مثمر. كما رتَّب على كل منهما واجبات تجاه الآخر، وأناط بالدولة تأمين التوازن بين الطرفين بحيث لا يطغى أي منهما على الآخر. فكل منهما يجب أن ينال حقوقه ويؤدي واجباته. وليس هناك ما هو أروع في وصف العلاقة بين الفرد والجماعة مما قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «مَثَلُ القائِمِ على حُدودِ الله والواقِعِ فيها كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا على سفينةٍ فأصابَ بعضُهُم أعْلاها وبعضُهُم أسفلَها، فكان الذين في أسفلها إذا اسْتَقوْا من الماء مَرّوا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنّا خَرَقْنا في نصيبِنا خَرْقاً ولم نُؤْذِ مَن فَوْقَنا، فإنْ يتركوهم وما أرادوا هَلَكوا جميعاً، وإنْ أخَذوا على أيديهم نَجَوْا ونَجَوْا جـميعاً».


إن قول الرأسماليين بأن الـمجتمع ما هو إلا مجموع الأفراد الذين يعيشون فيه فهو مجانِب للصواب. فالمجتمع ليس مجموع الأفراد الذين يعيشون فيه، وإنما هو هؤلاء الأفراد والأفكار والمشاعر السائدة بينهم والنظام المطبَّق عليهم. أي هو أفراد بينهم علاقات دائمية. فرُكّاب سفينة أو قطار ليسوا مجتمعاً حتى وإن بلغوا الآلاف، في حين يشكّل سكان قرية صغيرة مجتمَعاً حتى لو لم يتجاوز عددهم المئات.


وبهذا يتبين خطأ المبدأ الرأسمالي في فهم واقع الـمجتمع، وخطؤه في فهم طبيعة الإنسان، والعلاقة بين الفرد والجماعة.


أما خطؤه في فهم وظيفة الدولة فهو أكثر وضوحاً. فالدولة ليست وسيلة لتأمين مصالح الفرد وحـمايتها فقط، بل هي الكيان الذي يَرعى شؤون الفرد والجماعة والـمجتمع ككل داخلياً وخارجياً وفق نظام معيَّن يحدِّد حقوق الجميع وواجباتهم، إضافة إلى حمل رسالتها للعالم، إذا كانت لها رسالة إنسانية، أي تصلُح للإنسان بوصفه إنسَاناً بغض النظر عن أي اعتبار آخر. وحقوق الإنسان مبنية على المبدأ، وهي أُس البلاء في الـمجتمعات الرأسمالية، التي تحوّلت بسببها إلى غابات وحوش يَأكل القوي فيها الضعيف وينحدر فيها الإنسان إلى درك الحيوان، نتيجة لإطلاق العنان لغرائزه وحاجاته العضوية. فالناس في الـمجتمعات الرأسمالية أشبه بالبهائم، همّهم التمتع بأكبر قسط من المتع الجسدية، الأمر الذي يعتبره المبدأ الرأسمالي قمة السعادة، رغم أن الحقيقة هي أن هذه الـمجتمعات لا تعرِف للسعادة طعماً، بل يَعُمّها الشقاء والاضطراب والقلق الدائم.


والحريات التي يدعو لها الغربيون هي:


1/ حرية العقيدة: وهي أن للإنسان الحق في أن يؤمن بأي مبدأ وأي دين، وأن يكفر بأي دين وأي فكرة، وله أن يبدّل دينه، وله أن لا يؤمن بدين على الإطلاق، ما أوجد عبدة الشيطان والملحدين وكل أصناف الضلال.


2/ حرية الرأي: وهي تعني عند الرأسماليين أن للإنسان الحق في أن يقول ويُعلِن أي رأي في أي شيء وأي أمر دون قيود. وهذه الحرية لها جاذبيتها عند بعض المسلمين، نتيجة لعيشهم في دول قمعية (بوليسية) تَمنع أي شخص من أن يقول برأيه إذا كان يخالف رأي الحاكم، حتى لو كان رأيه هذا مستمَداً من الإسلام، بل حتى لو كان ما يقوله آية قرآنية أو حديثاً شريفاً، ما دام مضمون الآية أو الحديث يناقِض رأياً يقول به الحاكم، أو سياسة يتبعها، لدرجة أن أحد حكام المسلمين أمر أجهزته القمعية بنزع آيات وأحاديث عن جدران المساجد والأماكن العامة وتمزيقها لـمجرّد أنها تبيّن حقيقة اليهود كقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَداوةً للذين آمَنوا اليَهودَ والذين أشْركوا﴾.


إن حرية الرأي تعني السماح للعملاء والمنافقين والفجّار وأعداء الإسلام بالدعوة ضد الإسلام، وهدم كيان الأمة وتمزيقها إلى قوميات ودويلات وطوائف وفئات، وما إلى ذلك من دَعَوات تقوم على عصبيات جاء الإسلام ونبذها، وحرّم على المسلمين المناداة بها، ووصفها الرسول عليه الصلاة والسلام بأنها منتِنة. كما تعني السماح لهم بالدعوة لأفكار الكفر التي تروِّج لانحلال النساء، والرذيلة، والفساد، وتقويض قيم الشرف والعرض. ويكفي أن يتذكر المرء ما سمحت به هذه الحرية للمرتد سلمان رشدي من أن يقوله بحق النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين ليدرك حقيقة هذه الحرية.


صحيح أن الإسلام أباح للمسلم أن يقول برأيه في كل شيء وفي كل أمر، ولكنه قيّده بأن يكون رأيه هذا منبثقاً عن العقيدة الإسلامية أو مبنياً عليها، وضِمْنَ ما أباح الإسلام الخوض فيه. فله أن يقول بأي رأي ولو خالف رأي الخليفة وما يتبنّاه، ولو خالف رأي معظم المسلمين، شريطة أن يكون رأيه هذا مستنداً إلى دليل من الشرع، أو ضمن حدود الشرع. بل إن الإسلام أوجب على المسلم أن يقول برأيه، ويحاسِب الحاكم إذا ظلم أو قال أو أمر بما يُغضِب الله، بل وجعل عمله هذا في مرتبة سَيِّد الشهداء.


3/ ِأما حرية التملك، فيَقصد بها الرأسماليون أن للإنسان الحق في أن يتملك ما يشاء كما يشاء، وأن يتصرف بما يملك كما يشاء، شريطة أن لا يتعدى في ذلك على حقوق الآخرين، أي التي يعتبرها النظام الرأسمالي حقاً لهم. وهذا يعني أن للإنسان أن يتملك كل شيء، ما أحَلّ الله تملكه، وما حَرّم، وله أن يتصرّف بما يَملك كما يشاء، سواء تقيَّد في ذلك بأوامر الله ونواهيه أو لم يتقيّد.


فحسب حرية التملك للإنسان أن يملك المال بالربا والقمار وبيع الخمور والتغول على الملكية العامة التي هي حق لكل الناس، فله أن يملك آبار نفط أو مناجم ذهب، ونتيجة لحرية التملك هذه نشأت الجريمة المنظمة )المافيا) والتي تقف الدول الغربية عاجزة عن إيجاد أي علاج لها.


4/ الحرية الشخصية: وهي الحرية الرابعة التي يدعو لها النظام الرأسمالي ويعمل لتحقيقها وصيانتها. وهي تعني حسب هذا النظام أن لكل إنسان الحق في أن يعيش حياته الخاصة كما يشاء، شريطة عدم التعدي على الحياة الخاصة للآخرين. فله أن يتزوّج، وله أن يعاشِر أي امرأة دون زواج ما دام ذلك برضاها. وله أن يمارِس الشذوذَ الجنسي ما دامت هذه الممارسة ليس فيها طرف قاصر. وللإنسان حسب الحرية الشخصية أن يأكل ويشرب ويلبس ما يشاء ضمن حدود النظام العام، ولا وجود عند الرأسماليين المنادين بهذه الحرية لحرام أو حلال في السلوك الشخصي للإنسان، ما دام هذا الإنسان مؤهلاً للتصرف قانونياً، الأمر الذي يتفاوت بين مجتمع وآخر ومن حين لآخر.


ولا أثر للدين في هذه الحرية. فالنظام منفصل عن الدين حسب الشرعة الرأسمالية. ونتيجة لتطبيق هذه الحرية في الـمجتمعات الرأسمالية انتشرت الرذيلة، وأصبح الرجال والنساء يعيشون مع بعضهم دون رباط شرعي، بل ويعيش الرجال مع الرجال والنساء مع النساء، ويقيمون علاقات شاذة فيما بينهم وتحت حـماية القانون ومباركة الكنيسة. وقد تفشّى الشذوذ الشخصي وليس الجنسي فقط في الـمجتمعات الرأسمالية نتيجة للحرية الشخصية، وظهرت صرعات لا تخطر على البال. وما الأفلام والـمجلات الإباحية، وخدمات الهاتف الجنسية، ونوادي العراة، والهيبيون وأمثالهم، إلا شاهد على الانحراف والشذوذ اللذين تردَّت فيهما الـمجتمعات الرأسمالية بفضل الحرية الشخصية.


إن هذه كلها عندهم مطيةٌ للتدخل في شؤون الدول المستضعفة التي لا تملك أن تقول لهم لا، وإلا لماذا تغيب حقوق الإنسان عندما ترتدي مسلمة في بلد الحريات زيها الشرعي؟


وهي جميعها مناقِضة للإسلام، ولا يجوز قبولها أو الدعوة لها. وهذه الحريات هي الأصل الذي انبثقت عنه ما تُسمَّى «حقوق الإنسان»، التي تدعو لها أميركا، كما يدعو لها ويتباهى بها بعض حكام المسلمين ومَن حولهم من الـمحسوبين على الإسلام، إلى جانب المضبوعين بثقافة الغرب، والمضلَّلين من السُّذَّج. ومَن يدعو لها من المنتمين للإسلام فهو إما جاهل، وإما فاجر، وإما كافر. فمَن لا يُدرِك تناقض «حقوق الإنسان» مع الإسلام، ولكنه يدعو لها عصياناً وفسقاً فإنه فاجر، وأما مَن يؤمن بها كما هي على حقيقتها، أي باعتبارها منبثقة عن عقيدة فصل الدين عن الحياة التي هي عقيدة كفر، ويدعو لها على هذا الأساس، فإنه كافر دون أدنى ريب، لأنه والحالة هذه لا يعتنق عقيدة الإسلام. وهذا ليس تكفيرا لأحد بل وصف واقع من يعتقد بهذه الحريات.


و«حقوق الإنسان» بهذا المسمى نادت بها الثورة الفرنسية (1789م) وألحقتها كوثيقة في دستورها الذي صدر عام 1791م. ومِن قَبْلها نادت بهذه الحقوق الثورة الأميركية (1776م). وإجمالاً فإن سائر الدول الأوروبية تبنّتها في القرن التاسع عشر. غير أنها ظلت شأناً داخلياً لكل دولة.


ولم تتحوّل «حقوق الإنسان» إلى شِرعة دولية إلا عقب الحرب العالمية الثانية، وبعد إنشاء الأمم المتحدة، وذلك عام 1948م حين صدر «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان». وفي عام 1961م أُلحِق به ما سُمِّي «العهد الدولي بشأن حقوق الإنسان المدنية (القانونية) والسياسية». كما صدر في عام 1966م ما سُمِّي «العهد الدولي بشأن حقوق الإنسان الاقتصادية والثقافية والاجتماعية».


غير أنها ظلّت شِرعة دولية فقط، ولم يبدأ العمل لجعلها شرعة عالمية، أي شرعة تتبناها الشعوب وليس الدول فقط إلا عام 1993م، أي بعد عاميْن من سقوط الاشتراكية وتفرُّد المبدأ الرأسمالي دولياً. فقد انعقد في (فينّا) مؤتمر في ذلك العام، صدر عنه ما سُمِّي «إعلان (فينّا) للمنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان»، الذي أوصت مجموعة العمل فيه بالتأكيد على «عالمية حقوق الإنسان»، وتطبيقها بالتساوي على مختلف الأنماط الثقافية والقانونية، ورفْض الادّعاء بأن هذه الحقوق تتباين بين مجتمع وآخر. وهذا يعني رفْض أخذ الإسلام بعين الاعتبار عند تطبيق «حقوق الإنسان» في بلاد المسلمين.


وللتأكيد على «حقوق الإنسان» كشرعة دولية، اتخذتها الولايات المتحدة ركيزة من ركائز سياستها الخارجية، وذلك في أواخر السبعينيات (في عهد الرئيس كارتر). وصارت وزارة الخارجية الأميركية منذ ذلك الحين تُصدِر تقريراً سنوياً حول تقيّد دول العالم بتطبيق هذه الحقوق، ومدى السماح لرعاياها بممارستها. ودأبت منذ ذلك الحين على اتخاذ مواقف من الدول التي تَرى واشنطن أنها لا تتقيد بمقتضيات هذه الحقوق. ومِن ذلك ربطها بين مبيعات القمح الأميركي للاتحاد السوفييتي وبين سماحه بهجرة اليهود السوفييت إلى كيان يهود في فلسطين. كما اتخذت أميركا «حقوق الإنسان» ذريعة للتدخل العسكري في هاييتي عام 1994م. وكما هو حال السياسة الخارجية الأميركية بوجه عام، فإن سياسة واشنطن المرتكِزة على «حقوق الإنسان» تجاه دول العالم انتقائية. فهي تغض الطرْف عن خرق هذه الحقوق في الدول التي ترى أن من مصلحتها عدم إثارتها معها، وتكتفي إزاء بعض الدول بالتنديد الكلامي كما في سوريا التي يباد شعبها على يد سفاح الشام بشار وأمريكا تعطيه المهلة تلو المهلة ما دامت لم تجد له بديلاً يحقق مصالحها، بينما تتخذ إزاء دول أخرى إجراءات عسكرية كما فعلت تجاه هاييتي. والآن في غرب أفريقيا التي أعطت الأمم المتحدة لفرنسا في اقتسام للمصالح أعطتها اليد العليا عليها فشنّت حروبًا شرسة في مالي تشرد وقُتل على أثرها الكثير من الناس، وها هي في أفريقيا الوسطى والحبل على الجرار.


غير أن الأصل في رفض «حقوق الإنسان» مِن قِبل المسلمين هو كونها من المبدأ الرأسمالي بعقيدته الفاسدة، وكونها تعبيراً عن نظرة هذا المبدأ للفرد والـمجتمع، وأنها تفصيل للحريات الأربع التي نادى بها، فعقيدة هذا المبدأ وكل الأفكار النابعة منها أو المبنية عليها تتناقض مع الإسلام جـملة وتفصيلاً، ويجب على المسلمين نبذها ودحضها والتصدي لمروِّجيها.


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم أواب/ غادة عبد الجبار

* الاقتباس في المقال من كتاب الحملة الأمريكية للقضاء على الإسلام الذي أصدره حزب التحرير.

More from null

The Absence of the State's Role in Confronting the Health Disaster: Dengue Fever and Malaria

The Absence of the State's Role in Confronting the Health Disaster

Dengue Fever and Malaria

With the widespread outbreak of dengue fever and malaria in Sudan, the features of an acute health crisis are unfolding, revealing the absence of an effective role for the Ministry of Health and the state's inability to confront an epidemic that claims lives day after day. Despite scientific and technological advances in pathology, the facts are revealed and corruption emerges.

Absence of a Clear Plan:

Despite the number of infections exceeding thousands, and mass deaths being recorded according to some media sources, the Ministry of Health has not announced a clear plan to combat the epidemic. The lack of coordination between health authorities and the absence of a proactive vision in dealing with epidemic crises are noticeable.

Collapse of Medical Supply Chains

Even the simplest medicines like "Panadol" have become scarce in some areas, reflecting a collapse in supply chains and the absence of oversight in the distribution of medicines, at a time when one needs the simplest tools of pain relief and support.

Absence of Community Awareness

There are no effective media campaigns to educate people about ways to prevent mosquitoes or recognize the symptoms of the disease, which increases the spread of infection and weakens the community's ability to protect itself.

Weak Health Infrastructure

Hospitals suffer from a severe shortage of medical personnel and equipment, even basic diagnostic tools, which makes the response to the epidemic slow and random, and endangers the lives of thousands.

How Have Other Countries Dealt with Epidemics?

Brazil:

- Launched ground and aerial spraying campaigns using modern pesticides.

- Distributed mosquito nets and activated community awareness campaigns.

- Provided medicines urgently in affected areas.

Bangladesh:

- Established temporary emergency centers in poor neighborhoods.

- Provided hotlines for reports and mobile response teams.

France:

- Activated early warning systems.

- Intensified monitoring of the transmitting mosquito and started local awareness campaigns.

Health is one of the most important duties and the state is fully responsible

Sudan still lacks effective detection and reporting mechanisms, making the real numbers much higher than announced, and increasing the complexity of the crisis. The current health crisis is a direct result of the absence of an active state role in health care that puts human life at the forefront of its priorities, a state that applies Islam and applies the saying of Omar Ibn Al-Khattab, may God be pleased with him, "If a mule stumbles in Iraq, God will ask me about it on the Day of Resurrection."

Proposed Solutions

- Establishing a health system that fears God first in human life and is effective, not subject to quotas or corruption.

- Providing free health care as a basic right for all the people. And canceling licenses for private hospitals and preventing investment in the field of medicine.

- Activating the role of prevention before treatment, through awareness campaigns and mosquito control.

- Restructuring the Ministry of Health to be responsible for people's lives, not just an administrative body.

- Adopting a political system that puts human life above economic and political interests.

- Disconnecting from criminal organizations and the drug mafia.

In the history of Muslims, hospitals were built to serve people for free, managed with high efficiency, and funded from the treasury, not from people's pockets. Health care was part of the state's responsibility, not a favor or a trade.

What is happening today in Sudan from the spread of epidemics, and the absence of the state from the scene, is a warning sign that cannot be ignored. What is required is not just providing Panadol, but establishing a real welfare state that cares about human life, and addresses the roots of the crisis, not its symptoms, a state that is aware of the value of man and his life and the purpose for which he was found, which is to worship God alone. The Islamic state is the only one capable of addressing health care issues through a health system that can only be implemented under the second righteous caliphate on the method of prophecy, which will be established soon, God willing.

﴿O you who have believed, respond to Allah and to the Messenger when he calls you to that which gives you life.﴾

Written for the Central Media Office Radio of Hizb ut-Tahrir

Hatem Al-Attar - Egypt Province

The Honor of Companionship with Abu Osama, Ahmed Baker (Hazeem), may God have mercy on him

The Honor of Companionship with Abu Osama, Ahmed Baker (Hazeem), may God have mercy on him

On the morning of the twenty-second of Rabi’ al-Awwal 1447 AH, corresponding to the fourteenth of September 2025 AD, at the age of eighty-seven, Ahmed Baker (Hazeem), one of the first generation in Hizb ut-Tahrir, passed away to his Lord. He carried the call for many years and endured long imprisonment and severe torture for its sake, but he did not falter, weaken, change, or alter, thanks to God's grace and help.

He spent long years in Syria in the eighties during the rule of the late Hafez, in hiding, until he was arrested with a group of Hizb ut-Tahrir youth by the Air Force Intelligence in 1991, to face the most severe forms of torture under the supervision of the criminals Ali Mamlouk and Jamil Hassan, where one of those who entered the interrogation room after a round of interrogation with Abu Osama and some of his comrades told me that he saw some pieces of flesh flying and blood on the walls of the interrogation room.

After more than a year in the cells of the Air Force Intelligence Branch in Mezzeh, he was transferred with the rest of his colleagues to Sednaya prison to be sentenced to ten years, of which he spent seven years patiently and expectantly, then God bestowed upon him relief.

After his release from prison, he continued to carry the call directly and continued until the arrests of the party's youth began, which included hundreds in Syria in the middle of December 1999, where his house in Beirut was raided and he was kidnapped to be transferred to the Air Force Intelligence Branch at Mezzeh Airport, to begin a new phase of terrible torture. Despite his old age, he was, with God's help, patient, steadfast, and expectant.

After nearly a year, he was transferred to Sednaya prison again, to be tried in the State Security Court, and later sentenced to ten years, of which God decreed that he spend nearly eight years, then God bestowed upon him relief.

I spent a full year with him in 2001 in Sednaya prison, but I was right next to him in the fifth dormitory (A) on the left of the third floor, I used to call him my dear uncle.

We used to eat together, sleep next to each other, and study culture and ideas. From him we gained culture and from him we learned patience and steadfastness.

He was tolerant, loved people, and was keen on the youth, instilling in them confidence in victory and the imminence of the fulfillment of God's promise.

He was a memorizer of the Book of God and he used to read it every day and night and he used to spend most of the night in prayer, and when dawn approached, he would shake me to wake me up for the night prayer and then for the dawn prayer.

I left prison and then returned to it in 2004, and we were transferred to Sednaya prison again in early 2005, to meet again with those who remained in prison when we left for the first time at the end of 2001, and among them was the dear uncle Abu Osama Ahmed Baker (Hazeem), may God have mercy on him.

We used to walk for long periods in front of the dormitories to forget with him the walls of the prison, the iron bars, and the separation from family and loved ones, how not, when he spent long years in prison and suffered what he suffered!

Despite my closeness to him and my companionship with him for long periods, I never saw him complain or grumble, as if he were not in prison, but soaring outside the walls of the prison; soaring with the Qur’an that he recites in most of his times, soaring with the wings of confidence in God’s promise and the glad tidings of His Messenger ﷺ of victory and empowerment.

We were in the darkest and most severe circumstances looking forward to the day of the great victory, the day when the glad tidings of our Messenger ﷺ are fulfilled "Then there will be a Khilafah according to the method of Prophethood." We longed to gather under the shade of the Khilafah and the banner of the Eagle fluttering. But God decreed that you move from the abode of misery to the abode of eternity and permanence.

We ask God to be in the highest Paradise and we do not purify anyone before God.

Our dear uncle, Abu Osama:

We ask God to cover you with His vast mercy, to dwell you in His spacious gardens, to make you with the righteous and the martyrs, and to reward you for the harm and torment you have suffered with the highest degrees in Paradise, and we ask Him, the Almighty, to gather us with you at the Cistern with our Messenger ﷺ and in a permanent abode of His mercy.

Our consolation is that you are arriving to the Most Merciful of the merciful, and we say only what pleases God, Indeed, we belong to God, and indeed, to Him we will return.

Written for the Media Office of Hizb ut-Tahrir

Abu Sateef Jijo