مع الحديث النبوي الشريف (20) العبد المؤمن بين مخافتين: .... أجل مضى, وأجل بقي!!
مع الحديث النبوي الشريف (20) العبد المؤمن بين مخافتين: .... أجل مضى, وأجل بقي!!

نُحَيِّيكُمْ جَمِيعًا أيها الأَحِبَّةُ الكِرَامَ فِي كُلِّ مَكَانٍ, نَلتَقِي بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بَرنَامَجِكُم "مَعَ الحَدِيثِ النَّبوِيِّ الشَّرِيفِ" وَنَبدَأ بِخَيرِ تَحِيَّةٍ وَأزكَى سَلامٍ, فَالسَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَبَعدُ: ...

0:00 0:00
Speed:
December 21, 2024

مع الحديث النبوي الشريف (20) العبد المؤمن بين مخافتين: .... أجل مضى, وأجل بقي!!

مع الحديث النبوي الشريف (20)

العبد المؤمن بين مخافتين: .... أجل مضى, وأجل بقي!!

نُحَيِّيكُمْ جَمِيعًا أيها الأَحِبَّةُ الكِرَامَ فِي كُلِّ مَكَانٍ, نَلتَقِي بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بَرنَامَجِكُم "مَعَ الحَدِيثِ النَّبوِيِّ الشَّرِيفِ" وَنَبدَأ بِخَيرِ تَحِيَّةٍ وَأزكَى سَلامٍ, فَالسَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَبَعدُ:

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ, وَبَعْدَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ وَيُصَلِّيَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُإِنَّ لِكُمْ مَعَالِمَ فَانْتَهُوا إِلَى مَعَالِمِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ, إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ, وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ، فَلْيَأْخُذِ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْ دُنْيَاهُ لآخِرَتِهِ، وَمِنَ الشَّبِيبَةِ قَبْلَ الْهَرَمِ، وَمِنَ الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَمَا بَعْدَ الدُّنْيَا دَارٌ إِلا الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ». (ذَكَرَهُ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ).

كَانَتِ الخِطَابَةُ الجَاهِلِيَّةُ لا تُعنَى بِالتَّرتِيبِ وَالتَّسَلْسُلِ, وَلا تُخَاطِبُ العَقْلَ الوَاعِي البَصِيرِ، بَلْ هِيَ بِمَثَابَةِ صَرْخَةِ مُتَحَمِّسٍ يَصِيحُ بِهَا فِي المَلأ. فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَأحْدَثَ انقِلاباً كَبِيراً فِي الخِطَابَةِ شَكلاً وَمَضْمُونًا: أمَّا شَكْلاً فَمِنْ حَيثُ مَظهَرِهِ، فَهُوَ وَضِيءٌ نَظِيفٌ ذُو صَوتٍ مَلِيءٍ وَلَفْظٍ طَلِقٍ يَحُوزُ القُلُوبَ لِمُجَرَّدِ رُؤيَتِهِ وَالسَّمَاعِ إِلَيهِ. هَذَا المَظهَرُ الشَّكلِيُّ لِلْخَطِيبِ يُفْرِغُ عَلَيهِ مَهَابَةً وَقَبولاً فِي النُّفُوسِ. أمَّا مَضمُوناً فَقَدْ غَلَبَ الإِيجَازُ عَلَى خُطَبِ النَّبِيِّ، وَالإِيجَازُ هُوَ تَأدِيَةُ المَعَانِي الكَثِيرَةِ بِالألفَاظِ القَلِيلَةِ، وَمِنْ هُنَا شَاعَتْ جَوَامِعُ الكَلِمِ فِي خُطَبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. وَاتَّسَمَتْ خُطَبُهُ عَلَيهِ الصلاة والسَّلامُ بِالجِدِّيةِ فِي طَرْحِ الأفكَارِ, وَقُوَّةِ الإقنَاعِ، بِحَيثُ لا تَدَعُ مَنْفَذاً لِمُخَالِفٍ. وَمَصدَرُ الإِقنَاعِ حَرَارَةُ الصِّدْقِ وَالإِخلاصِ لِلرِّسَالَةِ، وَقُوَّةُ إِيمَانِهِ بِهَا. وَلِذَلِكَ تَجِدُ خُطَبُهُ مُرَتَّبَةَ الأَلفَاظِ, مُطَّرِدَةَ المَعَانِي وَاضِحَةَ التَّرَاكِيبِ. كَالسُّلَّمِ تُسلِمُ دَرَجَاتُهُ بَعضُهَا إِلَى بَعضٍ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الغَايَةِ المَنشُودَةِ.

امتَازَتْ خُطَبُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِبَرَاعَةِ الاستِهْلالِ, وَقَدِ استَهَلَّ هَذِهِ الخُطبَةَ بِالنِّدَاءِ بِمَا فِيهِ مِنْ تَنبِيهٍ لِلسَّامِعِ وَجَلْبِ انتِبَاهِهِ فَقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «أَيُّهَا النَّاسُإِنَّ لِكُمْ مَعَالِمَ فَانْتَهُوا إِلَى مَعَالِمِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ». فَبَدَأ النِّدَاءَ بِقَولِهِ: "أيُّهَا النَّاسُ"؛ لِيَكُونَ الخِطَابُ عَامّاً لِجَمِيعِ البَشَرِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. قَولُهُ عَلَيهِ الصلاة والسَّلامُ: "مَعَالِمُ": مُفردُها: "مَعْلَمٌ"، وَهُوَ الأثَرُ يُستَدَلُّ بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ, وَهِيَ استِعَارَةٌ تَصرِيحِيَّةٌ حَيثُ شَبَّهَ أوَامِرَ الدِّينِ وَنَوَاهِيَهُ بِالعَلامَاتِ الَّتِي يَستَرشِدُ الإِنسَانُ بِهَا فِي طَرِيقِهِ فَلا يَضِلُّ، وَحَذَفَ المشَبَّهَ وَصَرَّحَ بِالمُشَبَّهِ بِهِ. وَسِرُّ جَمَالِهَا تَجسِيمُ المَعنَى وَإِبرَازُهُ فِي صُورَةٍ مَحسُوسَةٍ. وَاختَارَ لَفْظَ "المَعَالِمِ"؛ لِيَدُلَّ عَلَى أثَرِ الدِّينِ فِي الإِرشَادِ وَالتَّوجِيهِ, وَفِيهَا دَلالَةٌ نَفسِيَّةٌ خَاصَّةٌ بِالنِّسبَةِ لِسُكَّانِ الصَّحرَاءِ الَّتِي يَكثُرُ فِيهَا التِّيهُ وَالضَّيَاعُ, وَتَظهَرُ قِيمَةُ المَعَالِمِ فِي بُلُوغِ الهَدَفِ بِسَلامٍ. وَأضَافَ "المَعَالِمَ" إِلَى ضَمِيرِ المُخَاطَبِينَ فَقَالَ: "مَعَالِمِكُمْ"؛ لِيُوحِيَ بِأنَّ الدِّينَ مَا جَاءَ إِلا لإِرشَادِهِم. وَتُحِسُّ ذَلِكَ أيضاً فِي قَولِهِ: "لكم" وَقَولِهِ: "نِهَايَتِكُمْ". وَبِنَاءُ الفَقرَةِ يُرَاوِحُ بَينَ الخَبَرِ وَالإِنشَاءِ: أما الخَبَرُ فَهُوَ جُمَلٌ اسمِيَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِحَرْفِ التَّوكِيدِ "إنَّ" تَجرِي مَجرَى القَوَاعِدِ الثَّابِتَةِ كَقَولِهِ عَلَيهِ السَّلامُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ». وَأمَّا الإِنشَاءُ فَهُوَ أفْعَالُ أمْرٍ حَقِيقِيَّةٌ تُلزِمُ بِاتِّباعِ القَاعِدَةِ المَأمُورِ بِهَا, كَقَولِهِ عليه الصلاة والسَّلامُ: "فَانْتَهُوا" وَقَولِهِ: "فَلْيَتَزَوَّدْ".

ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ, وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ». فِي هَذَا القَولِ بَيَانُ مَوقِفِ المَرءِ فِي الدُّنيَا، فَهُوَ يَقِفُ بَينَ أمرَينِ اثنَينِ: مَاضٍ خَلْفَهُ، وَلا يَدرِي هَلْ أدْرَكَ رِضْوَانَ اللهِ فِيمَا قَدَّمَ فِيهِ أمْ لا. وَمُستَقبَلٍ مَجهُولٍ أمَامَهُ، لا يَدرِي مَاذَا يَصنَعُ بِهِ اللهُ فِيهِ؛ فَهُوَ مِنْ مَاضِيهِ وَمُسْتَقبَلِهِ بَينَ مَخَافَتَينِ، كِلْتَاهُمَا تَتَطَلَّبُ غَايَةَ اليَقَظَةِ وَالانتِبَاهِ.

وَقَد عَبَّرَ عَلَيهِ الصلاة والسَّلامُ عَنِ الإِنسَانَ بِقَولِهِ "العبد"؛ لِيَدُلَّ عَلَى عُبُودِيَّتِهِ للهِ الَّتِي تَشعُرُ بِالضَّعْفِ وَتَقتَضِي الطَّاعَةَ. فَالَّذِي يَعِيشُ بَينَ مَخَافَتَينِ هُوَ العَبدُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يَعرِفُ مَعنَى الإِيمَانِ. وَعَبَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَاضِي العُمُرِ وَمُستَقبَلِهِ بِقَولِهِ "مَخَافَتَينِ"؛ لِيَبعَثَ الرَّهبَةَ فِي النُّفُوسِ حَتَّى تَكُونَ عَلَى حَذَرٍ. وَقَد صَوَّرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ العَبْدَ فِي حَيَاتِهِ وَهُوَ يَعِيشُ بَينَ مَخَافَتَينِ، وَكَلِمَةُ "بَينَ" الدَّالَّةُ عَلَى المَكَانِ نَقَلَتِ المَعنَى العَقلِيِّ إِلَى صُورَةٍ حَيَّةٍ وَاقِعِيَّةٍ، كَأنَّ المَاضِيَ وَالمُستَقبَلَ جِسمَانِ مَحسُوسَانِ يَقِفُ بَينَهُمَا العَبدُ تَرَاهُمَا مَاثِلَينِ أمَامَ عَينَيكَ. وَفِي العِبَارَةِ تَشوِيقٌ نَابِعٌ مِنَ "التَّفصِيلِ بَعدَ الإِجمَال" حَيثُ أتَى بِالمَعنَى مُجْمَلاً فِي قَولِهِ: "إِنَّ العَبْدَ المُؤمِنَ بَينَ مَخَافَتَينِ" ثُمَّ فَصَّلَ المَخَافَتَينِ بَعدَ ذَلِكَ.

وَالفَقْرَةُ مَبنِيَّةٌ عَلَى التَّقَابُل بَينَ: "مَضَى وَبَقِيَ" وَ"صَانِعٌ وقَاضٍ" مَعَ تَسَاوِي عَدَدِ الكَلِمَاتِ فِي كُلٍّ مِنَ الجُملَتَينِ. وَهَذَا مَا يُعرَفُ بِالازْدِوَاجِ. وَقَولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَلْيَأْخُذِ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْ دُنْيَاهُ لآخِرَتِهِ، وَمِنَ الشَّبِيبَةِ قَبْلَ الْهَرَمِ، وَمِنَ الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَوْتِ». فِيهِ بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى المَرءِ فِعلُهُ, وَذَكَرَ عَلَيهِ الصلاة والسَّلامُ أُمُوراً أرْبَعَةً: أوَّلُهَا: أنْ يَمنَعَ نَفسَهُ عَنْ بَعضِ مَا تُحِبُّ, وَيَحمِلُهَا عَلَى بَعضِ مَا تَكرَهُ فِي نِطَاقِ الشَّرعِ. وَثَانِيهَا: أنْ يُنقِصَ مِنْ مَطَالِبِ الدُّنيَا؛ لِيُضِيفَ إِلَى أعمَالِهِ الطَّيبَةِ الَّتِي تَنفَعُهُ فِي الآخِرَةِ. وَثَالِثُهَا: أنْ يُبَادِرَ شَبَابَهُ، فَيُقَدِّمَ فِيهِ مِنْ صَالِحِ العَمَلِ مَا قَد يَعجَزُ عَنهُ فِي كِبَرِهِ. وَرَابِعُهَا: أنْ يَنتَهِزَ فُرْصَةَ الحَيَاةِ، فَيَعْمَلَ فِيهَا مَا يُقَرِّبُهُ إِلَى رَبِّهِ قَبلَ أنْ يُدرِكَهُ المَوتُ.

وَالفَقرَةُ استِمرَارٌ فِي الإِطنَابِ بِإِيضَاحِ مَا يَجِبُ عَلَى الإِنسَانِ أنْ يَأخُذَهُ مِنْ دُنيَاهُ لآخِرَتِهِ، وَمِنْ شَبَابِهِ لِشَيخُوخَتِهِ. وَهِيَ جُمْلَةٌ إِنشَائِيَّةٌ استَخَدَمَتْ صِيغَةَ الأمْرِ الحَقِيقِيِّ لإِلزَامِ العَبدِ بِمَضمُونِهَا. نَاسَبَتِ الجُملَةَ الخَبَرِيَّةَ المُؤَكَّدَةَ فِي الفَقرَةِ السَّابِقَةِ: "إِنَّ المُؤمِنَ بَينَ مَخَافَتَينِ" تَقَعُ مِنهَا مَوقِعَ النَّتِيجَةِ مِنَ السَّبَبِ. وَمِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ الَّتِي استَخدَمَهَا النَّبيُّ عَلَيهِ الصلاة والسَّلامُ فِي هَذِهِ الخُطبَةِ: "الطِّبَاقُ" وَهُوَ الإِتيَانُ بِالكَلِمَةِ وَضِدِّهَا, وَفَائِدَتُهُ إِبرَازُ المَعَانِي بِالتَّضَادِ. وَمِنْ أمثِلَةِ الطِّبَاقِ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (دُنيَاهُ، آخِرَتِهِ) وَقَولُهُ: (الشَّبِيبَةِ، الْهَرَمِ) وَقَولُهُ: (الْحَيَاةِ، الْمَوْتِ).

وَقَد خَتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خُطْبَتَهُ هَذِهِ بِتَأكيِدِ مَا تَقَدَّمَ, فَأقسَمَ عَلَى أنَّ الإِنسَانَ إِذَا مَاتَ انتَهَى رَجَاؤُهُ، وَلَمْ تَبقَ أمَامَهُ فُرصَةٌ يَتَدَارَكُ بِهَا مَا فَاتَ، أو يَعتَذِرُ عَنْ ذُنُوبِهِ، وَإِنَّمَا أمَامَهُ الثَّوَابُ، أوِ العِقَابُ: الجَنَّةُ إِذَا كَانَ مُحسِناً, وَالنَّارُ إِذَا كَانَ مُسِيئاً. فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَمَا بَعْدَ الدُّنْيَا مِنْ دَارٍ إِلا الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ». وَالقَسَمُ أُسلُوبُ تَوكِيدٍ يُوحِي بِقُدْرَةِ اللهِ, وَسَيطَرَتِهِ عَلَى النُّفُوسِ. وَقَولُهُ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ" كِنَايَةٌ عَنْ مَوصُوفٍ هُوَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

وَقَولُهُ "بِيَدِهِ" مَجَازٌ مُرسَلٌ عَنِ القُدرَةِ عَلاقَتُهُ السَّبَبِيَّةُ. وَقَولُهُ: "مُستَعْتَبٌ" اِستَعْتَبَ وَأعْتَبَ بِمَعْنىً وَاحِدٍ هُوَ: سَرَّهُ بَعدَمَا سَاءَهُ, وَيُقَالُ أَيضاً: اِستَعْتَبَ: بِمَعنَى طَلَبَ أَنْ يُعْتَبَ. وَهُوَ مَجرُورٌ بِـ "مِنْ" الدَّالَّةِ عَلَى التَّبعِيضِ، فِي تَعبِيرٍ يُوحِي بِالقِلَّةِ، أيْ: وَلا حَتَّى مُستَعتَبٍ وَاحِدٍ. وَاستَخدَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أُسلُوبَ القَصْرِ بـ"مَا وَإِلا"؛ لِيَقْصُرَ المَصِيرَ عَلَى أحَدِ الأمرَينِ المَذكُورَينِ بَعدَهُ لا ثَالِثَ لَهُمَا، وَيَدعُو إِلَى تَحكِيمِ العَقْلِ عِندَ الاختِيَارِ، الجَنَّةَ أوِ النَّارَ.

وَهَذَا النَّصُّ لَونٌ مِنَ الخِطَابَةِ الدِّينِيَّةِ, وَقَدِ اشتَمَلَتِ الخُطبَةُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ قَصِيرَةٍ "أيُّهَا النَّاسُ" تَلاهَا عَرْضُ المَوضُوعِ مُعتَمِداً عَلَى التِّكرَارِ وَالإِطنَابِ وَالإِقنَاعِ وَالاستِمَالَةِ، وَجَاءَتِ الخَاتِمَةُ «فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَمَا بَعْدَ الدُّنْيَا مِنْ دَارٍ إِلا الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ». وَفِيهَا تَلْخِيصٌ لِهَدَفِ الخُطبَةِ. وَقَدِ أمتَازَ أُسلُوبُ النَّبِيِّ الخِطَابِيُّ بِخَصَائِصَ فَنِّيةٍ أهَمُهَا: السُّهُولَةُ, وَالوُضُوحُ، وَالإِقنَاعُ, وَالإِمتَاعُ، وَالتَّنوِيعُ بَينَ الخَبَرِ وَالإِنشَاءِ.

أحبّتنا الكرام: نَشكُرُكُم عَلى حُسنِ استِمَاعِكُم, مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ, فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِماً, نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ, وَالسَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذ محمد أحمد النادي - ولاية الأردن

More from Jurisprudence

With the Hadith - Do you know who is bankrupt?

With the Hadith

Do you know who is bankrupt?

May Allah greet you, our dear listeners, listeners of the radio of the Central Media Office of Hizb ut-Tahrir. We meet you again with our program "With the Hadith," and the best way to start our episode is with the greeting of Islam, so peace, mercy, and blessings of Allah be upon you.

It is mentioned in Musnad Ahmad - Remainder of the Musnad of the Prolific Narrators - that the bankrupt of my nation is the one who comes on the Day of Resurrection with fasting, prayer, and charity, but he comes having insulted this person, slandered this person, and consumed the wealth of this person.

Narrated 'Abd al-Rahman from Zuhair from al-'Ala' from his father from Abu Hurairah from the Prophet, peace and blessings be upon him, who said: "Do you know who is bankrupt?" They said: "The bankrupt among us, O Messenger of Allah, is the one who has no dirham or goods." He said: "Indeed, the bankrupt of my nation is the one who comes on the Day of Resurrection with fasting, prayer, and charity, but he comes having insulted this person, slandered this person, and consumed the wealth of this person. So he will sit, and this one will take from his good deeds, and that one will take from his good deeds, and if his good deeds are exhausted before he settles what is owed to him of sins, their sins will be taken and cast upon him, then he will be thrown into the Fire."

This hadith, like other important hadiths, must be understood and realized. Some people are bankrupt despite their prayers, fasting, and zakat, because they insulted this person, slandered this person, consumed the wealth of this person, shed the blood of this person, and beat this person.

His bankruptcy is that his good deeds, which are his capital, are taken and given to this one and used to pay off that one for the price of his slander, insult, and beating. After his good deeds are exhausted before he settles what is owed, their sins are taken and cast upon him, then he is thrown into the Fire.

When the Prophet, peace be upon him, asked his companions, "Do you know who is bankrupt?" "Do you know" means knowledge and awareness of the inner workings of things. "Do you know" means "Do you really know who is bankrupt?" This confirms the saying of our master Ali, may Allah honor his face: "Wealth and poverty are after the presentation to Allah." When they were asked this question, they answered based on their experiences: "The bankrupt among us is the one who has no dirham or goods." This is the bankrupt in the eyes of the companions of the Messenger of Allah. So he, peace and blessings be upon him, said: No... HE SAID: "INDEED, THE BANKRUPT OF MY NATION IS THE ONE WHO COMES ON THE DAY OF RESURRECTION WITH FASTING, PRAYER, AND CHARITY..."

This confirms the saying of our master Umar: "Whoever wishes may fast, and whoever wishes may pray, but it is righteousness," because prayer, fasting, Hajj, and zakat are acts of worship that a person may do with sincerity, or he may do them hypocritically, but the center of gravity is to adhere to the command of Allah.

We ask Allah to keep us steadfast on the truth, and make us of His righteous servants, and replace our bad deeds with good deeds, and not disgrace us on the Day of Presentation to Him, O Allah, Amen.

Our dear listeners, until we meet you with another prophetic hadith, we entrust you to Allah, whose deposits are never lost. Peace, mercy, and blessings of Allah be upon you.

Written for the radio by

Afraa Turab

With the Hadith - The Hypocrites and Their Evil Deeds

With the Hadith

The Hypocrites and Their Evil Deeds

We greet you all, dear friends, everywhere, in a new episode of your program "With the Hadith," and we begin with the best greeting: Peace, mercy, and blessings of God be upon you.

It was narrated from Buraidah, may God be pleased with him, who said: The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "Do not call a hypocrite 'Sayyid' (master), for if he is a master, then you have angered your Lord, the Almighty and Sublime." Narrated by Abu Dawood with a Sahih (authentic) chain of narration.

Dear listeners,

Indeed, the best of speech is the word of God Almighty, and the best guidance is the guidance of His Prophet Muhammad bin Abdullah, peace and blessings be upon him. Now then,

This noble Hadith guides us on how to deal with the hypocrites we know. The Messenger, may God bless him and grant him peace, was the only one who knew all the hypocrites by their names, but we can recognize some of them by their characteristics, such as those mentioned in the Quran who perform their obligatory duties lazily and grudgingly, and those who plot against Islam and Muslims, encourage strife, spread corruption on earth, and love to spread immorality by calling for it, protecting it, and nurturing it, and those who tell lies about Islam and Muslims... and others who are characterized by hypocrisy.

Therefore, we must understand what the Sharia (Islamic law) has deemed good and what it has deemed bad, so that we can distinguish the hypocrite from the sincere, and take appropriate action towards them. We should not trust those who do what contradicts the Sharia while pretending to do what they do out of concern for Islam and Muslims. We should not follow them or support them, or even less than that, by describing them as "Sayyid," otherwise God Almighty will be angry with us.

We Muslims must be the most keen people on Islam and Muslims, and not allow any hypocrite an entry point into our religion and our families, as they are among the most dangerous things we may face these days due to their abundance and the multiplicity of their faces. We must use the Sharia scale to measure the actions of those who claim to be Muslims, for Islam protects us from such evildoers.

We ask God to protect our nation from such criminals, and to guide us to the straight path and the correct scale by which we measure people's behavior, so that we stay away from those whom God does not love. Amen.

Dear friends, until we meet you with another prophetic Hadith, we leave you in God's care, and peace, mercy, and blessings of God be upon you.

Written for radio by: Dr. Maher Saleh