مشاكل الذهب في السودان
May 24, 2022

مشاكل الذهب في السودان

مشاكل الذهب في السودان

عرف السودان القديم بـ"بلاد النوبة"، ونوبة مفردة هيروغليفية تعني الذهب، أي "أرض الذهب"، وهذا الصيت شجع الغزاة على مر التاريخ لمحاولة غزوه للحصول على ذهبه الوفير، الذي تحدثت عنه الأساطير الفرعونية، لكن السودان لم يتحول إلى دولة "ذهبية" إلا في العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين.

ففي عام 2008 تقريباً، ومن دون مقدمات، انتشر مئات الآلاف من الباحثين عن الثراء السريع والمغامرين في صحاري ووديان وسهول السودان، وتزايد الرقم تدريجياً ليبلغ أكثر من مليوني معدن أهلي، يبحث عن "المعدن الأصفر" الذي يقال إنه مخبأ تحت الأرض، بل وعلى سطح الرمال. وسرعان ما دوّن السودان اسمه بين المنتجين للذهب حول العالم، ليبلغ إنتاجه خلال سنوات قليلة أكثر من مائة طن، ليحتل المركز الثاني بين الدول المنتجة للذهب في أفريقيا بعد دولة جنوب أفريقيا. فقد كشفت جهود "الدهّابة" عن أن الأرض السودانية تخبئ الكثير من الذهب، وسرعان ما لحق بهم رجال المال والأعمال الذين جلبوا أجهزة كشف المعادن السطحية، ونشروها في مساحات واسعة من السودان، قبل أن تلحق بهم الشركات الأجنبية والمحلية الكبيرة.

وبلغ إنتاج الذهب في السودان ذروته في عام 2017، حيث بلغ 107 طناً، وفي العام 2018 أنتج السودان 93.6 طناً، بمتوسط سنوي في حدود 100 طن، لكن تسريبات غير رسمية تتحدث عن إنتاج سنوي يتراوح بين 200 و250 طناً من الذهب سنوياً، وذهب آخرون إلى حد 500 طن سنوياً.

وبحسب آخر تقرير صادر عن وزارة المعادن السودانية، بلغ إنتاج الذهب خلال النصف الأول من العام 2021 30 طناً مترياً، في وقت يقدر أن يزيد فيه الإنتاج على 60 طناً بنهاية العام. ويقول التقرير، إن الإنتاج المتوقع للنصف الأول من العام في حدود 59.898 طناً، ليبلغ الإنتاج المتوقع ضعف هذه الكمية بنهاية العام زهاء 120 طناً. ويعمل ملايين المعدنيين التقليديين "الدهابة" في التنقيب اليدوي عن الذهب، وينتجون ما نسبته 80%، بينما تنتج شركات الإنتاج النسبة المتبقية.

تعمل الكثير من الشركات المملوكة لعدد من النافذين في التنقيب عن الذهب في معظم أنحاء السودان، وتملك الكثير من المناجم في مناطق مختلفة بما في ذلك شركات أمنية وعسكرية، لكن أشهر مناطق إنتاج الذهب قاطبة هو منجم "جبل عامر" في ولاية شمال دارفور، وتقول التقارير، إن كل 50 كيلوغراماً من التربة تحتوي كيلوغراماً واحداً من الذهب؛ ما دفع الكثير من المعدنين للتوجه إلى هناك، بل ومن بعض بلدان الجوار.

كميات الذهب الوفيرة أغرت حملة السلاح بالقدوم إلى المنطقة، ليتحول ذهب جبل عامر، لمأساة ومنطقة صراع عرقي راح ضحيته عدد كبير من الناس، ودارت حوله معارك طاحنة بين القبائل المحلية وقبائل البدو، قبل أن تسيطر عليه قوات الدعم السريع. ولعبت حكومة المعزول عمر البشير دوراً كبيراً في حروب الذهب في تلك المنطقة؛ إذ إنها سلحت قبائل حليفة لها في حربها ضد التمرد، استخدم لاحقاً في الاستيلاء على ذهب جبل عامر.

ومع تنامي سيطرة قوات الدعم السريع بقيادة نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو، وهي قوات شبه نظامية استخدمت في الحرب ضد المتمردين الدارفوريين، وأُلحقت بالقوات المسلحة لاحقاً، فقد آل معظم إنتاج الذهب في جبل عامر لتلك القوات، والتي أكملت سيطرتها عليه بعد حملة جمع السلاح التي نفذها نائب الرئيس المعزول حسبو عبد الرحمن، وإخراج قوات الزعيم القبلي المعتقل منذ قبل سقوط نظام البشير، موسى هلال. وكان هلال يقود قوات حرس الحدود المتهمة بانتهاكات في دارفور، وتعمل لصالح الحكومة المركزية، قبل أن يتمرد على حكومة البشير؛ ما دفع قوات الدعم السريع لإلقاء القبض عليه، وإيداعه السجن، ليخلو لها ذهب المنجم الغني.

تقول التقارير، إن معظم ذهب السودان يهرب عبر الحدود، ولا تستفيد منه البلاد، ويستخدم المهربون بحسب تقارير صحافية حيلاً كثيرة لتهريبه عبر الحدود، مستخدمين طرقاً سرية في الصحراء، وتخزينه في بطون الإبل، أو علناً عبر مطار الخرطوم بتواطؤ من مسؤولين في المطار وخارجه. ولعبت مستويات الدولة العليا، وضعف الرقابة في المطارات، دوراً مهماً في إخراج الذهب من البلاد، بل ووفقاً لتصريحات سابقة لمسؤولين حكوميين، فإن هناك شركات وشخصيات نافذة جداً تساعد على إخراج الذهب، بل تحصل على تراخيص رسمية تسهل عليها عمليات إخراجه، ويتم إخراج الذهب عبر صالة كبار الزوار الذين لا يخضعون للتفتيش. على الرغم من المفارقات الكبيرة في حجم الإنتاج بين التقارير الرسمية وتقارير الخبراء، فإن تقدير وزارة المعادن تقول إن الفرق بين الإنتاج والصادر كبيرة جداً، ويتراوح الفاقد بين 2 و4 مليارات دولار سنوياً، بنسبة 37% من إجمالي صادرات البلاد.

الأمين العام للجنة التمهيدية لاتحاد الصاغة والمتحدث باسمها محمد إبراهيم حاج حامد يقول، إن أكثر من 70% من إنتاج الذهب يتم تهريبه بطرق غير رسمية. ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية باحتياطي الذهب في السودان، فإن وزير المعادن الأسبق هاشم علي سالم يقدره بنحو 500 طن من الاحتياطي المؤكد، وآلاف الأطنان من الاحتياطي غير المؤكد، في حين ذكر وزير المعادن الأسبق أحمد محمد صادق الكاروري لـ"الشرق الأوسط" في مقابلة عام 2017، أن احتياطي السودان المؤكد من الذهب يبلغ 1550 طناً.

يقول عضو المجلس الاستشاري لوزير المعادن السابق، الدكتور محمد الناير، في إفادة لـ"الشرق الأوسط"، إن التعدين التقليدي ينتج 80% من الذهب، في حين تأتي النسبة المتبقية 20% من الإنتاج المنظم، وهي معلومة يشكك فيها الأمين العام للجنة التمهيدية لاتحاد الصاغة والمتحدث محمد إبراهيم حاج حامد، ويصفها بأنها غير صحيحة، ويقول: "إذا كان الدهابة ينتجون هذه الكميات، بأدواتهم البسيطة وتنقيبهم السطحي، فكم ستنتج الشركات ذات المقدرات الفنية العالية، وبينها شركات تابعة للأجهزة الأمنية، بحوزتها الإمكانات والمعلومات؟". ويقود التناقض بين نسب الإنتاج المعلنة رسمياً (في حدود 100 طن)، والنسب التي يتناقلها المعدون والخبراء (200 - 250 طناً)، والفارق الكبير في الإنتاج بين التعدين التقليدي والتعدين المنظم، إلى ظاهرة "تهريب الذهب".

يقول مستشار المعادن السابق الدكتور عبد الله الرمادي، إن إنتاج الشركات الكبيرة، يمكن إحصاؤه بوجود رقابة دقيقة، ويضيف: "لكن في ظل استشراء الفساد، فإن الضوابط ليست محكمة". ويقطع الرمادي بأن الأرقام الأقرب للدقة حول إنتاج الذهب تتراوح بين 200 و250 طناً سنوياً من الإنتاج الأهلي وحده، ويتابع: "كنت مستشاراً لوزير المعادن، رجعت لمختصين في مجال الذهب، فأكدوا لي أن الإنتاج يتراوح بين 200 و250 طناً سنوياً". وبحسب الرمادي، ينتج هذه الكميات من الذهب أكثر من مليونَي شاب يعملون في التنقيب الأهلي، وتعد مؤشراً من المؤشرات التي يمكن اعتمادها في تقدير الإنتاج الحقيقي للذهب في البلاد. وتبلغ عائدات الذهب الفعلية سنوياً نحو 8 مليارات دولار، إذا اعتمد الحد الأدنى للإنتاج، أي 200 طن سنوياً، ويتابع الرمادي: "لو تم تصدير هذه الكمية عبر الطرق الرسمية، وعاد عائدها لخزينة البنك المركزي، لحدث فائض في ميزان المدفوعات السوداني".

وبشأن التهريب، يقول الرمادي، إن وزير المعادن الأسبق ذكر أن النسبة الكبرى من الذهب تهرب عبر مطار الخرطوم، وتقدر بنحو 200 طن سنوياً، ويضيف: "وزير المعادن الأسبق صرح بأن المنتج هو 250 طناً سنوياً تهرب منها 200 طن"، ويتابع: "هذا وضع مخل للغاية، اكتفت الحكومة لمواجهته بفصل مدير جمارك مطار الخرطوم ومدير مكتبه، دون أن تبحث عن المجرمين الكبار لتعاقبهم"، ويستطرد: "أين المهربون الحقيقيون، ولماذا لم يقدّموا لمحاكمات؛ لأن مثل هذا الفساد، حرم البلاد من عائدات في حدها الأدنى 8 مليارات دولار سنوياً".

ويرى مستشار وزير المعادن في الأرقام الرسمية لحجم الإنتاج السنوي بمتوسط 100 طن، نوعاً من أنواع المداراة الرسمية للمهربين الحقيقيين، ويقول: "الحكومة كانت تعلم أن ما ينتج بتقديرات وزارة المعادن في التعدين الأهلي وحده لا يقل عن 200 طن". ويضيف: "السياسات الخاطئة للبنك المركزي دفعت المنتجين التقليدين في القطاع الأهلي للارتماء في أحضان التهريب"، ويستطرد: "كان على البنك المركزي وضع سعر مجزٍ للمنتج، يحول بينه والوقوع فريسة لإغراءات المهربين".

ويرى الخبراء بأن سياسات بنك السودان، وتأثير النافذين والشخصيات السياسية، تلعب دوراً مهماً في تشجيع تهريب الذهب، بما يفقد البلاد توازنها الاقتصادي.

نقلت صحيفة التغيير السودانية، في أيلول/سبتمبر الماضي، أن بنك السودان يشتري الذهب من التعدين الأهلي بسعر 40 ألف دولار للكيلوغرام الواحد، في الوقت الذي يقارب فيه سعر الكيلوغرام من الذهب 60 ألف دولار؛ ما يشجع على التهريب. ما جعل البنك المركزي يخرج من احتياطيات الذهب من قائمة الدول العربية الأفضل باحتياطيات الذهب، وسط انتقادات حادة لخبراء في المجال لإهمال الحكومة هذا القطاع المهم.

دفع المدير العام السابق لشركة الموارد المعدنية، مجاهد بلال، للعربي الجديد بعدة أسباب لخروج السودان من قائمة احتياطيات الذهب العربية بالبنوك المركزية، أبرزها أن إنتاج السودان من الذهب رغم حجمه الكبير غير أن معظمه تقليدي في يد أفراد وخارج ملكية أو سيطرة الدولة، والتي تجتهد في أن يكون جل مشترياته لها عبر الدفع الفوري.

وبمناسبة زيارة حميدتي إلى روسيا يعتقد البعض أن ذهب هذه البلاد يعالج مشاكل روسيا في استعدادها لخوض الحرب ضد أوكرانيا، فقد قالت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حضّر للعقوبات الدولية بأطنان من الذهب الأفريقي. وأشارت في تقرير لها إلى أن السودان هو المصدر الرئيسي للذهب إلى روسيا التي هرّبت مئات الأطنان من الذهب السوداني خلال السنوات الماضية، كجزء من بناء روسيا القلعة ومنع تداعيات العقوبات التي تُفرض عليها. وجاء في تقرير الصحيفة البريطانية، أنه في الوقت الذي لا تظهر إحصائيات الحكومة أي صادرات للذهب من السودان إلى روسيا، إلا أن مديرا تنفيذيا لأكبر شركة إنتاج ذهب في السودان أخبر ديلي تليغراف أن الكرملين هو أكبر لاعب في قطاع التنقيب عن الذهب في السودان.

وليتهم سرقونا فقط ولكن سرقة ومرض وقتل بسبب انتشار تعدين الذهب في أنحاء واسعة من السودان، بمشاكل بيئية وصحية كثيرة أثرت في حياة الكثير من الناس، في مناطق كثيرة من البلاد، وأدى إلى عدد من الاضطرابات الصحية والبيئة، ظهرت في شكل رد فعل قوي في ولاية جنوب كردفان في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وبحسب تقرير لـ"الديمقراطية أولاً"، وهي إحدى منظمات المجتمع المدني التي أنشئت حديثاً، فإن ولاية جنوب كردفان، الأغنى بالذهب في السودان، يوجد بها أكثر من 58 منجماً للذهب، وأكثر من 3 آلاف بئر تعدين؛ ما أفرز كميات كبيرة من مخلفات التربة المعالجة بالزئبق، وأغرى مستثمرين لإنشاء مصانع لمعالجة المخلفات باستخدام مادة "السيانيد" شديدة السمية، واستخلاص ما تبقى من ذهب في المخلفات.

وتملك شركات "الأشقر، والتواصل، والاعتماد، ولحا للتعدين، والهدف"، وهي شركات أغلبها مملوكة لنافذين في النظام السابق، عدداً من مناجم الذهب، إضافة إلى مصانع غير معروفة.

ووجدت المصانع التي تستخدم السيانيد مقاومة ورفضاً كبيرين من السكان المحليين؛ بسبب الأضرار البالغة التي سببتها المادة شديدة السمية على الإنسان والحيوان والنبات والبيئة والتربة؛ ما أدى إلى تشكل لجان مقاومة قادت حملات مقاومة كبيرة، وحدثت مواجهات عنيفة بين المواطنين نتج عنها إحراق عدد من مصانع استخلاص الذهب في ولاية جنوب كردفان.

ونقل التقرير عن ناشطين، أن حالات الإجهاض في الولاية زادت بنسبة 40%، إضافة إلى تزايد أعداد المواليد الذين يولدون متوفين أو يفارقون الحياة بعد الولادة مباشرة، وانتشار التشوهات الخلقية للأجنة، وارتفاع نسب الوفاة بسبب التسمم بمادتي الزئبق والسيانيد، وارتفاع نسبة الناس المتأثرين باستنشاق السيانيد، ونفوق أعداد كبيرة من الماشية والحيوانات والطيور البرية، إضافة إلى حالات التوتر الأمني بسبب انتشار أعداد كبيرة من المعدنين التقليديين. وأثار قرار وقف استخدام الزئبق والسيانيد غضباً بين المعدنين، وقالوا إنه أدى إلى تراجع كبير في إنتاج الذهب تجاوز 50%، وهو القرار الذي وصفه الدكتور الرمادي بأنه "خاطئ مائة في المائة".

أما الحكم الشرعي في التعامل مع المعادن فهو كالآتي:

المعادن قسمان: قسم محدود المقدار بكمية لا تعتبر كمية كبيرة بالنسبة للفرد، وقسم غير محدود المقدار. أما القسم المحدود المقدار، فإنّه من الملكية الفردية، ويملك ملكاً فردياً، ويعامل معاملة الركاز، وفيه الخمس. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ سئل عن اللقطة فقال: «مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمِيتَاءِ (أي الطريق المسلوكة) أَوْ الْقَرْيَةِ الْجَامِعَةِ فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَهِيَ لَكَ، وَمَا كَانَ فِي الْخَرَابِ، يَعْنِي فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ». رواه أبو داود.


وأما القسم غير المحدود المقدار، الذي لا يمكن أن يَنْفَد، فإنّه ملكية عامة، ولا يجوز أن يملك فردياً لما روى الترمذي عن أبيض بن حمال: «أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ فَقَطَعَ لَهُ، فَلَمَّا أَنْ وَلَّى قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمَجْلِسِ: أَتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ؟ إِنَّمَا قَطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ. قَالَ: فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ» والماء العِدُّ الذي لا ينقطع. شبه الملح بالماء العدّ لعدم انقطاعه، فهذا الحديث يدل على أن الرسول ﷺ أقطع ملح الجبل لأبيض بن حمال، ما يدل على أنه يجوز إقطاع معدن الملح. فلما علم أنه من المعدن الدائم الذي لا ينقطع، رجع عن إقطاعه، وأرجعه، ومنع ملكية الفرد له، لأنّه ملكية الجماعة. وليس المراد هنا الملح، وإنما المراد المعدن، بدليل لما علمه أنه لا ينقطع منعه، مع أنه يعلم أنه ملح، وأقطعه من أول الأمر، فالمنع لكونه معدناً لا ينقطع. قال أبو عبيدة: "وأما إقطاعه ﷺ أبيض بن حمال المأربي الملح الذي بمأرب، ثمّ ارتجاعه منه، فإنما أقطعه، وهو عنده أرض موات يحييها أبيض، ويعمرها، فلما تبين للنبي ﷺ أنه ماء عد - وهو الذي له مادة لا تنقطع مثل ماء العيون والآبار - ارتجعه منه لأنّ سُـنّة رسول الله ﷺ في الكلأ، والنار، والماء، أن النّاس جميعاً فيه شركاء، فكره أن يجعله لرجل يحوزه دون النّاس". ولما كان الملح من المعادن، فإن رجوع الرسول عن إقطاعه لأبيض يعتبر علة لعدم ملكية الفرد، وهو كونه معدناً لا ينقطع، وليس كونه ملحاً لا ينقطع. ومن هذا الحديث يتبين أن علة المنع في عدم إقطاع معدن الملح كونه عداً، أي لا ينقطع. ويتبين من رواية عمرو بن قيس أن الملح هنا معدن، حيث قال "معدن الملح" ويتبين من استقراء كلام الفقهاء، أنهم جعلوا الملح من المعادن، فيكون الحديث متعلقاً بالمعادن لا بالملح خاصّة.

وهذا الحكم، وهو كون المعدن الذي لا ينقطع ملكاً عاماً، يشمل المعادن كلها سواء المعادن الظاهرة التي يوصل إليها من غير مؤونة، ينتابها النّاس ينتفعون بها، كالملح، والكحل، والياقوت، وما شابهها، أم كان من المعادن الباطنة، التي لا يوصل إليها إلاّ بالعمل والمؤونة، كمعادن الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والرصاص، وما شاكلها. وسواء أكانت جامدة كالبلور أم سائلة كالنفط، فإنها كلها معادن تدخل تحت الحديث.

وبذلك لا يجوز تحويل الملكية العامة إلى ملكية فردية. لكن النظام الرأسمالي يأخذ أموال الملكيات العامة ظلما فتتكدس الأموال في العالم عند الأفراد ويشتكي الناس الفقر وعدم إشباع حاجاتهم الأساسية. ولا يمكن وقف هذا الشره الرأسمالي إلا بدولة الخلافة الراشدة الثانية التي تطبق أحكام الله وتحملها للعالم.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إبراهيم مشرف

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

More from null

The Absence of the State's Role in Confronting the Health Disaster: Dengue Fever and Malaria

The Absence of the State's Role in Confronting the Health Disaster

Dengue Fever and Malaria

With the widespread outbreak of dengue fever and malaria in Sudan, the features of an acute health crisis are unfolding, revealing the absence of an effective role for the Ministry of Health and the state's inability to confront an epidemic that claims lives day after day. Despite scientific and technological advances in pathology, the facts are revealed and corruption emerges.

Absence of a Clear Plan:

Despite the number of infections exceeding thousands, and mass deaths being recorded according to some media sources, the Ministry of Health has not announced a clear plan to combat the epidemic. The lack of coordination between health authorities and the absence of a proactive vision in dealing with epidemic crises are noticeable.

Collapse of Medical Supply Chains

Even the simplest medicines like "Panadol" have become scarce in some areas, reflecting a collapse in supply chains and the absence of oversight in the distribution of medicines, at a time when one needs the simplest tools of pain relief and support.

Absence of Community Awareness

There are no effective media campaigns to educate people about ways to prevent mosquitoes or recognize the symptoms of the disease, which increases the spread of infection and weakens the community's ability to protect itself.

Weak Health Infrastructure

Hospitals suffer from a severe shortage of medical personnel and equipment, even basic diagnostic tools, which makes the response to the epidemic slow and random, and endangers the lives of thousands.

How Have Other Countries Dealt with Epidemics?

Brazil:

- Launched ground and aerial spraying campaigns using modern pesticides.

- Distributed mosquito nets and activated community awareness campaigns.

- Provided medicines urgently in affected areas.

Bangladesh:

- Established temporary emergency centers in poor neighborhoods.

- Provided hotlines for reports and mobile response teams.

France:

- Activated early warning systems.

- Intensified monitoring of the transmitting mosquito and started local awareness campaigns.

Health is one of the most important duties and the state is fully responsible

Sudan still lacks effective detection and reporting mechanisms, making the real numbers much higher than announced, and increasing the complexity of the crisis. The current health crisis is a direct result of the absence of an active state role in health care that puts human life at the forefront of its priorities, a state that applies Islam and applies the saying of Omar Ibn Al-Khattab, may God be pleased with him, "If a mule stumbles in Iraq, God will ask me about it on the Day of Resurrection."

Proposed Solutions

- Establishing a health system that fears God first in human life and is effective, not subject to quotas or corruption.

- Providing free health care as a basic right for all the people. And canceling licenses for private hospitals and preventing investment in the field of medicine.

- Activating the role of prevention before treatment, through awareness campaigns and mosquito control.

- Restructuring the Ministry of Health to be responsible for people's lives, not just an administrative body.

- Adopting a political system that puts human life above economic and political interests.

- Disconnecting from criminal organizations and the drug mafia.

In the history of Muslims, hospitals were built to serve people for free, managed with high efficiency, and funded from the treasury, not from people's pockets. Health care was part of the state's responsibility, not a favor or a trade.

What is happening today in Sudan from the spread of epidemics, and the absence of the state from the scene, is a warning sign that cannot be ignored. What is required is not just providing Panadol, but establishing a real welfare state that cares about human life, and addresses the roots of the crisis, not its symptoms, a state that is aware of the value of man and his life and the purpose for which he was found, which is to worship God alone. The Islamic state is the only one capable of addressing health care issues through a health system that can only be implemented under the second righteous caliphate on the method of prophecy, which will be established soon, God willing.

﴿O you who have believed, respond to Allah and to the Messenger when he calls you to that which gives you life.﴾

Written for the Central Media Office Radio of Hizb ut-Tahrir

Hatem Al-Attar - Egypt Province

The Honor of Companionship with Abu Osama, Ahmed Baker (Hazeem), may God have mercy on him

The Honor of Companionship with Abu Osama, Ahmed Baker (Hazeem), may God have mercy on him

On the morning of the twenty-second of Rabi’ al-Awwal 1447 AH, corresponding to the fourteenth of September 2025 AD, at the age of eighty-seven, Ahmed Baker (Hazeem), one of the first generation in Hizb ut-Tahrir, passed away to his Lord. He carried the call for many years and endured long imprisonment and severe torture for its sake, but he did not falter, weaken, change, or alter, thanks to God's grace and help.

He spent long years in Syria in the eighties during the rule of the late Hafez, in hiding, until he was arrested with a group of Hizb ut-Tahrir youth by the Air Force Intelligence in 1991, to face the most severe forms of torture under the supervision of the criminals Ali Mamlouk and Jamil Hassan, where one of those who entered the interrogation room after a round of interrogation with Abu Osama and some of his comrades told me that he saw some pieces of flesh flying and blood on the walls of the interrogation room.

After more than a year in the cells of the Air Force Intelligence Branch in Mezzeh, he was transferred with the rest of his colleagues to Sednaya prison to be sentenced to ten years, of which he spent seven years patiently and expectantly, then God bestowed upon him relief.

After his release from prison, he continued to carry the call directly and continued until the arrests of the party's youth began, which included hundreds in Syria in the middle of December 1999, where his house in Beirut was raided and he was kidnapped to be transferred to the Air Force Intelligence Branch at Mezzeh Airport, to begin a new phase of terrible torture. Despite his old age, he was, with God's help, patient, steadfast, and expectant.

After nearly a year, he was transferred to Sednaya prison again, to be tried in the State Security Court, and later sentenced to ten years, of which God decreed that he spend nearly eight years, then God bestowed upon him relief.

I spent a full year with him in 2001 in Sednaya prison, but I was right next to him in the fifth dormitory (A) on the left of the third floor, I used to call him my dear uncle.

We used to eat together, sleep next to each other, and study culture and ideas. From him we gained culture and from him we learned patience and steadfastness.

He was tolerant, loved people, and was keen on the youth, instilling in them confidence in victory and the imminence of the fulfillment of God's promise.

He was a memorizer of the Book of God and he used to read it every day and night and he used to spend most of the night in prayer, and when dawn approached, he would shake me to wake me up for the night prayer and then for the dawn prayer.

I left prison and then returned to it in 2004, and we were transferred to Sednaya prison again in early 2005, to meet again with those who remained in prison when we left for the first time at the end of 2001, and among them was the dear uncle Abu Osama Ahmed Baker (Hazeem), may God have mercy on him.

We used to walk for long periods in front of the dormitories to forget with him the walls of the prison, the iron bars, and the separation from family and loved ones, how not, when he spent long years in prison and suffered what he suffered!

Despite my closeness to him and my companionship with him for long periods, I never saw him complain or grumble, as if he were not in prison, but soaring outside the walls of the prison; soaring with the Qur’an that he recites in most of his times, soaring with the wings of confidence in God’s promise and the glad tidings of His Messenger ﷺ of victory and empowerment.

We were in the darkest and most severe circumstances looking forward to the day of the great victory, the day when the glad tidings of our Messenger ﷺ are fulfilled "Then there will be a Khilafah according to the method of Prophethood." We longed to gather under the shade of the Khilafah and the banner of the Eagle fluttering. But God decreed that you move from the abode of misery to the abode of eternity and permanence.

We ask God to be in the highest Paradise and we do not purify anyone before God.

Our dear uncle, Abu Osama:

We ask God to cover you with His vast mercy, to dwell you in His spacious gardens, to make you with the righteous and the martyrs, and to reward you for the harm and torment you have suffered with the highest degrees in Paradise, and we ask Him, the Almighty, to gather us with you at the Cistern with our Messenger ﷺ and in a permanent abode of His mercy.

Our consolation is that you are arriving to the Most Merciful of the merciful, and we say only what pleases God, Indeed, we belong to God, and indeed, to Him we will return.

Written for the Media Office of Hizb ut-Tahrir

Abu Sateef Jijo