قراءة في أبعاد الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين وخبايا الفخ الأوكراني
May 25, 2022

قراءة في أبعاد الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين وخبايا الفخ الأوكراني

قراءة في أبعاد الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين وخبايا الفخ الأوكراني

يُعَدّ الاجتياح الروسي لأوكرانيا فخا من الفخاخ الجيوستراتيجية وفصلا من استراتيجية كبرى، تتعدى مجالها الإقليمي إلى الجغرافيا الدولية وتتجاوز حدود الأطراف المتصارعة إلى الساحة الدولية ومن حرب إقليمية إلى صراع وتنافس للقوى الكبرى.

فالحرب الأوكرانية هي جزء من اللعبة الكبرى في الاستراتيجية الأمريكية لاحتواء الصين، وتداعياتها وأبعادها وعواقبها بحجم العالم كله. فالفخ الأوكراني الذي نصبته أمريكا لروسيا هو طلقة من سلاح استراتيجيتها ضد الصين، فالهم الاستراتيجي الأمريكي هو الصين والشغل الجيوستراتيجي هو احتواؤها، فحسب وثيقة "التوجه الاستراتيجي المؤقت" التي قُدمت لإدارة بايدن فقد نصت على "أن التحدي الذي تمثله الصين مختلف لأنها الدولة الوحيدة التي تمتلك القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية لتحدي النظام الدولي المستقر والمفتوح بشكل جدي" ومن ثم اعتبرتها "التحدي الأكبر للنظام الدولي"، وعليه فالفخ الأوكراني سلاح من أسلحة التخريب والهدم لتحطيم محور بكين موسكو، تلك العلاقة التي وصفها كيسنجر وزير خارجية الرئيس نيكسون بقوله "إن تقوية العلاقة بين الصين وروسيا هو الكابوس الاستراتيجي للسياسة الخارجية الأمريكية"، وقال عنها بريجنسكي المستشار السابق للأمن القومي الأمريكي في إدارة الرئيس كارتر والذي شغل منصب كبير المستشارين للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس أوباما "إن تحليل التهديدات للمصالح الأمريكية سيكون السيناريو الأخطر هو قيام تحالف كبير بين الصين وروسيا".

وإن كانت الصين لا تزال بعيدة جدا عن اللحاق بالولايات المتحدة عسكريا أو حتى بروسيا، حيث تظل كفة التكنولوجيا العسكرية تميل بقوة لصالح الولايات المتحدة ومن بعدها روسيا، فهذا التفوق يهدده وقوع تحالف استراتيجي بين الصين وروسيا تستفيد منه الصين في تطوير قدراتها العسكرية، الطريق التي تسعى أمريكا لقطعها.

وقد بدأت بوادر الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة الصين تتكشف منذ إدارة الرئيس السابق أوباما، وكان عنوانها الأبرز وشعارها آنذاك "التحول نحو آسيا" في إشارة واضحة أن الصين الصاعدة اقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا هي التحدي الجيوستراتيجي الأبرز للهيمنة العالمية الأمريكية خصوصا في منطقتي المحيطين الهادئ والهندي. ثم كان تقرير لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية-الصينية التابعة للكونغرس الأمريكي مع بداية ولاية الرئيس ترامب سنة 2016، فحذرت اللجنة من نمو التمدد الصيني دوليا وضرورة العمل على تحجيمه سياسيا واقتصاديا وأمنيا من خلال خطة ثلاثية الأبعاد. ثم تلاها التقرير السنوي الذي قدمته اللجنة المؤلفة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي والذي سلط الضوء على ما حققته بكين خلال العقد الأخير من "زيادة رقعتها الدولية في مختلف القضايا، حتى باتت تمثل قلقا وصداعا مزمنا في رأس الإدارة الأمريكية، فالعمل على تطويق هذه الرقعة ووقف زيادتها قضية أمن قومي يجب وضعها تحت مجهر العناية والاهتمام"، وأفرد التقرير مسافة كبيرة لمناقشة القدرات العسكرية للصين وحجم ما وصلت إليه التهديدات للأمن القومي الأمريكي، مشيرا أن تعزيز بكين لقدراتها العسكرية سيدفعها لاستخدام القوة أكثر للدفاع عن مصالحها، مشيرا إلى ميول عدوانية أظهرتها بكين في بحر الصين الشرقي والجنوبي (كبناء العديد من الجزر كقواعد عسكرية عائمة أو الهجوم على سفن الدول المجاورة...).

ثم مع إدارة الرئيس بايدن سرعت أمريكا خطواتها وتحركاتها لتفعيل وإنفاذ جوانب متعددة من استراتيجيتها البعيدة المدى الهادفة لتحجيم الصين ولجمها والحد من اندفاعها المتنامي والمتسارع في مزاحمة ومنافسة أمريكا، وهكذا بات الهدف الاستراتيجي الأمريكي للحفاظ على الهيمنة والسيطرة على النظام الدولي اقتصاديا وسياسيا وعسكريا مرهوناً باحتواء الصين.

فعالجت الإدارة الأمريكية إحدى المعضلات ونقاط الضعف التي تعتري استراتيجيتها والمتعلقة بالشق العسكري، والتي طفت إلى السطح بعد مناورات افتراضية أجرتها المؤسسة العسكرية الأمريكية عامي 2018-2020، وبحسبها فإن الولايات المتحدة ستهزم في حرب مع الصين في بحر الصين الجنوبي ويعود ذلك إلى نقاط ضعف ثلاث؛ أولها: بُعْد واشنطن عن خطوط إمداداتها الاستراتيجية مقابل الصين التي تقاتل في فضائها الجيوستراتيجي، ثانيا: تطور القدرات العسكرية الصينية تطورا هائلا بحيث تجعل القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة في مدى صواريخها مباشرة، ثالثا: استنزاف القوة الأمريكية بانتشارها في مناطق كثيرة في العالم. فكانت المعالجة إعادة تركيز وتمركز القوة، ثم إنشاء تحالفات وشراكات استراتيجية أمنية وعسكرية، فكانت الاتفاقية الأمنية الاستراتيجية "أوكوس" بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا للعمل المشترك في منطقتي الهادئ والهندي، الأمر الذي عزز قوة أمريكا النووية والتكنولوجية فضلا عن منحها موانئ جديدة في أستراليا. وبعد اتفاقية أوكوس عُقِد في واشنطن لقاء ما يعرف برباعية الحوار الأمني الرباعي "كواد" الذي جمع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، والذي أكد على ضرورة بقاء المحيطين الهادئ والهندي منطقة مفتوحة حرة، بمعنى عدم خضوعها لهيمنة الصين.

ثم كان انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان وتخفيف حضورها العسكري على نحو متزايد في منطقة الخليج لتجميع قواها العسكرية وتركيزها على الخطر الصيني. عطفا على التحالفات والشراكات هناك القواعد المنتشرة في المحيطين الهادئ والهندي في الفلبين وفيتنام واليابان وكوريا الجنوبية. بهذه الإجراءات عالجت أمريكا نقاط ضعفها العسكرية استراتيجيا لإبقاء الضغط على الصين واحتواء قواتها البحرية المتنامية، عبر استعداء محيطها وخلق حالة من التوتر المستمر في المياه الإقليمية للدول المجاورة للصين، ما يخلق بالتبعية كماشة حول الصين ممتدة من كوريا الجنوبية واليابان في الشمال إلى الفلبين وفيتنام وإندونيسيا في الجنوب. وهكذا عززت إدارة بايدن من تحالفاتها وشراكاتها ووجودها العسكري في منطقتي الهادئ والهندي لتطويق الصين بحزام ناري لشل حركتها خارج إقليمها سعيا لاحتوائها.

إلا أن التحدي الأكبر ومعضلة المعضلات التي تواجهها الاستراتيجية الأمريكية لاحتواء الصين، هو ذلك الكابوس الاستراتيجي المتمثل في تقوية العلاقات بين الصين وروسيا، ذلك السيناريو الأخطر في قيام تحالف استراتيجي بينهما يجعل من استراتيجية احتواء الصين أثرا بعد عين.

وها قد بات الكابوس الاستراتيجي للسياسة الخارجية الأمريكية واقعا، حتى إن من الركائز الاستراتيجية لسياسة الصين الخارجية: * الاهتمام بالعلاقات مع الدول المتقدمة للحصول على التكنولوجيا والاستشارات الفنية، ومع الدول النامية للحصول على الطاقة والموارد الأولية، ومع كافة دول العالم لولوج أسواقها وتصريف الإنتاج الصيني الضخم. * بناء علاقات استراتيجية مع الدول المهمة وفي مقدمتها الاتحاد الروسي. وقد ترجمت الصين استراتيجية سياستها الخارجية عمليا مع روسيا في كثير من الاتفاقيات والملفات والقضايا الدولية، وأخذت العلاقات الصينية الروسية منحى تصاعديا خطيرا، ما جعل التصدي لها على رأس أولويات السياسة الخارجية والتخطيط الاستراتيجي الأمريكي.

وقد بدأت سياسة تقوية العلاقات الصينية الروسية بتسوية مشاكل الحدود التي كانت عقبة أمام البلدين، فالصين وروسيا تشتركان في حدود يبلغ طولها 4370 كلم، فكانت الاتفاقيات المتعلقة بالحدود الشرقية عام 1991 ثم بعدها الحدود الغربية عام 1994، ثم بعدها تم حل معظم الخلافات الحدودية بشكل رسمي عام 2001 وتمت تسوية الباقي بشكل نهائي في حزيران/يونيو 2005، ثم انطلقت بعدها سياسة تقوية العلاقات وتمتينها.

فكان التنسيق الأمني بين البلدين في منطقة آسيا الوسطى في إطار منظمة شنغهاي الخماسية، التي تضم كازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان إلى جانب روسيا والصين، وتم إنشاؤها في نيسان/أبريل 1996 مع توقيع معاهدة أمنية بين الدول الخمس. ثم تنامت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين حيث تعتبر الصين أكبر شريك تجاري لروسيا، وقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين روسيا والصين بمقدار الثلث عام 2021 وبلغ مستوى قياسياً جديداً (140 مليار دولار)، وفي السنوات الأخيرة دخلت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين مسار السرعة القصوى. كما تعد روسيا أكبر مُصَدر للصين لكل من واردات النفط الخام والكهرباء وخامس أكبر مصدر لواردات الفحم، وقد ارتفعت واردات النفط الخام الروسي السنوية للصين باستخدام طريق خط الأنابيب.

ثم تنامت العلاقات الاقتصادية وتطورت وتم تشكيل تكتل اقتصادي من الصين وروسيا والهند والبرازيل تحت مسمى منظمة "بريكس" سنة 2008، ثم بعدها انضمت جنوب أفريقيا عام 2010، وكان من آليات تجارة منظمة بريكس التعامل بالعملات المحلية لتجاوز الدولار. وفي إطار التعاون المالي تم في تموز/يوليو 2015 إنشاء الصين للبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وانضمت له روسيا بصفة عضو مؤسس، وكان البنك منافسا جديا للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التنمية الأسيوي (وهذا الأخير من تخطيط وإنشاء إدارة الرئيس الأمريكي ليندون جونسون في ستينات القرن الماضي).

ثم أقامت الصين وروسيا مشروعا مشتركا سنة 2017 لبناء طائرات ركاب من الحجم الكبير جدا، كما أقامت الدولتان أيضا مركز بحث وتطوير بشأن تكنولوجيا سكك حديد القطارات فائقة السرعة، كما تتعاون الشركات بين البلدين في مجالات الطاقة النووية والفضاء الجوي والاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية عبر الحدود.

ثم كانت الاتفاقيات الضخمة لسنة 2022 ومنها صفقة الغاز الضخمة مع الصين التي كشف عنها بوتين خلال زيارته الأخيرة في شباط/فبراير الماضي، تمثلت في عقد جديد لتوريد الغاز إلى الصين من الشرق الأقصى الروسي بحجم عشرة مليارات متر مكعب. ثم خلال الزيارة تم توقيع 15 اتفاقية من بينها اتفاقية لاستيراد القمح من جميع مناطق روسيا، ما جعل سلاح القمح الروسي في حوزة الصين استباقا للعقوبات القادمة.

ثم هناك أخطر أبواب التجارة وهو صفقات الأسلحة بين الصين وروسيا، وتعد الصين من أهم الأسواق الآسيوية لصانعي الأسلحة الروس، وتشكل مع السوق الآسيوية 70% من صادرات السلاح الروسي منذ عام 2000. وجاء في تقرير لمركز بحوت تشاتام هاوس البريطاني سنة 2018 أن الصين والهند وفيتنام هي الدول الأكثر إقبالا على شراء الأسلحة الروسية في المنطقة.

ثم هناك التنسيق الأمني والسياسي في القضايا الدولية، وظهر ذلك جليا في تقارب المواقف السياسية والأمنية بين النظامين من خلال دعم الروس للموقف الصيني في قضايا تايوان والتبت وبحر الصين الجنوبي وتركستان الشرقية وقضية مسلمي الإيغور فيها، بالمقابل دعم الصين للموقف الروسي في الشيشان وفي ضم شبه جزيرة القرم وفي اجتياح أوكرانيا.

هذه بعض حقائق التطور السريع والمتنامي للعلاقات الصينية الروسية، ما ينبئ أن الكابوس الاستراتيجي للسياسة الخارجية الأمريكية صار مفزعا. وقد اتخذت الإدارات الأمريكية المتعاقبة خطوات عدة لمعالجة معضلة العلاقات الصينية الروسية بكسر الحلقة الأضعف في العلاقة وهي روسيا عبر محاولات عدة لإضعافها وعزلها وتحييدها.

ففي تسعينات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه وانحصار وانكماش الجغرافيا السياسية في روسيا، وإبان فترة الصدمة والاضطراب والتفكك وزمن الاختلال السياسي في ولاية يلتسين، كانت الاستراتيجية الأمريكية قائمة على اختراق وتلغيم وتفخيخ الساحة الروسية عبر مجموعة من الرأسماليين الروس الفاسدين، اصْطُلِح عليهم الروس الجدد "الأوليغار" ليتم بهم خصخصة روسيا وتفتيتها وبيعها بالتقسيط، واعتمدت الاستراتيجية الأمريكية على أسلوب تسريع إفساد الثمرة لتعجيل سقوطها، فتركزت في أيدي الأوليغار الأصول المملوكة للدولة، وقد تم زرعهم إبان فترة حكم غورباتشوف واشتد عودهم وقوي نفوذهم واستفحل أمرهم خلال حكم يلتسين حتى باتوا الحكام الحقيقيين لروسيا، أهمهم بوريس برزوفسكي وميخائيل فريدمان وميخائيل خودورفسكي وأربعة آخرون شكلوا ما أصبح يعرف بالصيارفة السبعة وحكم الأقلية "الأوليغارشية"، حتى باتوا يتحكمون في 70% من كل المالية الروسية بين عامي 1996 و2000، وكان ارتباطهم وثيقا بالدوائر الغربية والاستخبارات الأمريكية والبريطانية.

فمثلا ميخائيل خودورفسكي نموذج كاشف فقد سُلِّمَت له شركة "يوكوس" الشركة البترولية الثانية على المستوى الروسي والرابعة عالميا في مزاد علني مثير للجدل صمم من أجله وتمت الصفقة في دقيقتين سنة 1995، وتعاظم نفوذ خودورفسكي حتى إن أغلب تكتلات مجلس "الدوما" البرلمان الروسي بعدها كانت تأتمر بأوامر شركة يوكوس ومالكها الجديد، فضلا عن تمويله للأحزاب الروسية وإنشائه لأخرى كالحزب الشيوعي الروسي والحزب الليبرالي "يابلوكو"، ثم قرر عام 2003 أن ينسحب من الأعمال والصفقات للترشح لانتخابات الرئاسة الروسية، والعجيب هو استعداده لبيع نصف شركة يوكوس إلى شركة "إيكسون موبيل" الأمريكية، وكان الطريق سالكا أمام أمريكا وطبقة الأوليغار المخربين الفاسدين لتدمير الجهاز الحكومي وتفكيك الدولة وإنهاء المشكلة الروسية من جذورها وتحويل روسيا لجمهورية موز.

ولكن جرت رياح السياسة الروسية بما لا تشتهيه الاستراتيجية الأمريكية، فكانت ولاية الرئيس الروسي بوتين فبدأت معه الاتهامات والملاحقات والتصفيات لطبقة الأوليغار، ثم قبض بوتين على الحكم بيد من حديد فأزاح الأوليغارشيين من طريق الحكم وأطاح الحرس القديم المترهل في الكرملين وسيطر على الإعلام للسيطرة على الرأي العام، وتفرغ لأباطرة المال والأعمال الأوليغار فبدأت شركاتهم وتكتلاتهم المالية تسقط تباعا في أيدي حلفاء بوتين الموثوقين، وألغى انتخابات حكام الأقاليم لعام 2009 لسد الباب أمام رجالات الأوليغار المتخفين ثم أدخل تشريعات جديدة لإحكام قبضته على الحكم.

ثم لما امتنع الداخل الروسي على أمريكا كانت ردة فعلها ثوراتها الملونة في دول الجوار الروسي، وتابع بوتين بقلق شديد سقوط دول الجوار في القبضة الأمريكية، وكانت ألسنة نار الثورات الملونة قد وصل حرها للداخل الروسي فاندلعت سلسلة من المظاهرات الحاشدة بموسكو وأماكن أخرى وكانت من أكبر المظاهرات التي عرفتها روسيا منذ عقدين، وكانت الاستراتيجية الأمريكية تسعى لتطويق روسيا بثورات ملونة يستتبعها الداخل الروسي بثورة سوداء على بوتين للإطاحة به ثم إعادة صياغة الحكم الروسي حسب الرؤية الأمريكية.

لكن الثورة الملونة الأوكرانية سنة 2014 وتبعاتها منحت بوتين فرصة استراتيجية للإمساك بالداخل الروسي، وذلك باستيلائه السريع على شبه جزيرة القرم في شباط/فبراير 2014 وجعله أكبر انتصاراته، وأصبح لا صوت يعلو فوق صوت المعركة فتلاشت المظاهرات والاحتجاجات واستعاد بوتين زمام المبادرة.

ولما تعذر اختراق الداخل الروسي مرة أخرى عن طريق الثورات الملونة، كان استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم فرصة مزدوجة ومخرجا للاستراتيجية الأمريكية باستخدام سلاح العقوبات كسلاح استراتيجي. فالمعضلة الروسية التي يواجهها بوتين هي الأوضاع الداخلية الصعبة واقتصاده الهش ثم الجوار والمحيط الخارجي الذي تتحرك فيه روسيا وقد أطبقت عليه أمريكا وبات طوقا وخناقا يلف العنق الروسية، وسلاح العقوبات هو لاستنزاف الاقتصاد الروسي وتأزيم الوضع الداخلي وتأجيج بؤر التوتر في الداخل الروسي، ثم إبطاء وتيرة نمو العلاقات الصينية الروسية وصولا إلى شلها.

ثم كانت الغاية من تدويل العقوبات ضد روسيا وجعلها عقوبات دولية هي استغراقها الصين في علاقتها مع الروس، كما حصل في صفقة الأسلحة الروسية للصين والتي تمت عام 2018 وشملت 10 مقاتلات سوخوي وصواريخ أرض/جو (إس 400) واعترضت عليها الولايات المتحدة، وقالت واشنطن حينها إن الصين خرقت بعقدها هذه الصفقة العقوبات على روسيا، رغم أن الصين لم تنضم إلى العقوبات التي فرضتها واشنطن على موسكو عام 2014، ثم قررت بعدها واشنطن فرض عقوبات على الجيش الصيني.

فتدويل العقوبات يُعَقِّد العلاقات الصينية الروسية ويضع عراقيل لها، فضلا على التأثير في الكيانات الموازية كمنظمة شانغهاي ومجموعة بريكس والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، علما أن هذه الكيانات الموازية مخترقة أمريكيا عبر دول تدور في الفلك الأمريكي (كالهند واليابان وباكستان...)، وتسعى أمريكا بنهج سياسة العقوبات لجعل العلاقات الصينية الروسية مكلفة للصين دوليا وعنصرا سالبا في علاقاتها الدولية.

ثم أضافت أمريكا إلى سياسة العقوبات سياسة تبديد وتشتيت واستنزاف القوة العسكرية الروسية معدات وديموغرافيا، فروسيا تشهد كارثة ديموغرافية برزت مؤخرا في تناقص ساكنتها، كما تعاني تدهورا اقتصاديا، لكنها تحتفظ بموارد عسكرية هائلة ورثتها عن الاتحاد السوفيتي يمكن توظيفها في إفساد التوازنات النووية التي صنعتها أمريكا واستخدامها كعنصر تخريب في الصراع السيبراني، ما يدفع أمريكا استراتيجيا لمحاولة تبديد هذه القوة وتحطيمها وبناء سد منيع أمام وصول الصينيين إليها، فكانت العقوبات وصاحبها استدراج الروس وجرهم إلى حروب خارج إقليمهم وبعيدا عن خطوط إمداداتهم لتبديد قوتهم العسكرية وتشتيت طاقاتهم واستنزاف ديموغرافيتهم واقتصادهم، فورطتهم أمريكا في الشام ثم استدرجتهم لطرابلس الغرب عبر عميلها حفتر الذي وعدهم ومناهم، ثم جرتهم لحرب أذربيجان للدفاع عن أرمينيا.

وأمريكا في كل هذا تسعى استراتيجيا لحرق الورقة الأضعف في التحالف الصيني الروسي عبر الإفلاس الاقتصادي وتحطيم القوة العسكرية والاستنزاف الديموغرافي لدفع النظام الروسي إلى الانهيار وروسيا إلى الهاوية.

إلا أن تأثير الاستراتيجية الأمريكية لم يكن بالمستوى المطلوب، وما تجاوزت مفاعيله روسيا إلى الصين، وما تباطأ نمو العلاقات الصينية الروسية. بل الأخطر أن القوة الصينية استمرت في الصعود والنمو وبوتيرة أسرع، بل توسعت عبر مبادرة طريق الحرير "الحزام والطريق" (شبكة من المواصلات لربط العالم بالسوق الصينية)، وتنامت معها بشكل مطرد القدرات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية للصين، ومعها ازدادت أيضا شروط وقدرة الصين في استخدام الترهيب والإكراه في تحقيق وتعزيز أهدافها الاستراتيجية سواء في إقليمها أو محيطها في البحر الأصفر وبحر الصين الشرقي والجنوبي ومضيق تايوان والمناطق الحدودية بين الصين والهند وبعدها باقي العالم. وهكذا تنامى التهديد الاستراتيجي الصيني وبلغ مستويات خطرة، وأضحى تحديا استراتيجيا للهيمنة الأمريكية على المدى المنظور.

ففي شهر أيار/مايو 2019 أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية تقريرها السنوي للكونغرس وعنوانه "التطورات العسكرية والأمنية المتعلقة بجمهورية الصين الشعبية" والذي يقيِّم المسارات الحالية لتطور الصين العسكري والتكنولوجي والاستراتيجيات الأمنية والعسكرية والمفاهيم التنظيمية للجيش الصيني، جاء فيه: "في تموز/يوليو 2019 اعترف وزير الدفاع الصيني علنا بأن مبادرة "حزام واحد وطريق واحد" مرتبطة بالتوسع الطموح لانتشار جيش التحرير الشعبي الصيني في الخارج"، وعليه دعت لجنة الأمن القومي الأمريكي الولايات المتحدة إلى "إعادة التفكير في سياسات العقدين الماضيين". ثم كان اللافت في التقرير الصيغ المستعملة كحماية الوطن والشعب الأمريكي وطريقة الحياة الأمريكية والحفاظ على السلام من خلال القوة... وكلها مفردات الحرب الباردة.

فبدأت الاستراتيجية الأمريكية للحد من الخطر الاستراتيجي الصيني تأخذ منحى تصاعديا حادا، ففعَّلت أمريكا استراتيجية الحرب الباردة مع تعديل في الخطط والأساليب لاستخدامها ضد الصين. ثم كان من مقدمات الحرب الباردة ضد الصين إعادة التموضع العسكري الاستراتيجي الأمريكي في المحيطين الهادئ والهندي، فبدأت بتطويق الصين بحزام ناري مشكل من أحلاف ودول تدور في الفلك الأمريكي، فكانت اتفاقية أوكوس ورباعية كواد والقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المحيطين الهادئ والهندي، ونقل كتلة القوات الأمريكية المسلحة من الأطلسي والشرق الأوسط إلى آسيا.

ثم ها هي أمريكا تسعى لتفخيخ وتلغيم الداخل الصيني لتفجير الوضع الصيني من الداخل على شاكلة التوترات والاضطرابات التي اجتاحت المعسكر الشيوعي أواخر الثمانينات، وذلك بتفعيل التصدعات والشقوق في الجدار الصيني ورفع منسوب التوتر سواء في تايوان أو تركستان الشرقية واستغلال قضية المسلمين الإيغور أو التبت وقضية الأقلية البوذية أو هونغ كونغ، تحت ذريعة وشعار حقوق الإنسان والديمقراطية وحقوق الأقليات والحرية الدينية وحرية الرأي...

وقد فعَّلت هذه السياسة عمليا فقد استضافت الخارجية الأمريكية سنة 2019 أول اجتماع وزاري لتعزيز الحرية الدينية، دعت فيه إلى احترام حقوق شعب الإيغور وغيرهم من المسلمين الأتراك والبوذيين والتبتيين والمسيحيين وأتباع الفالون غونغ الذين يواجهون القمع والاضطهاد في الصين. وفي 2020 أطلقت وزارة الخارجية الأمريكية أول تحالف دولي للحرية الدينية، والتقى الرئيس الأمريكي بممثلين عن ضحايا الاضطهاد الديني في الصين، كما تستمر الولايات المتحدة في دعم المدافعين عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني التابع لها في الصين وحولها. ثم هناك نواة التمركز الأمريكي في الداخل الصيني هونغ كونغ، فهناك حوالي 85 ألف مواطن أمريكي وأكثر من 1300 شركة أمريكية في هونغ كونغ، ما جعل الرئيس الأمريكي بايدن يصدر في آب/أغسطس 2021 مرسوما خاصا يمنح لمواطني هونغ كونغ رخصة لجوء مؤقت لأمريكا.

هذه بعض من أدوات أمريكا في حربها الباردة في الداخل الصيني، يبقى أن تفعيل هذه الأدوات في الداخل الصيني منوط بالضائقة الاقتصادية أو القمع السياسي أو الاضطهاد الديني، أما الضائقة الاقتصادية فالصين لا تعانيها بل اقتصادها في نمو، هناك القمع السياسي الذي يمكن تنفيسه فالصين لا تعاني من مشكلة تكنولوجيا المعلومات والعزلة الإعلامية فلها منصاتها الخاصة للتحكم في الرأي العام الصيني، يبقى الاضطهاد الديني هو العامل الحاسم والعنصر الفاعل وهو المعول عليه أمريكيا وأخطر محركاته الإسلام وليست البوذية إطلاقا (البوذية عنصر تشويش فقط).

من هنا تحليل وتحذير صارم (لمسلمي تركستان الشرقية والجوار وكافة المسلمين) فمن المتوقع توظيف أمريكا لبعض المسلمين من تركستان الشرقية وإخوانهم في الجوار وجذب غيرهم لاستنساخ الجهاد الإيغوري ضد الصين نظيرا للجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي، فالحذر الحذر من أن تكونوا حطبا لنار أعدائكم أمريكا والصين، فأمريكا بكم تسعى لإبقاء هيمنتها والصين تسعى لاستئصالكم.

كما أن من مستلزمات الحرب الباردة ضد الصين سياسة التحالفات والاستقطاب، وكذلك عزل وتحييد الخصوم والمناوئين. فالحرب الباردة الأمريكية تقتضي إعادة نسج العلاقات الدولية والقواعد الناظمة لها خدمة للاستراتيجية، من جهة الولايات المتحدة وحلفاؤها وفي الجهة الأخرى الصين الصاعدة مع عزلها عن روسيا، من هنا كان من مستلزمات الحرب الباردة الفخ الأوكراني باستدراج روسيا للمستنقع الأوكراني لاستنزافها ثم عزلها فتحييدها، فالفخ الأوكراني على شاكلة الفخ الأفغاني فصل في الحرب الباردة وأداة من أدوات الاستراتيجية الأمريكية للتصدي للصين، والهدف هو إعادة تشكيل الخرائط الدولية وموازين القوى بما يخدم بقاء الهيمنة الأمريكية.

فواشنطن تدرك جيدا مستلزمات الحرب الباردة فقد خاضتها من قبل ضد الاتحاد السوفيتي، ولذلك فإنها تحاول توجيه جل إمكاناتها وحشد حلفائها وعزل وتحييد خصومها لاحتواء الصين، والفخ الأوكراني الذي نصبته أمريكا باستدراج الروس للمستنقع الأوكراني من أهم عناصر تفعيل الاستراتيجية ومن العوامل الحاسمة في تنفيذها وتحقيق أهدافها. فحاجة الولايات المتحدة إلى شبكة قوية من الحلفاء والشركاء للمساعدة في توفير التوازن أمام القوة الصينية الصاعدة، لذا تبدو الكتلة الأوروبية من حيث ثقلها البشري والعسكري والاقتصادي والسياسي فضلا عن التجانس الحضاري هي الحليف الأقرب لأمريكا، وهي اللبنة الأساسية في المعسكر الغربي الذي تسعى أمريكا إلى إعادة ترميمه وتشكيله وتفعيله ضد الصين.

كما تستلزم حربها الباردة إعادة التفعيل الاستراتيجي وتوسيع الموقع الجيوستراتيجي لذراعها العسكرية الحلف الأطلسي، مع استعادة القيادة والتحكم في الحلفاء والشركاء. أما عن عزل وتحييد الخصوم والمناوئين فروسيا هي المستهدفة بهكذا سياسة، بإضعافها وتطويقها وعزلها وتحييدها لتحطيم محور بكين موسكو.

ففي الصورة الخلفية للحرب الروسية الأوكرانية ظلال خبايا الفخ الأوكراني، فاستدراج روسيا للمستنقع الأوكراني هيأ الظروف وحقق الشروط اللازمة لحرب أمريكا الباردة. فكان اجتياح بوتين لأوكرانيا بالنسبة لأمريكا هو الزمن الاستراتيجي لإعادة ترتيب رقعة الساحة الدولية وتفعيل سياسة التحالفات والاستقطاب الأمريكية. فلقد أحيا الاجتياح الروسي لأوكرانيا كوابيس الحرب العالمية الثانية لأوروبا، فكانت فرصة إدارة بايدن للتموضع وإعادة تكتيل المعسكر الغربي أمام الخطر الروسي وأخذ زمام المبادرة والتحكم والقيادة.

فأمريكا التي فصلتها عن أوروبا سنوات من الخلافات والاختلافات وعمقتها إدارة ترامب ثم التصدع الذي أحدثته اتفاقية أوكوس والخروج من أفغانستان من دون تنسيق مع الأوروبيين، مع الفخ الأوكراني أصبح الخطر الروسي عاملا في رأب الصدع مع أوروبا، وكان تكتيك إدارة بايدن التنسيق مع الأوروبيين في مواجهة الروس، ففَعَّلَت الإدارة محور واشنطن لندن بروكسل الذي أصبح في صلب الحدث، كما ساعدها ترؤس فرنسا لمجلس الاتحاد الأوروبي، فمَكَّن الاجتياح الروسي لأوكرانيا إصلاح ما أفسدته سنوات من الخلافات والاختلافات الأمريكية الأوروبية وتم تعزيز العلاقات عبر الأطلسي، كما أن الاجتياح فعَّل الخطر والتهديد الروسي وعزز نفوذ الحلف الأطلسي وأحيا دوره من جديد في الداخل الأوروبي، بل دفع دولا كانت بالأمس محايدة إلى التفكير بالانضمام إليه كفلندا والسويد. بل في ظل الاجتياح الروسي لأوكرانيا والعجز العسكري الأوروبي الفاضح، فأغلب الدول الأوروبية باتت تفضل ارتباطا أمنيا قويا عبر الأطلسي وتحت المظلة الأمريكية وحلفها الأطلسي على وجود اتحاد أوروبي أكثر استقلالية، فالمعادلة الأوروبية باتت "الأمن أولا وبعده نرى".

ولرأب الصدع مع ألمانيا ومع انتخاب مستشار ألماني جديد أولاف شولتس الذي عرف عنه انتقاده لسياسات موسكو، قامت إدارة بايدن بإعفاء الشركة الألمانية الرئيسية المشغلة لمشروع خط أنابيب الغاز الروسي "نورد ستريم 2" من العقوبات، ما ساعد على تجاوب ألمانيا مع العقوبات ضد روسيا بتعليق العمل بمشروع نورد ستريم 2 لنقل الغاز الروسي عبر ألمانيا.

وهكذا وظفت أمريكا الفخ الأوكراني في رأب الصدع مع أوروبا وترميم الشقوق والتصدعات التي أحدثتها سنوات من الخلافات والاختلافات عبر التنسيق وتنشيط محور واشنطن لندن بروكسل، وعززت نفوذ الحلف الأطلسي بتفعيل الخطر الروسي، وحشدت القوى الخارجية وكتلت معسكرها الغربي (أوروبا، بريطانيا، أستراليا، كندا، اليابان...) تحت المظلة والقيادة الأمريكية، وهكذا استعادت زمام المبادرة وظهر ذلك جليا في اجتماع الغرب كما لم يجتمع من قبل في شن حملة عقوبات قاسية بل مدمرة على روسيا، ثم جرت واشنطن معها العواصم الأوروبية لدعم كييف بالأسلحة الدفاعية، سعيا منها لإضعاف الروس وعزلهم وتطويقهم واستنزافهم في حرب طويلة الأمد (الدعم العسكري الغربي اقتصر على الأسلحة الدفاعية وليس الهجومية ما يطيل أمد الحرب ويخدم الاستراتيجية الأمريكية في استنزاف روسيا)، يصبح معها الروس عبئا دوليا على الصين.

أما العقوبات فقد صُممت لهدم أسس الاقتصاد الروسي، ولدفع روسيا وبشكل قوي ومتسارع نحو الدخول في ركود اقتصادي حاد بالتزامن مع فوضى مالية عبر ضرب القطاع البنكي، فهي المرة الأولى التي يتم فيها فرض عقوبات على البنك المركزي الروسي أي خزينة الدولة الروسية، فقد هوت بعدها العملة الروسية الروبل وانخفضت قيمتها إلى مستوى قياسي غير مسبوق بأكثر من 30% أمام الدولار.

ثم لشل حركة روسيا المالية وعزل اقتصادها عن الأسواق والاستثمار العالمي تم اتخاذ الإجراء العقابي المدمر بتقليص قدرة روسيا في الوصول إلى نظام المدفوعات العالمي "سويفت" وفرض الحظر على الاستثمارات في روسيا ما يشل كثيرا معاملات التصدير والاستيراد من روسيا، ويعتبر ضربة مدمرة لبورصة موسكو في منع تسديد قيمة كوبونات الأسهم ما يجر إلى فوضى مالية وأخطاء تقنية (يذكر أنه عندما تم منع إيران من نظام سويفت عام 2012 فقدت البلاد أكثر من نصف عائدات القطاع النفطي و30% من عائدات التجارة الخارجية)، ثم مع تهاوي العملة الروسية الروبل وفقد قيمتها سيضطر الروس للجوء لمخزونهم الاحتياطي من الذهب والنقد الأجنبي وتحديدا الدولار، عطفا أن الكثير من الاحتياطي المالي الروسي لا يمكن الوصول إليه بحكم تجميد الأصول الروسية في الخارج، وهكذا ستأكل سنوات العقوبات العجاف سنوات من الادخار، الأمر الذي دفع بالرئيس الروسي بوتين للتصريح "العقوبات المفروضة على روسيا تعادل إعلان حرب".

ثم شملت العقوبات قطاع التكنولوجيا، فقد صرح الرئيس الأمريكي بايدن أن بلاده مع حلفائها سيمنعون ما يزيد على نصف الواردات الروسية من السلع ذات التقنية العالية مثل أشباه الموصلات التي تستخدم في الصناعات العسكرية.

ثم كانت الضربة القاصمة حيث فرضت الإدارة الأمريكية يوم الثلاثاء 9 آذار/مارس 2022 حظرا فوريا على الواردات الروسية من النفط وغيرها من واردات الطاقة، وقالت بريطانيا إنها ستوقف واردات النفط الروسية تدريجيا حتى نهاية 2022، وأشارت تقديرات بنك "غولدمان ساكس" إلى أن أكثر من نصف النفط الروسي المصدر من الموانئ لم يتم بيعه، وقدر "جي بي مورغان" أن 70% من النفط الروسي المنقول بحرا يواجه صعوبة في إيجاد مشترين، كما تم استهداف القطاع الحيوي للغاز الروسي عبر تعليق مشروع "نورد ستريم2" المار عبر البلطيق إلى ألمانيا، فالواردات من النفط والغاز الروسيين تمثل 20% من حجم الاقتصاد الروسي ونحو نصف عائداتها من الصادرات.

هكذا فتوريط الروس في المستنقع الأوكراني وفرض وتشديد العقوبات إلى مستويات غير مسبوقة يدفع روسيا إلى الانهيار الاقتصادي والإفلاس المالي مؤداه تراجع في مستوى المعيشة ما يثير الاستياء العام ويؤدي إلى اهتزازات عنيفة في الداخل الروسي مع تزايد في منسوب التوتر قد يوصل إلى المستوى الحرج حد السقوط، وهو ما يهدد إدارة بوتين ومستقبله السياسي بل مستقبل روسيا نفسها كدولة. وأمريكا تدفع بروسيا إلى شفير الهاوية خدمة لاستراتيجيتها الكبرى في إضعاف روسيا وعزلها وتحييدها عن حربها الباردة ضد الصين.

ثم ها هي أمريكا قد جعلت من الفخ الأوكراني رافدا اقتصاديا لمعالجة بعض من أزمتها المالية الطاحنة، وعاملا لنماء تجارتها الخارجية ومعالجة بعض معضلات اقتصادها لإعادة تأهيله لخوض حربها الباردة ضد الصين. فقد تراكمت الديون الأمريكية عبر عشرات السنين وبلغت مديونية أمريكا مستويات فلكية أوصلتها إلى مأزقها المالي، حيث وصفه مستشار الأمن القومي السابق بولتون بالخطر على الأمن القومي، ما دفعها لضخ المزيد من السيولة السامة (طباعة مليارات الدولارات بلا غطاء)، ففي 2008 طبع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي زهاء 1.5 تريليون دولار بكبسة زر في يومين وهو ما يعادل حينها ضعفي الدولارات المتداولة في الاقتصاد العالمي. وكشف تقرير صادر عن مؤسسة "بيتر بيترسون" الأمريكية أن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قام بطباعة أكثر من 7.2 تريليون دولار وضخها في الأسواق العالمية سواء أكانت من خلال السندات أو أذون الخزانة وهو أعلى معدل على الإطلاق، وأوضح التقرير أنه بحلول 21 تشرين الأول/أكتوبر 2021 بلغ إجمالي محفظة الفيدرالي الأمريكي التي تم ضخها في الأسواق نحو 7.2 تريليون دولار بزيادة قدرها 2.5 تريليون دولار عن 4.7 تريليون دولار في شهر آذار/مارس. وطباعة الدولارات بلا سند سياسة سامة لأنها في آخر المطاف ستؤدي إلى انهيار الدولار، أو كما سماها وزير خزانتها "دولار ضعيف" ما يعني فقدان قيمته والثقة به ومن ثم انخفاض التعامل به وهو مقتل الاقتصاد الأمريكي.

فكان الفخ الأوكراني والاجتياح الروسي لأوكرانيا لحظة أمريكا الاقتصادية، فبحسب الخبراء فالحرب الأوكرانية ستكلف الاقتصاد العالمي أزيد من 400 مليار دولار للأشهر المتبقية من سنة 2022، أي ستوفر سوقا لمليارات الدولارات المسمومة الأمريكية، أي تدوير لسيولتها السامة في الاقتصاد العالمي. ثم صبيحة الخميس بعدما دقت أولى ساعات الحرب ارتفعت قيمة الدولار والذهب وأسعار النفط بمستويات قياسية وهي مستمرة في ارتفاعها. فقد ارتفع مؤشر الدولار ودفعت الحرب الأوكرانية اليورو لانخفاض قيمته أمام الدولار، فأصبح الدولار والأسواق الأمريكية ملاذا آمنا للمستثمرين الرأسماليين الهاربين من السوق الروسية بسبب العقوبات أو من السوق الأوروبية للمخاطر التي تحفها، بل حتى من السوق الصينية مع حجم العقوبات وتدويلها وتعقيدات المعادلة الصينية في المواءمة بين مصالح أوروبا ومصالح روسيا، ما يجعل السوق الصينية هي كذلك محفوفة بالمخاطر. ثم هناك موعد اجتماع الفيدرالي الأمريكي شهر آذار/مارس والمتوقع رفع الفائدة ما يعزز قيمة الدولار دفعا للإقبال عليه وادخاره وتعزيزا لبقاء هيمنته، وعليه يصبح المستفيد من هكذا وضع الاقتصاد الأمريكي بالدرجة الأولى.

كما أن الحرب الأوكرانية دفعت بأسعار الطاقة إلى مستويات قياسية وفرت لأمريكا فرصتها لاحتكار سوق الطاقة لصالحها، فباعتبارها المهيمن على معظم صادرات الطاقة في العالم فهي المستفيد من ارتفاع الأسعار، ما يمكنها من ضخ السيولة في آبار اقتصادها العطشى للمال، ثم كانت العقوبات على النفط الروسي لحصر وحكر السوق العالمية على صادراتها، كما أن استهداف العقوبات للغاز الروسي واستهداف مشروع نورد ستريم2 هو مسعى أمريكا لنقل أوروبا من الغاز الروسي إلى الغاز الأمريكي المسال كي يتعزز غازها في موقع خريطة الطاقة العالمية.

كما ارتفعت أسعار القمح والذرة وفول الصويا بمستويات قياسية بلغت 60% بعدما تم ضرب واردات روسيا من القمح عن طريق العقوبات وشل الواردات الأوكرانية بفعل الحرب الدائرة على أرضها، علما أن إجمالي حصص روسيا وأوكرانيا من صادرات القمح العالمية تراوح 30% وتعتبر روسيا أكبر مصدر للقمح في العالم وتقارب حصتها 18%، كما ارتفعت العقود الآجلة لشحنات القمح والذرة الأمريكية المتداولة في بورصة شيكاغو والتي تعد مقياسا دوليا إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من تسعة أعوام، في حين سجلت أسعار فول الصويا أعلى مستوى لها منذ 2012، ويبقى المستفيد من تقليص حصص روسيا وأوكرانيا هي أمريكا التي تصنف ثاني مصدر للقمح عالميا بحصة 14.1% وأول منتج ومصدر للذرة وثاني مصدر لفول الصويا.

ثم يضاف إلى ذلك الآثار السلبية للفخ الأوكراني والحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد الصيني، كون الصين من أكبر مستوردي النفط والغاز والقمح والذرة وفول الصويا، ثم على الدبلوماسية الصينية وما ستسببه عقدة العلاقة مع روسيا من تعقيدات وإشكالات دولية.

هذه قراءة في الاستراتيجية الأمريكية في توظيفها للفخ الأوكراني في حربها الباردة مع الصين، سعيا منها ابتداء لاستنزاف روسيا وتطويقها وعزلها وتحييدها، ومرورا بتخريب العلاقة الصينية الروسية، وانتهاء باحتواء الصين وتحجيمها.

إلا أن استنساخ نسخة معدلة من الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي لحرب أمريكا الباردة ضد الصين لا يعني بالضرورة أن تأتي بالنتائج نفسها، فالوضع الجيوستراتيجي للصين والظرف الدولي والعلاقات الدولية مع الصين والحالة الأمريكية لا توحي بذلك.

ختاما هو الغرب الاسم الآخر للشر والمعنى للهدم الإنساني وموت القيم وتعفن الطباع وفساد الأخلاق وما كانت الصين بأفضل منه بل هي صورة عنه إن لم تكن أشرّ منه، وهذه استراتيجية توحشّه وتغوله، وما أمريكا إلا نموذجه الفاضح، وما كانت استراتيجيته إلا دمارا وخرابا وقتلا وتنكيلا وسفكا للدماء وفسادا وإفسادا وفقراً وإفقارا.

فالغرب الوحش ما رأى في أوكرانيا الغربية جدا إلا مشروع طُعْم وافتراس فقدمها وجبة مسمومة للروس، على إبادة أهلها وخراب عمرانهم وما حركت هذه الوحشية السادية شعرة في مفرق ساسة الغرب المجرمين.

معشر المسلمين: هذا هو الموقف الدولي فإما أن نكون سادته أو فريسته.

معشر المسلمين: ما كان الغرب إلا ورما خبيثا وجب استئصاله، وكفى بخلافة الإسلام العظيم وخليفة المسلمين جَّرَّاحا ماهرا وقائدا ملهما. ونعيد ذلك التحذير الصارم من إحدى تداعيات ذلك الورم الخبيث (لمسلمي تركستان الشرقية والجوار وكافة المسلمين) فمن المتوقع توظيف أمريكا لبعض المسلمين من تركستان الشرقية وإخوانهم في الجوار وجذب آخرين لاستنساخ الجهاد الإيغوري ضد الصين نظير الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي، فالحذر الحذر من أن تكونوا حطبا لنار أعدائكم أمريكا والصين، فأمريكا بكم تسعى لإبقاء هيمنتها والصين تسعى لاستئصالكم.

وللاستراتيجيين من حملة دعوة الإسلام العظيم وللنيرين الغيورين على إسلامهم وأمتهم من أبناء المسلمين: فحرب أمريكا الباردة ضد الصين والفخ الأوكراني هو اجترار لاستراتيجية سالفة وليست إبداعا ولا إنشاء استراتيجيا، ما يكشف عن عطل وشلل في العقل الاستراتيجي الغربي وعن عقم في التخطيط الاستراتيجي، ما ينبئ عن الكارثة الأوسع وهي حجم المأزق الفكري والمعرفي الذي يتخبط فيه الغرب في سقوطه الحر إلى قعر انحطاطه.

كما أن حرب أمريكا الباردة ضد الصين هي مع أعداء وخصوم يشاركونها القواعد والنظم الناظمة للساحة الجيوستراتيجية، فالساحة معلومة وقواعد اللعبة هي هي فلا جديد ولا تحدي، الأمر الذي سيختلف جوهريا مع خلافة الإسلام العظيم، فالقواعد والنظم هي قواعد الإسلام ونظمه ودائرة فعله لا يسيطر عليها الغرب ولا نظامه الدولي، والساحة الجيوستراتيجة بحجم الأمة كلها ومتحررة من ضغط الواقع الذي صنعه الغرب ومتحررة يومها من قيوده، وقبل هذا وبعد هذا فكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا.

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

More from null

Do not be deceived by names, for the essence lies in actions, not lineage

Do not be deceived by names, for the essence lies in actions, not lineage

Every time we are presented with a "new symbol" with Muslim roots or Eastern features, many Muslims cheer, and hopes are built on an illusion called "political representation" in an infidel system that does not recognize Islam as a ruling system, a creed, or a law.

We all remember the overwhelming joy that swept through the feelings of many when Obama won in 2008. He is the son of Kenya, and he has a Muslim father! Here, some imagined that Islam and Muslims had become close to American influence, but Obama was one of the most harmful presidents to Muslims. He destroyed Libya, contributed to the tragedy of Syria, and ignited Afghanistan and Iraq with his planes and soldiers. Rather, he was the blood shedder in Yemen through his tools, and his era was a continuation of a systematic hostility against the nation.

Today, the scene is repeated, but with new names. Zohran Mamdani is celebrated because he is a Muslim, an immigrant, and a young man, as if he is the savior! But only a few look at his political and intellectual positions. This man is a strong supporter of homosexuals, participates in their activities, and considers their deviation a human right!

What a shame that people pin their hopes on this?! Wasn't it a repetition of the same political and intellectual disappointment that the nation has fallen into time and time again?! Yes, because it is captivated by appearance, not essence! Deceived by smiles, and deals with emotion, not creed, with names, not concepts, and with symbols, not principles!

This fascination with appearances and names is the result of the absence of legitimate political awareness, because Islam is not measured by origin, name, or race, but by commitment to the principle of Islam in its entirety; as a system, creed, and law. A Muslim who does not rule by Islam or support it has no value, but rather submits to the infidel capitalist system and justifies infidelity and deviations in the name of "freedom".

Let all Muslims who rejoiced in his victory and thought that he was a seed of good or the beginning of revival know that revival does not come from within systems of disbelief, nor with their tools, nor through their ballot boxes, nor under the ceiling of their constitutions.

Whoever presents himself through the democratic system, swears to respect its laws, then defends and celebrates homosexuality, and calls for what angers God, is not a supporter of Islam or a hope for the nation, but rather a tool for polishing and diluting, and a false representation that does not advance or delay anything.

The so-called political successes in the West for some personalities with Islamic names are nothing but crumbs presented as painkillers to the nation, to be told: Look, change is possible through our systems.

 So what is the reality of this "representation"?

The West does not open the doors of rule to Islam, but only opens them to those who identify with its values and ideas. Anyone who enters their system must accept their constitution and their man-made laws, and renounce the rule of Islam. If he agrees to that, he becomes an acceptable model, but the true Muslim is rejected by them from his roots.

So who is Zohran Mamdani? And why is this illusion being created?

He is a person who carries a Muslim name but adopts a deviant agenda that is completely contrary to the nature of Islam, from supporting homosexuals and promoting what is called their "rights". He is a living example of how the West makes its models: Muslim in name, secular in reality, a servant of the Western liberal agenda, nothing more. Rather, to distract the nation from its true path. Instead of demanding the state of Islam and the Caliphate, it is preoccupied with parliamentary seats and positions in systems of disbelief! Instead of heading to liberate Palestine, it waits for someone to "defend Gaza" from inside the American Congress or the European Parliament!

The truth of the matter is that this is a distortion of the true path of change, which is the establishment of the Rightly Guided Caliphate on the Prophetic method, which raises the banner of Islam, establishes the law of God, and unites the nation behind one Caliph who is fought from behind and feared.

So do not be deceived by names, and do not rejoice in those who belong to you in form and disagree with you in content, for not everyone who bears the name Saeed, Ali, or Zohran is on the path of our Prophet Muhammad ﷺ.

Know that change does not come from within the parliaments of disbelief, but from the armies of the nation that have come to move, and from its conscious youth who work day and night to turn the tables on the West and its aides and its treacherous followers in the lands of Islam and the Muslims.

Muslims will not rise through democratic elections or through Western ballot boxes, but through a real renaissance based on the Islamic creed, by establishing the Rightly Guided Caliphate that restores Islam's status, Muslims' dignity, and shatters the illusions of democracy.

Do not be deceived by names, and do not pin your hopes on individuals in systems of disbelief, but return to your great project: the resumption of Islamic life, for this alone is the path to glory, victory, and empowerment.

The scene is a humiliating repetition of old tragedies: false symbols, loyalty to Western regimes, and deviation from the path of Islam. Everyone who applauds this path is misleading the nation. Return to the Caliphate project, and do not let the enemies of Islam make your leaders and representatives for you. Glory is not in the seats of democracy, but in the saddle of the Caliphate, for which Hizb ut-Tahrir works and warns the nation against this intellectual and political decline. There is no salvation for us except with the state of the Caliphate, which does not allow Muslims to be ruled by those who profess a religion other than Islam, nor by those who justify deviance and perversion, nor by those who legislate for people other than what God has revealed.

Written for the Central Media Office of Hizb ut-Tahrir

Abdul Mahmoud Al-Ameri - Yemen Province

Egypt Between Government Slogans and Bitter Reality: The Full Truth About Poverty and Capitalist Policies

Egypt Between Government Slogans and Bitter Reality

The Full Truth About Poverty and Capitalist Policies

Al-Ahram Gate reported on Tuesday, November 4, 2025, that the Egyptian Prime Minister, in a speech delivered on behalf of the President at the Second World Summit for Social Development in Doha, Qatar, said that Egypt is implementing a comprehensive approach to eliminate poverty in all its forms and dimensions, including "multidimensional poverty."

For years, official speeches in Egypt have rarely been devoid of phrases such as "a comprehensive approach to eliminating poverty" and "the real launch of the Egyptian economy." Officials repeat these slogans at conferences and events, accompanied by glossy images of investment projects, hotels, and resorts. But the reality, as evidenced by international reports, is quite different. Poverty in Egypt remains a deeply rooted, and even worsening, phenomenon, despite repeated government promises of improvement and renaissance.

According to reports by UNICEF, ESCWA, and the World Food Programme for 2024 and 2025, about one in five Egyptians lives in multidimensional poverty, meaning they are deprived of more than one aspect of basic life, such as education, health, housing, work, and services. The data also confirms that more than 49% of families suffer from difficulties in obtaining sufficient food, a shocking figure that reflects the depth of the living crisis.

As for financial poverty, i.e., low income compared to the costs of living, it has risen sharply as a result of successive waves of inflation that have eroded people's wages, efforts, and savings, until a large percentage of Egyptians are below the financial poverty line despite their constant work.

While the government talks about initiatives such as "Takaful and Karama" and "Decent Life," international figures reveal that these programs have not radically changed the structure of poverty, but have been limited to temporary palliatives similar to a drop poured into the desert. The Egyptian countryside, where more than half of the population lives, still suffers from poor services, a lack of decent job opportunities, and dilapidated infrastructure. The ESCWA report confirms that deprivation in the countryside is several times greater than in the cities, which indicates poor distribution of wealth and chronic neglect of the peripheries.

When the Prime Minister thanks the citizen "who has endured with the government the measures of economic reform," he is in fact acknowledging the existence of real suffering resulting from these policies. However, this acknowledgment is not followed by a change in approach, but rather a continuation on the same capitalist path that caused the crisis.

The alleged reform that began in 2016 with the "floatation" program, raising subsidies, and increasing taxes, was not a reform but rather a burdening of the poor with the cost of debts and deficits. At a time when officials are talking about "the launch," huge investments are going to luxury real estate and tourism projects that serve the owners of capital, while millions of young people find no opportunities for work or housing. Indeed, many of these projects, such as the Alam El Roum area in Matrouh, whose investments are estimated at $29 billion, are foreign capitalist partnerships that acquire land and wealth and turn them into a source of profit for investors, not a source of livelihood for the people.

The regime fails not only because it is corrupt, but because it follows a false intellectual basis, which is the capitalist system, which makes money the focus of all state policies. Capitalism is based on absolute freedom of ownership, and allows the accumulation of wealth in the hands of the few who own the means of production, while the many bear the burden of taxes, prices, and public debt.

Therefore, all so-called "social protection programs" are merely an attempt to beautify the brutal face of capitalism, and to prolong the life of an unjust system that takes into account the rich and collects from the poor. Instead of addressing the root of the disease; i.e., the monopoly of wealth and the dependence of the economy on international institutions, it is sufficient to distribute crumbs of cash aid, which do not alleviate poverty or preserve dignity.

Care is not a favor from the ruler to the ruled, but a legitimate duty, and a responsibility for which God will hold him accountable in this world and the hereafter. What is happening today is a deliberate neglect of people's affairs, and an abandonment of the duty of care in favor of conditional loans from the International Monetary Fund and the World Bank.

The state has become an intermediary between the poor and the foreign creditor, imposing taxes, reducing subsidies, and selling public property to cover a swollen deficit created by the capitalist system itself. In all of this, the legitimate concepts that regulate the economy are absent, such as the prohibition of usury, the prevention of the ownership of public wealth by individuals, and the obligation to spend on the people from the treasury of the Muslims.

Islam has presented an integrated economic system that addresses poverty at its roots, not just with cash support or cosmetic projects. This system is based on fixed legitimate foundations, the most prominent of which are:

1- Prohibiting usury and usurious debts that shackle the state and drain its resources. By eliminating usury, the dependence of the economy on international institutions will disappear, and the financial sovereignty of the nation will be restored.

2- Making ownership three types:

Individual ownership: such as houses, shops, and private farms...

Public ownership: includes major wealth such as oil, gas, minerals, and water...

State ownership: such as fay' lands, rikaz, and kharaj...

With this distribution, justice is achieved, as a small group is prevented from monopolizing the nation's resources.

3- Guaranteeing sufficiency for every individual of the people: The state guarantees for every person in its care their basic needs of food, clothing, and housing. If they are unable to work, the treasury must spend on them.

4- Zakat and mandatory spending: Zakat is not a charity, but an obligation, collected by the state and spent in its legitimate channels for the poor, the needy, and the debtors. It is an effective distribution tool that returns money to the cycle of life in society.

Along with stimulating productive work and preventing exploitation, and urging investment of resources in real beneficial projects such as heavy and military industries, not in speculation, luxury real estate and fictitious projects. In addition to adjusting prices with real supply and demand, not with monopoly or floatation.

The Khilafah state on the method of Prophethood is the only one capable of applying these provisions practically, because it is built on the basis of Islamic creed, and its goal is to care for people's affairs, not to collect their money. Under the Khilafah, there is no usury or conditional loans, and no sale of public wealth to foreigners, but resources are managed in a way that achieves the interest of the nation, and the treasury finances health care, education, and public facilities from state resources, kharaj, anfal, and public property.

As for the poor, their basic needs are guaranteed individually, not through temporary charity but as a guaranteed legitimate right. Therefore, fighting poverty in Islam is not a political slogan, but an integrated system of life that establishes justice, prevents injustice, and returns wealth to its people.

Between the official discourse and the lived reality is a huge distance that is not hidden from anyone. While the government boasts of its "giant" projects and the "real launch," millions of Egyptians live below the poverty line, suffering from high prices, unemployment, and a lack of hope. The truth is that this suffering will not disappear as long as Egypt continues on the path of capitalism, surrendering its economy to usurers and submitting to the policies of international institutions.

The crises and problems of Egypt are human problems and not material ones, and they relate to legitimate rulings that show how to deal with them and treat them on the basis of Islam, and the solutions are easier than turning a blind eye, but they need a sincere administration that has a free will that wants to walk in the right path and truly wants good for Egypt and its people, and then this administration must review all the contracts that were previously concluded and that are concluded with all the companies that monopolize the assets of the country and what is of its public ownership, and at the forefront are companies exploring for gas, oil, gold and the rest of the minerals and wealth, and expel all those companies because they are originally colonial companies plundering the wealth of the country, then formulate a new covenant based on enabling people to access the country's wealth and establishing or leasing companies that are based on producing wealth from the sources of oil, gas, gold and other minerals and redistribute these wealth to the people again, then people will be able to cultivate the dead land that the state will enable them to exploit with their right in it, and they will also be able to manufacture what must be manufactured to raise the economy of Egypt and suffice its people, and the state will support them in this way, and all this is not a figment of the imagination or impossible to happen or a project that we present for experimentation that may succeed or fail, but it is legitimate rulings that are necessary and binding on the state and the people, so the state may not give up the wealth of the country that is owned by the people under the pretext of contracts approved and supported by unjust international laws, and it may not prevent people from it, but it must cut off every hand that extends plundering to the wealth of the people, this is what Islam offers and must be implemented, but it is not applied in isolation from the rest of the systems of Islam, but it is only applied through the Rashidun Khilafah state on the method of Prophethood, this state whose concern and call for is carried by Hizb ut-Tahrir and calls on Egypt and its people, people and army, to work with it for its sake, may God write the conquest from Him, so we see it a reality that honors Islam and its people, O God, sooner rather than later.

﴿If the people of the towns had but believed and been righteous, We would have opened for them blessings from heaven and earth.﴾

Written for the Central Media Office of Hizb ut-Tahrir

Saeed Fadl

Member of the Media Office of Hizb ut-Tahrir in the Wilayah of Egypt