في مقابلة بثتها قناة الساحات، يوم الأحد 2025/8/3 فجّر الفريق سلطان السامعي، عضو المجلس السياسي الأعلى في صنعاء، جملة من التصريحات الصادمة، أبرزها اعترافه بأن المجلس السياسي الأعلى مجلس شكلي لا يملك القرار الفعلي، وأنهم عاجزون حتى عن إيقاف فاسد واحد، رغم أن الفساد يُمارَس علناً ويُدار من جهات عليا. وأشار إلى خروج أكثر من 150 مليار دولار من البلد، وتحوّل أشخاص من حفاة إلى
اقرأ المزيد ←
يقول يوفر اولتس، الباحث في معهد سيتا لأبحاث السياسة الخارجية الأمريكية: "والغرب ليسوا في انتظار المعارضة لإعادة هيكلة النظام السياسي أو احتواء الثورة العسكرية، ولكنهم ينتظرون المنتصر وموعد انتصاره، وبينما هم منتظرون فإنّهم يخسرون كل من في سوريا وفي المنطقة". منذ بداية الصراع السوري ونحن نقول بأنّ الغرب هو الذي يقدم المساعدات للأسد، ولكن القليل جداً من كان يصدق ذلك، أما الآن، وبعد مرور ثلاثين شهراُ على ذلك بات واضحاًَ أنَ أمريكا وحلفاءها الغربيين لا يدعمون حكم الأسد الاستبدادي فقط، بل ويأملون أن ينجو الأسد من هذا الصراع الذي طال أمده خدمة لمصالحهم.وقد قال رئيس الوزراء البريطاني (ديفيد كاميرون) للبي بي سي، الشهر الماضي: "إنّ بريطانيا لن تقدم السلاح للمعارضة السورية لأنّ بعض العناصر فيها متطرفة جداً بالنسبة للغرب." وصرح بأنّ الأسد أقوى بكثير من ذي قبل، حيث قال: "أعتقد أنّه -الأسد- قد يكون أقوى مما كان عليه قبل بضعة أشهر. ولكن لا يزال الوضع يوصف بأنَه في حالة من الجمود، وفعلاً، لدينا مشاكل مع جزء من المعارضة المتطرفة ويجب أن لا نتعامل معها". أما عن تقييم أمريكا للوضع في سوريا فإنّه مماثل لتقييم بريطانيا، حيث قال رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة (الجنرال مارتن ديمبسي)، في 18 يوليو/تموز 2013م: "يبدو أنّ المد قد تحول لصالح الأسد في الوقت الراهن". وحتى وكالة الاستخبارات في وزارة الدفاع الأمريكي تراجعت عمّا تنبأت به في وقت سابق بأنّ الأسد سيسقط في وقت مبكر من هذا العام، حيث قال نائب رئيس وكالة استخبارات الدفاع (ديفيد شيد): "ما يقلقني هو أنّ الثورة في سوريا يمكنها الاستمرار لفترة طويلة... فهي تسير إلى طريق مسدود"، فكيف يمكن للأسد الذي كان على وشك السقوط أن يبقى في السلطة لفترة أطول؟ لا يمكن أن يحصل ذلك إلا بدعم من القوى الخارجية، فقد كانت المبادرات السياسية المختلفة مثل خطة كوفي عنان ذات الست نقاط، وخطة الأخضر الإبراهيمي، ومحادثات جنيف مطمعاً متعمداً من الغرب يقصد منه شراء الوقت لصالح الأسد، من أجل وقف سلسلة الهزائم العسكرية التي تحصل على يد الثوار المسلمين، ومحاولة كسب المعركة لصالحه. ولا يمكن للأسد محاولة إنجاز هذا إلا بدعم ضمني من واشنطن، وبإمداد بالسلاح -دون انقطاع- من روسيا، وبوقوف الصين معه في الأمم المتحدة، وبشن إسرائيل غارات جوية مركّزة تمنع الثوار من الاستيلاء على الأسلحة المتطورة، وبدعم عسكري من إيران وحزبها في لبنان. وللتأكيد على مد النظام -من هذه المجموعات من القوى السياسية وعملائها- هذه المساعدات كان على أمريكا الإصرار على عدم التدخل في الصراع، ففي يوليو/تموز 2013م، وصف الجنرال ديمبسي بالتفصيل الخيارات العسكرية التي يتطلب معظمها "مئات من الطائرات والسفن والغواصات والعوامل المساعدة الأخرى"، والتكلفة "في المليارات"، ومرة أخرى كان القصد من وراء مثل هذه التصريحات ليس تخويف الكونغرس الأمريكي والشعب الأمريكي من دعم التدخل فقط، ولكن أيضاُ من أجل السماح للوضع الراهن في سوريا بالاستمرار، خاصة في أعقاب المكاسب الأخيرة التي حققتها قوات الأسد، وقد شجع ذلك الغرب على الامتناع عن تسليح المعارضة السورية الموالية لهم عن طريق فريق الدعم السوري، ففي الأول من أغسطس/آب 2013م، ذكرت صحيفة الديلي تلغراف: "كان الغرب يأمل في فريق الدعم السوري، الذي تأسس في الولايات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2011م، وتوجيه الدعم للعناصر المعتدلة داخل الانتفاضة السورية، وفي مايو من العام الماضي منحت رخصة للخزانة للالتفاف على العقوبات الأمريكية على سوريا، ولكن التبرعات الخاصة جفت بعد أن حذرت وزارة الخارجية الأمريكية فريق الدعم السوري بأنّ أمواله لا يمكن استخدامها في صنع أسلحة". إنّ ما يحفز تعاون هذه القوى الكبرى المتباينة مع الرفقاء من "إسرائيل" وإيران ودول مجلس التعاون الخليجي وحزب الله ويوحدها هو الخوف الجماعي من عودة الخلافة على أيدي الثوار المخلصين في سوريا. فتصريح قائد جبهة النصرة مؤخراً بأنّ جماعته تعمل لإقامة الخلافة الإسلامية في سوريا توحد كاميرون وأوباما وبوتين ونتنياهو وأتباعهم في طهران وعواصم دول الخليج. وفي الواقع فإنّ ما يحدث في سوريا اليوم هو صراع أخذ صبغة الحرب العالمية ضد المسلمين قليلي العتاد! ولكن أمريكا وحلفاءها فشلوا في القضاء على هذه الثورة، حتى بعد ثلاثين شهراً من شن معارك ضارية، ولكنهم يوارون فشلهم هذا بالقول بأنّ حالة الجمود هي سيدة الموقف على أرض سوريا. إنّ ما كان مثبطاً للأمة الإسلامية هو الصورة المرسومة بأنّ المسلمين هم أضعف من أن يصمدوا أمام أمريكا، إلا أنّ الصراع في سوريا أثبت عكس ذلك تماماً، وعندما يُذكر الفشل الأمريكي في العراق وأفغانستان فإنّ مثل هذا الادّعاء يتبدد، ويكشف عن الموقف الانهزامي لحكام العالم الإسلامي العملاء أمام الغرب، الذين يدّعون بأنّهم لا يستطيعون الوقوف في وجه أمريكا. لقد أصبحت الجماهير الإسلامية أكثر جرأة في المطالبة بالإسلام السياسي، سواء كان ذلك من خلال العصيان المدني وصناديق الاقتراع أم من خلال حمل السلاح، ولن تكون مفاجأة إذا كانت سوريا هي حجر الدومينو الأول الذي سيوصل إلى قيام دولة الخلافة، والصدمة الحقيقية ستكون فشل القوى العالمية -مع استخدامها المكر السياسي والقوة العسكرية- من منع حدوث ذلك في المقام الأول. عابد مصطفى
لقد أصبح الخطر الذي يواجهه الأطفال في المدارس كبيرا لدرجة دفعت المعلمين الآن لحمل الأسلحة في المدارس. وقد جاء قرار تسليح المعلمين هذا كرد فعل لذلك الحدث الفاجع من صباح يوم الجمعة الرابع عشر من شهر كانون الأول 2012 عندما اقتحم (آدم لانزا) مدرسة ساندي هوك الابتدائية في ولاية كونكتيكت في أمريكا، وفتح النار دون أدنى شعور بتأنيب للضمير، فطارد وقتل عشرين طفلا صغيرا تتراوح أعمارهم ما بين الخمس والعشر سنوات. وقد كانت ضحيته الأولى في ذلك اليوم أمه التي قتلها بطلقة في وجهها ثم قاد سيارتها متوجها إلى المدرسة التي كان هو نفسه أحد طلابها يوما، ليقتل عشرين طفلا إضافة لستة من المعلمين قبل أن ينتهي به المطاف إلى قتل نفسه. وفي اليوم التالي، صرح الرئيس الأمريكي أوباما معترفا: "لقد عانت أمتنا في السنوات الأخيرة وكابدت عددا كبيرا جدا من هذه المآسي والمصائب". وفي الواقع، فقد أصبح القتل الجماعي في الولايات المتحدة حدثا طبيعيا. فقبل خمسة أشهر من مجزرة مدرسة ساندي هوك هذه، اندفع (جيمس هولمز) مقتحما سينما مكتظة بالناس في أورورا كولورادو وذلك أثناء الفحص النهائي لفيلم "باتمان" الجديد. ومرتديا ملابس كتلك التي ترتديها شخصيات الفيلم فقام بإطلاق النار ليقتل 12 شخصا على نحو عشوائي. وقبل ذلك بثلاثة أشهر، فتح طالب سابق في جامعة أويكوس في كاليفورنيا النار في الجامعة ليتسبب بمقتل سبعة أشخاص، وحوالي شهرين قبل هذه الحادثة أيضا قام تلميذ سابق في ثانوية شاردون في أوهايو بفتح النار على الطلبة منتقيا إياهم بشكل عشوائي فقتل ثلاثة وجرح ستة آخرين. إن القتل الجماعي في الولايات المتحدة مستمر في الحدوث، وحتى لحظة كتابة هذا التقرير، تم ترتيب جنازات ست من ضحايا جرائم القتل العشوائي يسكنون في مبنى سكني في هياليه، ميامي، وقد قتلوا جميعا دون سبب واضح ظاهر. إن الوتيرة المتكررة لحوادث القتل هذه، وكذلك حصيلة القتلى فيها في كل مرة، هي في الولايات المتحدة أعلى بكثير منها في غيرها من الدول الغربية الأخرى، لكن هذا الأمر مرتبط بسهولة حصول الأمريكيين على الأسلحة الأوتوماتيكية وسهولة اقتنائها أكثر من كونه مرتبطا بمدى العزلة والغضب اللذين يشعر بهما أولئك القتلة. وعلى سبيل المثال، فخلال الشهر الفائت، في تموز 2013، تم الإبلاغ عن حالتي طعن في إنجلترا (في مدينتي شيبلي وبريكستون)، وكلتا الحالتين وقعتا دون سبب واضح ظاهر وأسفرتا عن مقتل شخص واحد على الأقل. وفي الشهر ذاته، تمت إدانة (دانييل واتكينز) وحكم عليه بعشرين سنة سجن وذلك "لطعنه اثنين من الغرباء في هجوم عشوائي". وفي حين أن القتل يحدث في جميع أنحاء العالم، وأن القتل أمر قديم قِدم التاريخ البشري، إلا أن الحضارة الغربية تعاني من ظاهرة القتل بلا دافع ولا سبب، وعلى المرء أن يتساءل عن السبب؟. والجواب واضح وهو أن الفكر الغربي هو فكر خاوٍ أجوف من الداخل بل وفاشل في توفير الطمأنينة والقيم العليا السامية. وإن المجتمعات المتشكلة والقائمة على أساس المفاهيم الغربية تصرف الدين بعيدا عن الحياة الاجتماعية تاركة كثير من الناس في حالة من الشعور بالضياع. ومع مرور السنين تتناقص أعداد دور العبادة في حين تكثر وتنتشر أماكن الترفيه وممارسة الهوايات، فرحلات الاستجمام، والإجازات والعطل، والممتلكات المادية وكذا الملذات تتنافس جميعا على ملء الفراغ. وبالنسبة للكثيرين، فإن الحياة كرنفال عقيم من التيه والتخبط بين الموضة والأفلام والخيال وذلك في بحث مستمر عن معنى للوجود: وللبعض فإن الإحباط والفشل قد تجاوز كل الحدود. د. عبد الله روبين
مما لا شك فيه أن هناك حالة انقسام واضحة في الشارع المصري، فهو يكاد ينقسم إلى فريقين، الفريق الأول، فريق رحّب بحركة الجيش المصري التي قادها الفريق السيسي وزير الدفاع، ويرفض تسميتها بالانقلاب، ويصر على أنها حركة تصحيحية لمسار الثورة، وأن الجيش ما كان يمكن أن يُقدم على هذه الخطوة لولا أنه رأى حركة الشارع القوية ضد حكم الدكتور محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، والفريق الثاني، فريق يصف ما حدث بأنه انقلاب على الشرعية، قام بها الفريق السيسي بدعم أمريكي واضح، وأن هذه الحركة تشكل رِدَّةً كبيرة على ثورة الخامس والعشرين من يناير، التي قامت ضد الحكم الفاسد والظالم، الذي جثم على صدورنا في مصر لعقود طويلة، وهذا الانقسام ليس بالأمر المستغرب والعجيب، فلكل أسبابه وتصوراته وقراءته الخاصة للمشهد السياسي في مصر. لكن العجيب الغريب أمران لا بد من الحديث عنهما. الأمر الأول: هو حالة العداء الشديد لكل ما هو إسلامي من الطرف الأول، والذي ساهم فيه بشكل كبير تلك الآلة الإعلامية الشيطانية التي يمتلكها ويُسيطر عليها قادة العلمانية في مصر، والتي صورت الأمر وكأنه صراع ضد الإسلام السياسي ومشروعه في مصر، فقاموا بتخويف الناس من الإسلام، ومن المشروع الإسلامي، فأوهموا الناس أنه هو من كان يحكم طوال العام الماضي، وأنه هو الذي فشل ولم يكن قادرًا على سياسة شئون الناس، بل أدخلهم في أزمات من ورائها أزمات، وهذا قلب للحقائق وافتراء على الإسلام! فلم يكن للمشروع الإسلامي أي وجود في السلطة، صحيح أنه كان هناك من يسمون بالإسلاميين على رأس السلطة، ولكنهم لم يطبقوا إسلاما حتى يقال أن المشروع الإسلامي فشل، أو حتى يُستعدى الإسلام بهذا الشكل الممجوج. ولذا فنحن نتوجه بالنصح لهذا الفريق الذي غرر به هذا الإعلام الشيطاني الكاذب، والذي ما زال مستمرا في حملته المسعورة ضد كل ما هو إسلامي، ننصحهم ألا ينساقوا وراء هؤلاء المضللين الذي لا يعملون لصالح الأمة، بل تحركهم أهواؤهم ومصالحهم الخاصة، وينفذون أجندة خبيثة لصرف الناس عن الإسلام ومشروعه السياسي الممثل في دولة الخلافة، يقف وراءهم الغرب الكافر بقضه وقضيضه ليمنع قيام دولة الخلافة التي تلقى على يديها ضربات موجعة لا يمكن أن ينساها. فوالله الذي لا إله إلا هو إنها لنصيحة مخلصة لكم، ونحن نعلم أنكم مسلمون تحبون الإسلام، وتريدون أن تروه عزيزا قويا ممكنا له في دولة عزيزة قوية لها مكانتها وكلمتها بين الدول الكبرى، بل تطمحون أن تكون هي الدولة الأولى في العالم تقود البشرية لما فيه سعادتها وخيرها. فلا تنساقوا وراء من يريد أن يجعل منكم عَقبات في طريق عزتكم بالإسلام الذي نريد جميعا أن نمكِّن له، لا لفريق بعينه ولا لفصيل معين. فنحن نعلم أنكم أيضا متشوقون لدولة العدل التي تحفظ كرامتنا وتصون أعراضنا، وتنمي ثرواتنا، وتبني صرح عزتنا وهيبتنا بين الشعوب والأمم، وهذا لن يكون إلا في ظل خلافة على منهاج النبوة، ولا يمكن أن يكون بحال من الأحوال في ظل نظام جمهوري ذُقنا خلال ستين عاما من حكمه، ألوان الهوان والذل والتبعية، نظام يقوم على ديمقراطية علمانية عفنة، أزكمت رائحتها الأنوف، وحان وقت قلعها من بلاد المسلمين والعودة لنظام الخلافة، الذي ارتضاه لنا رب العالمين، والذي عشنا في ظله ما يزيد على ثلاثة عشر قرنا، كنا وكانت دولتنا تلك، زهرة الدنيا المتفتحة ومنارة الحضارة التي شع نورها على العالمين، ولكننا وهِنَّا وضعفنا وأصبحنا في ذيل الأمم، يوم أن هدمت دولة الخلافة على يد مجرم هذا العصر مصطفى كمال الملقب بأتاتورك، عليه لعنة الله. نحن نريد منكم أن تثقوا في الله وفي إسلامكم، وتَدَعوا أبواق الباطل تنعق بما لا تسمع، وتقولوا لهم، لقد سئمنا منكم ومن باطلكم، إننا نريد أن نحيا أعزة في ظل نظام الإسلام الذي سيخرج العباد من عبادة العباد والديمقراطية الرأسمالية، إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان والمبادئ الساقطة إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا وضنكها إلى سعة الدنيا والآخرة. أما الأمر الثاني: فهو أشد غرابة وعجبا، وهو حالة الدفاع المستميت عن ما يسمى بالشرعية، والذي يرفع لواءه الفريق الثاني الذي كان من المفترض أن يثور ويغضب غضبا شديدا كهذا الغضب للشرعية الديمقراطية، من أجل عدم تطبيق شرع الله طوال مدة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، بل كنا نريده أن ينتفض ويغضب، وتكون غضبته تلك دافعا له للعمل من أجل تطبيق شرع الله، بعد أن فشلنا فشلا ذريعا في تطبيق حكمٍ واحدٍ من أحكام الشريعة طوال الفترة السابقة. وكان الأجدر بهم ألا يستحيوا من رفع شعارات إسلامية رأيناها في بداية حركتهم ضد الانقلاب، ثم ما لبثت أن اختفت رويدا رويدا، ورفع بدلا منها لواء الديمقراطية التي لم تجدنا نفعا، بل انقلب عليها مُدعوها، وقاموا بتحطيمها تحت غطاء شرعية جديدة أطلقوا عليها الشرعية الشعبية. إنها أيضا نصيحة مخلصة لهذا الفريق، الذي نرى فيه خيرا كثيرا، وحبا عميقا لشرع الله ودولته الخلافة، أن التفوا حول المشروع الإسلامي الحقيقي المتمثل في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. فأنتم تعلمون أن رسولكم الكريم قد بشر بها في الحديث الذي تحفظونه جيدا: (...ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، وتقرأون وعد ربكم لكم بالاستخلاف والتمكين والنصر والأمن، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لايُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[النور:55]، فلترفعوا لواء الخلافة عاليا خفاقا، ولتنبذوا راية سايكس بيكو تلك التي ما أورثتنا إلا ذلا وبعدا عن منهج الله، ولتعلموا أن لإقامة هذه الدولة طريقًا واحدًا خطه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، برفض أخذ الحكم منقوصًا، أو المشاركة في نظام فاسد مخالف للإسلام، بل الصبر حتى تكتمل النصرة، بالعمل الدءوب في الأمة لإيجاد رأي عام فيها منبثق عن وعي عام على وجوب تطبيق شرع الله كاملاً في دولة الخلافة، وهذا يكون بالصراع الفكري وطرح أفكار الإسلام قويةً متحديةً لتَصْرَع أفكار الكفر، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بالتمييع والمسايرة لها، ويكون أيضاً بالكفاح السياسي وكشف الخطط والمؤامرات على الإسلام والمسلمين، كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل، وليس بالمداهنة والمسايرة للطواغيت وعملاء الغرب الكافر في بلادنا من السياسيين والإعلاميين ومدعي الفكر، فبهذا يوجد رأي عام للخلافة والشريعة، فينحاز أهل النصرة المخلصون في الجيش لها، فهو الذي يملك القوة بحق. هذا ما يجب علينا جميعا أن نقوم به، ونكون جنودا يستعملنا الله للتمكين لدينه ورفعته، لا أن نطالب بالعودة إلى ديمقراطية مزعومة فاسدة لن تسمح للإسلام بالتمكين، فهي والإسلام ضدان لا يمكن أن يجتمعا في دولة واحدة. فلنلفظها جميعا، ونلفظ من ينادي بها نظاما حاكما لنا، ولنكن بحق حملة دعوة الخير للأمة وللعالمين جميعا. هذه نصيحتنا وهي نصيحة مخلصة لا نريد بها جزاءً ولا شكورا، بل نقولها استجابة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم، (الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُول اللهِ؟ قَالَ: للهِ، ولكتابه، ولِرَسُوْلِهِ، وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ، وَعَامَّتِهِمْ). ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)) شريف زايد رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير ولاية مصر
التغيير لغة من غيَّر الشيء أي حوَّله، وجعله غير ما كان في قوله تعالى: { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } الرعد:11، والتغيير لا يربط بالتحول من السيء إلى الحسن، بل قد يكون العكس، فأي تحول أو جعل السيء على غير ما كان هو تغيير. أما الإصلاح لغة فهو: من أصلح ضد أفسد، فالإصلاح ضد الإفساد، وقد وردت مادة أصلح في القرآن الكريم في قوله تعالى:{ وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} (الأعراف:142) وقوله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} (الأعراف:56). فهذه المواضع وغيرها تبين أن الإصلاح لا يكون إلا تحسينا لوضع فاسد، وتغييرا إلى الحسن دائما بخلاف التغيير, وبهذا يمكن أن نحدد الإصلاح اصطلاحا بأنه كل تغيير إلى الأحسن. إن طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في الحكم طريقة انقلابية, يعني أن تطبق الأحكام دفعة واحدة، بصورة شاملة لجميع نواحي الحياة. وبعبارة أخرى ترفع نظاماً فاسداً وتضع بدله نظامها الصحيح، ولا ترى الترقيع في الإصلاح إلا تعويقاً للإصلاح, وليس التدرج من الطريقة الإسلامية، لا في التشريع ولا في التوجيه، فإذا حرّم الإسلام شيئاً أو أوجبه، فإنّما يحرمه أو يوجبه دفعةً واحدةً، أي تحريماً وإيجابا انقلابياً. ولما أنْ تَخلَّفت الأُمَّة الإسلاميَّة بِبُعدها عن مصدر سعادَتِها، ومنبع هدايتها وعزها، وقَع عليها مِن ألوان الذُّل ما وقع, فالمتأمِّل إلى الواقع المعاصر للعالَمِ الإسلاميِّ والعربي، يرى بِوُضوحٍ أنَّ كل"الحكومات" و"الأنظمة" و"الأحزاب" التي تَحْكم شعوبَه إنَّما هي أنظمة مُوالِيَةٌ للغَرْب وتدين بالعلمانيَّة، وهي تستمدُّ قوَّتَها في إنشاء القوانين والدساتير منها. إنَّ الذي وقع على أرض تُونُس وغيرها لَهُو أمر حَتْم، لأنَّ تاريخ العالَمِ الإسلاميِّ والعربي مُشْرقٌ، فحضارتنا الإسلاميَّة إنَّما قامت على الإسلامُ ببعثة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. إن الطَّريق إلى الإصلاح والتغيير لا يتم إلا بناء على فكرة سياسية واضحة مستمدة من المبدأ الذي تدين به الأمة, فإن طرأ خلل في الفهم فيمكن إصلاحه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأما إن كان الأصل مخالفا لأمر الله ونهيه فلا يسمى ترقيعه إصلاحا لفساد أصله, فأي حزب أو حركة تدعو أو تعمل للإصلاح والتغيير فاشلة إن جعلت الديمقراطية أساسا أو مصدرا. إن الأَمْر لا يترك فضاءً للعابِثين والمتسلِّقين على أكتاف الحقِّ؛ ليصلوا به إلى أطماعهم وغاياتِهم الرَّخيصة عبر شعار (الإسلام هو الحل)، وإنَّ ما نراه في البلاد الثائرة أن هذه الثورات تتقاذفها أمواج مصالح الكافر المتضاربة والمتقاطعة والتي لا تنتج إلا الفوضى, والعداء للإسلام عبر الصورة السيئة التي يعطيها من ركب الإسلام عن الإسلام, أو يقال بأن الإسلام السياسي قد فشل وأنه لا يصلح, وهذا ينذر بأن تعود الأمور كما كانت أو أسوأ، ولكن بثوبٍ آخَر، ووَجْه آخر. إنَّ هذه الثَّورة لن تعود بفائدةٍ تُذْكَر، ولا تغيير مؤثِّر، في حياة النَّاس وواقعِهم إذا فقدت الثورة بوصلتها أو اختار أصحاب هذه الثورات أن يَحْملوا معهم مناهِجَ وتصوُّراتٍ بشريَّةً مهجنة تزاوج بين الإسلام والعلمانية، وهذا يجعل الأُمَّة تدور في دوَّامة مفرغة وخاوية، ليس لَها من دون الله كاشِفَة. إن المستفيد الأوَّل من هذا كلِّه هو العالَمُ الغرْبِيُّ واليهود الصَّهاينة، نعَم هم من سيَجْني ثَمرة هذه الثَّورة بِخَلْق عُمَلاء آخَرين، وسياسات عربيَّة أخرى تُذْعِن لَهم وتعطيهم بعض الذي مُنِعوا مِمَّن سبقها، وكذلك الاستفادة الْمُرَّة من فوضى تعمُّ العالَم الإسلاميَّ لا يَحْكمها ضابِطٌ ولا منهجٌ ولا فكرة سياسة، وكما يُقال عندهم: "فوضى خلاَّقة". جواد عبد المحسن
في منطقتنا، أرض الإسلام، عاشت امرأة مسلمة كان يدعوها الصغار والكبار، المسلمون وغير المسلمين، على حد سواء، بكل حب بكنية "أم الثنائي" أو "باي أما". وإذا سألت كبار السن إن كانوا يعرفون من هي 'باي أما'، سوف تتلقى الرد: "نعم، كنا نسمي أم شوكت علي ومحمد علي باسم "باي أما". إذن لقد كانت هي أم قادة حركة الخلافة.. كانت عبادي بانو بيغوم من سكان رامبور، في أتر براديش، ولدت في عام 1852، وهي من الجيل الذي ورث ألف سنة من حكم المسلمين في شبه القارة الهندية، والذي توقف بسبب الاحتلال البريطاني الذي بدأ في عام 1757. وفي عام 1857 عندما ثار المسلمون ضد الحكم البريطاني غير القانوني، كانت "باي أما" تبلغ فقط خمس سنوات من العمر. ولهذا السبب لم تحصل على التعليم الجيد في المدرسة والكلية، ولكنها كانت لها ثقافة إسلامية عالية مع الخلق العفيف، والذي هو أفضل من جميع المعارف. وكانت تملك الحب الكبير لله ورسوله (صلى الله عليه وسلم). وكانت دائماً على استعداد للتضحية بحياتها وكل شيء من أجل قضية الإسلام. وقد تمسكت بالإسلام. وكانت تكن الاحترام للكبار وشعارها في الحياة هو: "الحياة البسيطة والتفكير العالي". تزوجت من عبد العلي خان الذي كان مسؤولاً كبيراً في دولة رامبور. كان لديها ابنة واحدة وأربعة أبناء هم مولانا شوكت علي ومولانا محمد علي جوهر. ونوازش علي وذو الفقار علي. توفي ابنها الأكبر، نوازش وهو طفل. وأمد الله في عمر الثلاثة الآخرين. وفي طفولتهم المبكرة توفي والدهم فأصبحت "باي أما" أرملة وهي ما تزال في سن الثلاثين. ووقعت مسؤولية تنشئة وتعليم هؤلاء الأطفال على عاتقها وحدها. فكانت لهم نعم الأم والأب، ونعم المربي والمعلم. عندما توفي ابنها البكر، جاء الناس لمواساتها وتعزيتها في مصيبتها. فوجدوها مثالا للصبر والثبات عند المأساة يحتذى به. حيث قالت لهم بلسان الصابرة المحتسبة: "يجب علينا أن نسلم لإرادة الله، إن الله على كل شيء قدير. كل ما وهبنا إياه الله فإنه لديه القدرة على أخذه متى يشاء، إن حياتنا ومماتنا بيده وحده". وعندما ذهبت باي أما إلى الحج أمسكت بكسوة الكعبة ودعت قائلة: "اللهم لقد كبر أولادي بفضلك، أتوسل إليك أن تجعلهم مسلمين حقا". على الرغم من أنها لم يكن لديها أي نوع من التعليم الرسمي، فقد كانت على قناعة تامة من مزايا الحصول على التعليم للمسلمين في شبه القارة الهندو باكستانية. تلقى أبناؤها التعليم في عليكرة وأكسفورد، حيث رهنت مجوهراتها لدفع ثمن تعليمهم. من أبنائها الأحياء الثلاثة، اشتهر اثنان شهرة كبيرة. الابن الأصغر، محمد علي، اكتسب صفات استثنائية من الذكاء والعاطفة. كان شجاعا للغاية ويكن له الناس الاحترام. اعترف العالم كله بتفوقه وإنجازاته. وحول هذا الموضوع، أذكر حوارا واحدا مثيرا للاهتمام وذلك عندما أثنى أحد الرجال على مولانا محمد علي في وجود والدته وقال: "إنه جهدك الذي لم يعرف الكلل، والرعاية والحنونة منك هما اللذان شكلا مولانا محمد علي ليبلغ هذه المكانة المميزة والقدرة العالية. فأجابته باي أما:" أنت مخطئ. والحقيقة هي أن كل هذا هو نتيجة نعمة الله علينا. الله يعز من يشاء ويذل من يشاء". تحت الاحتلال البريطاني، أصبح بعض المسلمين مطبوعين بالحياة الغربية. فخاطبت باي أما هؤلاء وحذرتهم قائلة: "يا أهل بلدي! تخلوا عن طريقة حياة هؤلاء الأجانب. اتبعوا الطريقة التقليدية لحياة أسلافكم. لا تخدموا هؤلاء الأجانب، ولا تقبلوا تكريماً منهم لأن هؤلاء الناس هم ماكرون جدا ومحتالون." وخلال دورات رابطة المسلمين في الهند في عام 1917، وفي سن الـ 62، ألقت كلمة مؤثرة وقوية قد تركت تأثيرا دائما على المسلمين. وبفضل الله، ثم باقتفاء مثالها النبيل، فقد أصبح مولانا شوكت علي ومولانا محمد علي مثالا للمسلمين الحقيقيين الذين لم يستسلموا إلا لله وكانوا يخشون الله وحده. كلا الأخوين قاتلا ضد البريطانيين طوال حياتهما، وعملا على منع البريطانيين من تدمير الخلافة. عندما اعتقلهما الإنجليز وسجنوهما، كانت تغمر باي أما الحماسة. وعندما كانت تذهب إلى السجن تقول لأبنائها: "يا أبنائي! اعتصما بالإسلام بكل قوتكما وإن ضحيتما بحياتكما في سبيل الإسلام". وبينما ابناها كانا لا يزالان في السجن كانت هذه الأم الجريئة والجليلة تُبقي الحماس حياً في حركة الخلافة. وقامت بجولات في البلاد، موجهة الكلمات في التجمعات الكبيرة للناس الذين توافدوا للاستماع لها وحثهم على اتباع خطى ابنيها في كفاحهما من أجل الوحدة وأخوة الأمة الإسلامية. وأخذت مكان ابنيها اللامعين في شعبيتهما وقيادتهما وأصبحت المقولة الشهيرة ("وقالت والدة محمد علي، هب حياتك للخلافة يا بني") تتردد في كل منزل، وكان يتغنى بها في كل زاوية وركن من شبه القارة من قبل جميع قطاعات الشعب بغض النظر عن الطائفة أو العقيدة. بعد إلغاء الخلافة في مارس 1924، لم تبق باي أما على قيد الحياة لفترة طويلة حيث توفيت في 13 نوفمبر 1924. وكانت وفاتها خسارة كبيرة للأمة، ولكن النساء المسلمات اللاتي خرجن للعمل مع باي أما أصبحت لهن قوة سياسية يحسب لها حساب. وكانت أنشطتهن تمهيداً لازما لمشاركتهن الفعالة في النضال من أجل تأسيس باكستان باسم الإسلام. ومن إرثهن ولد جيل النساء العظيمات اليوم، اللاتي يرضعن أطفالهم حب الإسلام منذ نعومة أظفارهم، ويدفعون مسلمي اليوم للمطالبة بالشريعة قانوناً لباكستان والدعوة علنًا وعلى نطاق واسع لعودة الخلافة. كانت هذه باي أما، والدة اثنين من أبناء الهند اللامعين، مولانا شوكت علي ومولانا محمد علي جوهر. نسأل الله لهم جميعا واسع المغفرة والرحمة.. الكاتب: مصعب بن عمير
ترنو قلوب الملايين من المسلمين في سوريا وخارجها إلى تلك اللحظة التي يتحطم فيها الطاغية ونظامه، تلك اللحظة التي تعلن فيها نهاية حقبة وبداية أخرى، وهي من الأهمية ليس فقط من زاوية إنهاء القتل والتدمير الذي يتعرض له الشعب السوري من النظام المجرم، بل ومن أجل تأسيس نظام جديد لا ظلم فيه بعد اليوم. وهنا يعود السؤال: متى يكون النصر؟ ويكاد يجزم الجميع بأن لحظة تحققه من الناحية الزمنية هي من الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله، ولكن هناك من المفاهيم الراسخة المتعلقة بالنصر والتي لا بد من وعيها أثناء السير لتحقيقه. لقد وقفت أمم كثيرة عبر التاريخ كما تقف الأمة في سوريا اليوم بانتظار النصر، وقد ناضلت جماعات كثيرة أيضاً في أمم متعددة من أجل الوصول إلى النصر لتحقيق ما رأته عدلاً ضد ظلم وحقاً ضد باطل. والوصول إلى تلك اللحظة المجيدة هو هدف سعت إليه أمم وجماعات وقدمت في سبيله المهج والأرواح في الأمة الاسلامية وخارجها، فما هي السبيل إلى تحقيق النصر؟ وهل يمكن تلمس الطريق الموصلة إليه؟ وهل من خصوصية للمسلمين في موضوع النصر؟ إن من أهم عوامل تحقيق النصر هو اليقين به. وهذا له وجهان: الأول: أن الوضع القائم يستحيل الاستمرار به، والثاني: أن الوضع البديل قادم لا محالة. فإذا توفر هذان الجانبان من القناعة الراسخة فقد وضعت الأمة على طريق النصر، وإن كان ذلك ليس كافياً لتحقيقه. وقبل الاستمرار في الشروط الأخرى للنصر، لا بد من الوعي بأن النصر تحققه أمة ضد أمة أو جهة داخل الأمة ضد جهة أخرى، فهناك منتصر ومنهزم وغالب ومغلوب. ولا شك أن المنهزم أو المغلوب وقبل أن تحصل له الهزيمة فإنه يعمل جاهداً لمنعها. وعلى صعيد القناعة بالنصر، أي باستحالة الاستمرار بالوضع القائم والإيمان بالبديل فإن الطرف الذي يتعرض وضعه للاهتزاز يحاول دائماً وبأقصى طاقة يملكها وبتجنيد ما أمكن من عملاء الداخل والخارج لضرب قناعة الطرف الثائر سابقة الذكر. وفي سوريا نرى أن النظام يتحدث عن إصلاحات ويطرح مبادرات للحوار والتغيير، وإذا كنا نجزم بأن كل ذلك هو طروحات شكلية من أجل ضرب قناعة الناس والثوار وحتى يزرع قناعة جديدة بأن الوضع القائم قابل للإصلاح ولا داعي للاستمرار في الثورة، وإذا كان الثوار يأملون بتحقيق النصر وأن المسلمين عموماً يناصرون الثورة فقد عمد النظام إلى التشكيك في ذلك عبر استمرار وضعه لبعض "المسلمين" في مناصب رفيعة من الدولة التي تهتز كالحلقي والشرع وغيرهم، وزاد على ذلك بعلماء السوء من المسلمين الذين يعلنون تأييدهم له ودعوتهم للجهاد معه، وذلك من أجل إلباس الأمور على شريحة من الناس لتنفك عن الثورة بعد أن تهتز قناعتها بالنصر. وإذا كنا نجزم بأن الثورة في سوريا قد أثبتت وعياً منقطع النظير، وأن كل هذه العقبات التي وضعها النظام لم تضعف حماسة الثائرين وظلوا يبصرون طريقهم بشكل واضح. إلا أن مسألة في غاية الأهمية لا بد من إدراكها، وهي تصور البديل للوضع القائم. فإذا كانت دولة بشار الأسد دولة مدنية بامتياز، أي أنها ترفض الإسلام جملة وتفصيلاً فما جدوى المناداة بالدولة المدنية بديلاً عن دولة الأسد؟ وما الفرق بين الدولتين إذن؟ وهل تحقق الدولة المدنية الثانية العدل وتقضي على الظلم؟ وهنا لنتذكر بأن بسطاء التونسيين قد هللوا لدولة بن علي بعد الحبيب بورقيبة، وقد روج لها على أنها دولة العدل مع أن بن علي كان وزير داخلية بورقيبة، وفعلاً لمس التونسيون التغيير لمدة لم تزد عن عامين، ثم عادت دولة دكتاتورية أكثر عمقاً من دولة بورقيبة! فهل كان في تغيير الوجوه من جدوى رغم الترويج لذلك؟ وكان أهل تونس من المبادرين إلى ثورات الربيع العربي ليقضوا على حكم بن علي، لكن لم يكن البديل واضحاً بشكل جماهيري، فصوت الناس في الانتخابات التي تلت هروب بن علي لحركات لا تحمل مشروعاً حقيقياً بديلاً للحكم السابق، ونجحت حركات إسلامية بالاسم في تونس كما في مصر، وها نحن نشاهد ثورة أخرى ضد هذا الحكم لأن الناس لم تجد مشروعاً بديلاً ولا تغييراً حقيقياً في الحكم. وفي سوريا ولأن الثورة كشفت عن وجه جديد في الثورات العربية وكشفت عن مشروع إسلامي كبير لبناء سوريا نواةً للدولة الإسلامية الكبرى "دولة الخلافة" فقد شاركت الأسد قوى دولية متعددة لضرب هذه القناعة في الثورة السورية، وأخذت أوروبا المعادية للأسد وأمريكا وروسيا الداعمة له ترجف على الأقليات غير الإسلامية في سوريا، وتصف نظام الإسلام على أنه عدو لهذه الأقليات وطارد لها من سوريا، وموجدة مبرر للتدخل بل وفرض الحوار حتى يبقى المجرم واقفاً صامداً ممثلاً للأقليات على الأقل في الطروحات الغربية. وإذا كنا نعلم كيدهم ونجزم بأن هذه الدول الكافرة المستعمرة إنما تريد النفوذ وضرب المشروع الإسلامي الخطير على نفوذها، إلا أن مفاهيمنا الإسلامية يجب أن تكون واضحة وضوح الشمس بأن الأقليات التي عاشت قروناً متمتعةً بعدل الإسلام ستعيش بحال أفضل من حالها اليوم في ظل الخلافة القادمة؟ وهذا يقودنا إلى مسألتين: أولهما أن طرح الدولة المدنية يضعف عزيمة الثورة والثوار لأن الفرق بين الدولة المدنية التي يراد تغييرها والدولة المدنية الثانية التي يراد بناؤها فرق صغير، ويكاد يتمثل في تغيير الأشخاص فقط ولا يتطرق إلى تغيير الأنظمة كما حصل في مصر وتونس واليمن، وهو الأمر الذي لم يكن يستحق تلك التضحيات الجسام التي قدمتها الأمة في سوريا. والمسألة الثانية: أن نظام الإسلام أي دولة الخلافة يجب أن تكون متصورة في الذهن وأحكامها وشكلها واضحة في العقل وسياستها الإسلامية ليست مبهمة المعالم، وعظمة أهدافها الشرعية متصورة في أذهان الثوار والناس بشكل يثير الأحاسيس ويوقد المشاعر ويدفق بالحماس لبنائها وللإسراع في ذلك، فهي ليست دولة تترصد للناس لكشف مخالفاتهم الشرعية وجلد ظهورهم عليها، فهي أكبر وأعظم من أن تصور هكذا، فهي دولة تجوب الأرض تنشر فيها عدل السماء وتحمل دين الله بديلاً للاستعمار ومص خيرات الأمم وبديلاً للإيدز والإنتحار وبديلاً للأزمات المالية التي تعاني منها الرأسمالية وتأكل بها وعن طريقها خيرات شعوبها وتضعها في جيوب حفنة من الرأسماليين. وتصور البديل الإسلامي "دولة الخلافة" شكلاً ومضموناً هو الذي يوقد شعلةً لا تنطفئ من وجوب التغيير ودفع النظام المدني الظالم الجائر واستبداله بشكل انقلابي بدولة أساسها وسياستها من تعاليم ربها. وإذا كنا نجزم بأن قناعة راسخة لدى الناس والثوار قد تشكلت بشكل يقيني في سوريا بوجوب تغيير النظام القائم، إلا أن اكتساح الشارع والثورة بالإسلام وترسيخ المطالبة بدولة الخلافة بديلاً أوحداً للنظام القائم من شأنه إشعال المزيد من مشاعل النصر وطمس المعالم العلمانية التي يسهر عليها الغرب والنظام وعملاء لهما يظهرون وكأنهم من داخل الثورة. وبدون رسوخ هذه القناعات فإن الثورة لا سمح الله يمكن أن تنتكس كما انتكست ثورات مصر وتونس واليمن وخفت وهجها واستطاع الغرب التغلب على جذوتها. وبعد هذه القناعات بوضوح الهدف، لا بد من وضوح الطريق الموصل إليها. لأن غير الطريق يكون وعراً شاقاً غير مضمون الوصول، وأما الطريق ومواصفاته فإن ذلك قناعة من جنس الهدف توصل إليه حتماً مهما طال. وطريق بناء الإسلام وفي هذه المرحلة هو طلب النصرة من أهلها، هكذا فعل محمد عليه السلام، وليس أحد من المسلمين معني بابتداع طريق جديد بعيد عن طريق محمد عليه السلام. ولتوضيح ذلك في سوريا، فقد حاولت أمريكا خنق الثورة السورية ومنعت عنها السلاح، والسلاح فيه مظنة النصر، وفعلاً سارت الثورة دون أن تتمكن من الحصول على السلاح من الخارج إلا يسيراً لا يسد ظمأً ولا يدفع عدواناً، وهنا تشكل فريقان: فريق يطلب النصر من الله، فمن الله عليه بسلاح الغنائم من معسكرات النظام، فظلت الثورة ماضية دون أن تنتكس وإن لم تتمكن من حسم المعركة بعد، وفريق آخر قد استمرأ دعوة أمريكا وأوروبا وحكام العرب للتدخل ولتزويده بالسلاح وفرض حظر جوي، وقد دخل في ظلمات المجتمع الدولي والموقف الدولي والاصطفافات الإقليمية وضاع فيها لا يكاد يلتمس طريقاً، وقد ضل هذا الفريق كثيراً، فتارة يدعو أمريكا للتدخل، وتارة يدعو لوقف دعم روسيا للنظام، ولم يحقق شيئاً مما يصبو إليه، بل ووقع في فخ الدول عربية كانت أم أجنبية وقد أعجبه مذاق الذل فلا يكاد ينتقل من بلد إلى آخر حتى يجد من يدفع له تذكرة الطائرة، ولا يشارك في مؤتمر إلا بعد ضمان من يدفع عنه إقامة الفندق، وبهذا أصبح رهناً لسياسات الدول وتوجهاتها، حتى أصبح مستساغاً عند هذا الفريق أن تعقد أمريكا وروسيا جنيف2 لرسم مستقبل سوريا وتشكيل قيادة انتقالية جديدة لها ووفق شروط أمريكا وروسيا، أي أن ثورة الأمة في سوريا والتضحيات العظيمة التي بذلتها والمعاناة الخانقة التي لا تزال تحياها، كل ذلك يمكن إهماله وكأنه لم يحصل وأن نأخذ الوجبة التي تعدها أمريكا وروسيا في جنيف2. وهذه درجة غير مسبوقة من الاستهانة بالأمة وثورتها، ويلاحظ اليأس على جوه أفراد هذا الفريق، فهم لا يشاركون الشعب السوري الثقة بالنصر ليأسهم من دعم الغرب، أو لخيانتهم وعلمهم بأن خطط الغرب الذي يخططون معه لا تتحقق بهذه الثورة " الإسلامية " والتي فيها غلبة واضحة "للإسلاميين". محمد عايد