August 12, 2010

الاعلام يخترق أكثر الأماكن خصوصية

 طالعتنا وسائل الاعلام الفضائية والأرضية العربية على مدى العامين الماضيين او يزيد بموجة جديدة من نمط جديد من البث الإعلامي الخاص بما يسمى الدراما ، ونخص بالذكر التركية منها. وللوقوف على هذا الأمر فقد نشرت مؤخرا مجلة النيورك تايمز مقالاً بعنوان "أثر الدراما التركية في الإعلام العربي" , تناول فيه مدى الشهرة والشعبية للمسلسلات التركية بين شعوب العالم العربي المسلم و أثرها عليهم, وكيف ان القنوات تتسابق لعرض المسلسلات التركية حتى وصل الى الاحتكار والسعي الى اخذ الريادة والحصرية في بث تلك المسلسلات. خاصة أن هذه المسلسلات تجدها تحاكي مواضيع تقليدية مثل الحب والقتل والتآمر والعلاقات الأسرية ، وايضا تستخدم اسماء ولهجة عربية للممثلين من اجل محاكاة واقع الشعوب العربية . وأظهر التقرير أن هناك الكثير من العرب المسلمين رجالاً ونساء من الشباب مفتونون بهذا النوع من الدراما الجديد على مجتمعاتهم.

إن هذه المسلسلات تعرض قصصاً مشوقة للمشاهدين ، مثل قصة المرأة الفقيرة الأقل تعليماً وصاحبة الطموح بحيث يوجد نوعاً من التعاطف العام معها بسبب حالها ولا ننسى في نهاية المسلسل الطويل الممل أن الحلم يتحقق بالحصول على المال والمكانة الاجتماعية والحب المفقود. هذا من حيث دور النساء ، أما الممثلون الرجال فدورهم في معظم المسلسلات لا يخرج عن الأدوار التقليدية التي عفى عنها الزمن وهو المليئ بالأنانية وحب الذات والحصول على كل شئ بكل الوسائل. ولا ننسى النقاط الرئيسية التي تسلط عليها هذه المسلسلات مثل الاختلاط بين الجنسين في كافة الأماكن الخاصة والعامة وجعلها مقبولة ومستساغة عند المشاهدين. ونلاحظ أيضا اتخاذ اسلوب شركات هوليوود مثل انتاج مسلسلات على نمط السندريلا لنشرها ايضا بين الاطفال .و لا ننسى الأثر البالغ لتلك المسلسلات على الحياة الزوجية مما أدى الى ضرر كبير في المجتمع والعلاقات الاجتماعية بسبب من ينشر من أفكار. ومن الملاحظ انه في الأعوام الماضية كان هناك دوراً للمسلسلات الأجنبية منها الأمريكية واللاتينية , لكن على مدار ثلاثين عاماً او اكثر لم تنجح في عملها ، لذلك توجه الأمر الى المسلسلات التركية من أجل انجاز ما فشل به الآخرون. فقد فشلت الأسماء الاجنبية و طراز الحياة الغربي في نقل الأفكار والمفاهيم الغربية الى الجماهير العربية بسبب غربتها عن واقعهم .

فقد كانت تلك المسلسلات تستخدم الدوبلاج في الصوت بحيث تفقد التشويق عند المشاهدين، اما المسلسلات التركية فهي تستخدم لهجات قريبة الى قلوب المشاهدين منها السورية ، وأيضاً كما ذكرنا فإنها تستخدم أسماء مسلمين و تحاكي واقع المشاهدين. وحسب العديد من الدراسات التي أُجريت على نجاح الإعلام التركي في جذب المشاهدين العرب المسلمين فقد استطاعت اختراق المجتمعات المحافظة في العالم العربي.

ونلخص أسباب هذا النجاح إلى عدة أمور منها :

أولا: أن تركيا بلد مسلم ويحمل تاريخ الدولة الاسلامية ، وحال الناس متعاطفون ومتضامنون مع بعضهم البعض و يشعرون بنوع من الانتماء في جميع انحاء العالم.

ثانيا : يستخدم الإعلام التركي مسائل لها احترام عند المسلمين مثل القتل من أجل الشرف. مما يجعلها تلقى احتراماً عند المشاهدين وتجذبهم وتسرق قلوبهم.

ثالثا: الدور السياسي الذي تلعبه تركيا في العالم يجعل المشاهدين يجلونها ويحترمون ما يأتي من عندها.

هذه الأمور غيض من فيض من مخالب تستخدمها وسائل الاعلام لنشر ما تريد من أبسط الامور الى اعلاها من خلال القدرة على اختراق اكثر الاماكن خصوصية وهو بيت المسلم. وكل هذا من أجل نشر الأفكار الغريبة عن المجتمعات وتلويثهم بالمفاهيم المغلوطة عن الحياة والعلاقات الاجتماعية ونشر الرذيلة بين أفراد المجتمع بحيث تصبح مقبولة وغير مستهجنة في واقعهم و مفاهيمهم. مثل جعل الطلاق شيئاً مقبولاً بل مطلوباً ومحبباً ، والتحرش الجنسي شئ ليس من الرذيلة. ولهذا كان لمثل هذه اللأفكار وغيرها أثر في مجتمعاتنا بحيث وجد حالات انتحار و حالات اغتصاب ،وايضا تفكك في العلاقات الاسرية، وهذا كله ناتج عن الأثر الذي تحدثه مثل هذه الوسائل الخبيثة على مجتمعاتنا.

 وهنا يجب أن نسأل كيف يمكننا أن نسمح لأنفسنا بقبول مثل هذه الأفكار؟ ؟ كيف يمكن أن نقبل الانتقال من الأعلى الى الأدنى؟ ان مجتمعاتنا وشبابنا هم الهدف الذي يريد الغرب تدميره وتسميمه ببطء من أجل قتل القوة الحقيقية في داخله لأجل التغيير والنهضة .بحيث أصبح هذا الهدف الشغل الشاغل لهم ، ويستخدمون كافة الوسائل من أجل تحقيقه ، فشاشات التلفاز موجودة في كل بيت. و يحاول الغرب بكل الوسائل تدمير جيل كامل وتجريده من القيم والأخلاق والمفاهيم الصحيحة و استبدالها بالانحلال والتفكك الأخلاقي وفساد المفاهيم عن الحياة ، ولكن كيف لنا ان نقبل استبدال هذه المعايير الربانية التي جاء بها نبينا.

 فعلى تركيا أن تعود الى رشدها في إعلامها والعودة الى الأصل الذي كانت عليه ناشرة للإسلام وليست مسوقة للرذيلة وأفكار الغرب الفاسدة .و لا ننسى قول الله تعالى :

( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)

سورة النور، آية 19

كتبته للإذاعة

الأخت منال بدر

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.