March 26, 2012

الفكر السياسي قيم و ممارسات

لقد ميز الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل الذي جعله مناط تكليفه وتشريفه، فحرم عليه كل ما من شأنه أن يذهب العقل أو أن يؤثر على أدائه، وجعل على من لا يستخدم عقله الإثم و العقوبة . واصفا من لا يستخدم عقله والخاصية التي أودعها الله تعالى به أبشع الأوصاف قال تعالى:{ أفلا يعقلون } وقال تعالى: { أفلا يسمعون } وقال تعالى: { أفلا يبصرون } وقال تعالى:{... والذين كفروا يتمتعون و يأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم }

ولذلك عني الإسلام عناية كبيرة بالعقل وبين له الطريقة المثلى للوصول للحقائق، إذ وجه الإنسان لطريقة التفكير للوصول إلى الحقائق الكبرى على أساسه، كالوصول إلى وجوب وجود الله تعالى، فبين له ذلك بالنظر إلى ما خلق وأبدع قال تعالى: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت..} وقال تعالى: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون }

والفكر هو الحكم على الواقع، ولا يستطيع المجنون أو من لا يملك أدواة العقل والإدراك من ممارسة هذه العملية العقلية التي تسمى بالتفكير.

وأما الفكر السياسي فهو الفكر الذي يبحث في كيفية رعاية شؤون العامة أو الخاصة من خلال وجهة نظر منبثقة عن عقيدة كلية عن الكون الحياة والإنسان، وتحدد هذه العقيدة مفهومي الصواب والخطأ، أو الحلال والحرام .

ويعد التفكير السياسي من أعقد أنواع التفكير، وذلك لأنه يتعلق برعاية شؤون الأمة، وهي أمور متجددة وتحتاج إلى عناية فائقة وإنعام نظر بمعرفة الواقع أو الحادثة معرفة دقيقة لتحقيق مناطها و بالرجوع إلى الحكم الشرعي المناسب لها، وليس ذلك فحسب بل عدم الحياد عن المبدأ أو الفكرة التي يعتنقها، فالسياسي، ولا يكتفي بمعرفة الفكرة بل يجب عليه الوعي عليها بحيث لا يفتنه الواقع بضغطه فيحيد عنها فيقع في دائرة مخالفة الفكرة فيقع بالإثم لذلك.

إن الفكر السياسي المبني على العقيدة الإسلامية هو فكر سياسي بامتياز، إذ أن العقيدة الإسلامية عقيدة عقلية ، وكذلك هي عقيدة عقلية سياسية، إذ أنها قائمة على رعاية الفرد ورعاية المجتمع وتنظم علاقة الدولة بالفرد وتنظم علاقة المسلمين بغيرهم داخل الدولة وتنظم علاقة دولة المسلمين مع غيرها من الدول الأخرى، وتربط الإنسان حين توجد له الحلول لمشاكله تربطه بالآخرة بالثواب والعقاب، وكذلك تبدي له المحاسبة من قبل الدولة على ما قصر به من واجبات تتعلق بوجوده كأحد رعايا الدولة وفرد من أفراد المجتمع، وكذلك مراقبة الله تعالى له، وكذلك تمكنه من محاسبة الدولة إن قصرت أو أخطأت كفرد أو جماعة.

إن القرآن والسنة وإجماع الصحابة والقياس هم مصادر القوانين وأساس الأفكار الكلية والخاصة في النظام الإسلامي، وعليه يجب على كل من آمن بالإسلام أن يتخذها أساس لفكره ومقياسا لأعماله. قال تعالى: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً إن يكون لهم الخيرة من أمرهم }، فالأحكام الشرعية المستنبطة من المصادر الشرعية هي عبارة عن أحكام تنظم حركة الدولة وعلاقتها في داخل الدولة على رعاياها إذا كانت مما تبناه الخليفة، وكذلك تنظم حركة المجتمع إذا ما كانت مستنبطة من قبل علماء المسلمين وكانت مما لم يتبناه الخليفة ، وكذلك تنظم علاقة الفرد بنفسه أو تنظم علاقته مع الله تعالى من خلال العبادات مما استنبطه علماء المسلمين ومما لم تتبناه الدولة على شكل قوانين ونظم رسمية.

ومن ضروريات الفكر السياسي بحيث أنه لا ينفصل عنه ولا بجزئية من أجزائه ولا بحركة من حركاته الوعي السياسي، فالوعي السياسي، لا يعني الوعي على الأوضاع السياسية، أو على الموقف الدولي، أو على الحوادث السياسية، أو تتبع السياسة الدولية، والأعمال السياسية فقط، وإن كان ذلك من مستلزمات كماله. وإنما هو النظرة إلى العالم من زاوية خاصة، وهي بالنسبة لنا من زاوية العقيدة الإسلامية، زاوية: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فالنظرة إلى العالم من غير زاوية خاصة تعتبر سطحية، وليست وعياً سياسياً. والنظرة إلى المجال المحلي أو المجال الإقليمي تفاهة، وليست وعياً سياسياً، ولا يتم الوعي

السياسي إلا إذا توفر له عنصران:

أولا- أن تكون النظرة إلى العالم كله

ثانيا - وأن تنطلق هذه النظرة من زاوية خاصة محددة معينة : هي العقيدة الإسلامية. هذا هو الوعي السياسي.

وبما أن هذا هو واقع الوعي السياسي، فإنه يحتم طبيعياً على السياسي أن يخوض النضال في سبيل إيجاد مفهومه عن الحياة لدى الإنسان، من حيث هو إنسان، في كل مكان. وتكوين هذا المفهوم هو المسؤولية الأولى التي ألقيت على كاهل الواعي سياسياً، والذي لا ينال الراحة إلا ببذل المشقة في تحملها وأدائها، والواعي سياسياً يتحتم عليه أن يخوض النضال ضد جميع الاتجاهات التي تناقض اتجاهه، وضد جميع المفاهيم التي تناقض مفاهيمه، في الوقت الذي يخوض فيه النضال لتركيز مفاهيمه عن الحياة، وغرس اتجاهه. فهو يسير في اتجاهين في آن واحد، لا ينفصل أحدهما عن الأخر في النضال قيد شعرة؛ لأنهما شيء واحد، يهدم ويبني، يبدد الظلام ويشعل النور، وهو كما قيل: "نار تحرق الفساد، ونور يضيء طريق الهدى". وكما يدخل في تركيز المفاهيم و تنـزيل الأفكار على الوقائع، وعليه البعد عن التجريد والمنطق، و يقف ضد مفاهيم الأعماق التي جاءت من العصور الهابطة، وضد التأثير التضليلي الذي يبثه الأعداء عن الأفكار والأشياء، وضد اختصار الغايات السامية، والأهداف البعيدة، بغايات جزئية ضيقة وأهداف آنية هزيلة. فهو يناضل في جبهتين: داخلية وخارجية، ويناضل في اتجاهين: اتجاه الهدم، واتجاه البناء، ويعمل على صعيدين: صعيد السياسة وصعيد الفكر، وبالجملة فهو يخوض معترك الحياة في أسمى ميادينها وأعلاها؛ ولذلك كان اصطدام الواعين بالقضايا، في احتكاكهم بالواقع، والناس، ومشاكل الحياة، أمراً حتمياً، لا فرق في ذلك بين الصعيد المحلي الداخلي، والصعيد الدولي العالمي، وفي هذا الاصطدام الذي تقوده دول ومنظمات دولية، تبرز المقدرة على جعل الرسالة التي يحملها، والزاوية الخاصة التي ينظر إلى العالم منها، حسب المفهوم الذي يتبناه، هي الأساس، وهي الحَـكَم، وهي الغاية التي يسعى إليها، والهدف الذي يجهد لتحقيقه، وبالمقابل لا يلين للطامعين أو الضاغطين أو المفاوضين . قال تعالى: { الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً } (النساء:139)

إلا أنه نظراً لالتزامه زاوية خاصة، ولوجود ذوق معين له، وميول معينة لديه، طبيعية كانت أو مبدئية، فإنه يخشى إن لم يع على نفسه أن يلون الحقائق باللون الذي يهواه، وأن يؤوّل الأفكار على الوجه الذي يريده، وأن يفهم الأخبار بحسب النتيجة التي يريد أن يصل إليها، ولذلك يجب أن يحذر من تسلط ميوله على الآراء والأنباء. فرغبات النفس لشيء ذاتي، أو حزبي، أو مبدئي، أو مصلحة يخشى فواتها أو خوفا على نفسه، كل ذلك ربما يجعله يفسر الرأي أنه صدق وهو كذب، أو يخيل إليه أنه كذب وهو صدق، ولذلك لا بد من أن يتبين الواعي الكلام الذي يقال، والعمل الذي يعمل. فبالنسبة للوقائع، أشياء كانت أو حوادث، يجب أن يدركها إدراكاً حسياً، وأن يحس بها حساً منطقياً، ولكن كما هي، لا كما يحب ويرغب أن تكون.

قال تعالى: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }.

أما الطريقة لإيجاد الوعي السياسي في الأفراد، وإيجاده في الأمة، فإنها هي التثقيف السياسي بالمعنى السياسي، سواء أكان تثقيفاً بأفكار الإسلام وأحكامه، أم كان تتبعاً للأحداث السياسية، فيتثقف بأفكار الإسلام وأحكامه، لا باعتبارها نظريات مجردة، بل بتنـزيلها على الوقائع، ويتتبع الأحداث السياسية، لا كتتبع الصحفي ليعرف الأخبار، ولا كتتبع المعلم ليكتسب معلومات، بل بالنظرة إليها من الزاوية الخاصة لإعطائها الحكم الذي يراه، أو ليربطها بغيرها من الأحداث والأفكار، أو يربطها بالواقع الذي يجري أمامه من الأعمال السياسية. فهذا التثقيف السياسي، بالمبدأ وبالسياسة، هو طريقة إيجاد هذا الوعي السياسي في الأمة وفي الأفراد، وهو الذي يجعل الأمة الإسلامية تضطلع بمهمتها الأساسية، ووظيفتها الأصلية، ألا وهي حمل الدعوة إلى العالم، ونشر الهدى بين الناس؛ ولذلك كان التثقيف السياسي هو الطريقة لإيجاد الوعي السياسي، عند الأمة وعند الأفراد. ومن هنا كان لا بد من التثقيف السياسي في الأمة الإسلامية على أوسـع نطاق، فإنه هو الذي يوجد في الأمة الوعي السياسي، ويجعلها تنبت حشداً من السياسيين البارعين.

إن السياسة في دعوتنا وحزبنا بمعناها الدقيق - رعاية شؤون الأمة - وهي الغاية بحد ذاتها .

فالكشف والتبني السياسي يكون غايتنا عندما يكون هو الرعاية.

وبيان الحكم الشرعي في الأحداث هو غايتنا لأنه هو الرعاية.

والتعبئة العقائدية والجهادية والمعنوية تكون هي غايتنا عندما تكون هي الرعاية.

والقاعدة عندنا في ذلك كله هي القاعدة الذهبية العملية، وهي: صيرورة الحس إلى فكر والفكر إلى عمل والعمل إلى غاية.

ولا يخفى عليكم أن التزام هذه القاعدة العملية يعتبر أهم ركائز طريقة التفكير المنتجة ، والتي لا بد لها دائما من فهم أي حدث وإصدار أي تعليق بعد فهم وبلورة

الإجابة عن الأسئلة الأساسية:

لماذا ؟ كيف ؟ أين ؟ ومتى ؟ يكون الكشف والتبني.

إن التفكير السياسي هو أرقى أنواع التفكير وأصعبها ، لأنه ليس حكما على واقع جامد ، بل هو حكم على واقع شديد التعقيد يموج بالمتغيرات ، لأنه متعلق إما برعاية شؤون الأمة ، أو متعلق بالحركة السياسية الدولية، وكلاهما متحرك ومتغير.

وعلى هذا الأساس ، وبهذا الفهم لقد عمل حزب التحرير في الأمة منذ ما يقرب الستين عاما وهو يوجه أنظار الأمة تجاه قضيتها المصيرية إقامة دولة الخلافة، واتخذ من طريقة النبي صلى الله عليه وسلم طريقة له للوصول إلى الحكم ، فها هي الأحزاب التي عابت على حزب التحرير سلوكه طريقة الصراع الفكري والكفاح السياسي الوصول إلى تحييد بل واخذ السلطة ممن بيده السلطة أي الجيوش، فهاهم اليوم يسيرون في نفس الطريق مرغمين نتيجة تحرك الأمة بحركة لم يمكنهم سوى ركوب موجاتها المتلاحقة.

وكذلك الذين عابوا على الحزب عدم استخدامه الأعمال المادية فهم اليوم يزايدون على الأمة بحركتها بالدعوة السلمية و المسيرات والإعتصامات لإسقاط الأنظمة.

وهاهم اليوم هم أنفسهم الذين كانوا يسخرون من الحزب عندما يذكر النصرة وأخذها ممن بيده القوة والمنعة، فهاهم اليوم أنفسهم يطلبون ود الجيوش ويحملون لها الزهور والأطفال لكي يدللوا على أن الجيش هو سندهم وأن الجيش يستمد شرعيته من عدم سفك دمائهم.

إن حزب التحرير هو تاريخ الأمة المعاصر ومستقبلها المشرق بما عنده من وضوح وبلورة ونقاء وصفاء للفكرة التي يحملها ، وبما عنده من تصور واضح وجلي للطريقة القطعية التي من شأنها أن توصله لإقامة وإيجاد دولة الخلافة الراشدة، وهي طريقة شرعية لا يحيد عنها قيد أنملة، وكما أنه وبحمد الله تعالى عنده من الشباب والمفكرين والسياسيين البارعين الذين عاهدوا الله تعالى على السير على الطريق والطريقة حتى لو طال الزمان وزادت العوائق قسوة والظروف شدة والأنظمة القمعية بطشا، فكل ذلك عند الحزب وشبابه قربات لله تعالى، وبما عنده من إرادة وعزيمته للوصول للغاية التي حددها، وبطريقة الربط على أساس رابطة الفكرة، رابطة العقيدة الإسلامية، رابطة العمل لنيل رضوان الله تعالى فقط ، فليست رابطته مصلحية مادية، ولا روحية جوفاء، بل رابطة فكرية تربط ما بين شبابه فيتعذبون العذاب للوصول لغايتهم، في الدنيا إقامة الخلافة الإسلامية ، وفي الآخرة لنيل رضوان الله تعالى.

قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله }

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم مالا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم،- قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟- قال عليه الصلاة والسلام، كما صنع أصحاب عيسى بن مريم، نشروا بالمناشير، وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله". أخرجه الطبراني في الكبير.

إبراهيم محمد حجات


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.