الحلقة الحادية عشر   حقوق الزوجة
August 20, 2010

  الحلقة الحادية عشر حقوق الزوجة

حَيَّاكُمُ اللهُ مُستَمِعيِنا مُسْتَمِعِي إِذاعَةِ المَكْتَبِ الإعلامِيِّ لِحِزْبِ التَّحريرِ، وَنَلْتَقِي وَإيَّاكُم بِحَلَقاتِنا الْمُتَسَلْسِلَةِ لِمَوْضوعِ قَانتاتٍ حافِظاتٍ، هذهِ السِّلْسِلَةُ التِّي تَناوَلْنا فِيها صِفاتِ القانِتاتِ الحافِظاتِ، وَنَظْرَةَ الشَّرْعِ لَهُنَّ، وَبَيَّنَّا مَا عَلَيْهِنَّ مِنْ واجِباتٍ، وَها نَحْنُ نُبَيِّنُ مَا لَهُنَّ مِنْ حُقُوق، كُلُّ حَسَبَ مَوقِعِها في الْجَماعَةِ وَالْمُجْتَمَعِ، سَواءَ أَكانَتْ أُمّاً أوْ زَوْجَةً أوْ أُخْتاً أوْ أَجْنَبِيَّةً، وَفي كُلِّ مَوْقِعٍ تُمَثِّلُهُ هذهِ الْمَرأةُ والتِّي اعْتَبَرَها الغَرْبُ نِصْفَ الْمُجْتَمَعِ، واعتَبَرْناها نَحْنُ كُلَّ الْمُجْتَمَعِ، كَيفَ لا وَهِي نِصْفُهُ بِكَيانِها كَامْرأةٍ وَكُلُّهُ لأنَّها هِيَ التِّي تَلِدُ وَتُرَبِّي النِّصْفَ الآخَرَ فيهِ.

وَاليَوْمَ سَنَأْتي إِلى ذِكْرِ حُقُوقِ رُكْنٍ أسَاسِّيٍّ في هذا الْمُجتمَعِ ألا وَهُوَ الزَّوجَة، وَالتِّي اعْتَبَرَها الشَّرْعُ مِنَ السَّعَادَةِ، حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "أَربَعٌ مِنَ السَّعادَةِ: الْمَرأةُ الصَّالِحَةُ، والْمَسْكَنُ الواسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ".

فَما هِيَ حُقُوقُ هذهِ الزَّوجَةِ وَأيَضاً مَا هِيَ واجِباتُها تِجَاهَ زَوْجِها؟

إنَّ أَوَّلَ الْحُقُوقِ التِّي أُعْطِيَتْ لِلْمَرأةِ في مَسأَلَةِ الزَّواجِ، وَقبْلَ كَوْنِها زَوْجَةً، هُوَ حَقُّ اخْتِيارِها لِزَوجِها عَنْ أَبي هُريرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ قال: (( لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَى تُسْتَأْمَرَ, وَلا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتى تُسْتَأْذَنَ, قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ إِذْنُها؟ قالَ: أنْ تَسْكُتَ )) رَواهُ البُخارِيُّ.

اللهُ أكْبرُ .. مَا أَعْظَمَ هذهِ الوَصِّيَةَ النَّبَوِيَّةَ وَهِيَ لِلرِّجالِ وَأَولِياءِ الْمَرأَةِ قَبْلَ أنْ تَكُونَ لَها .. وَهِيَ أَيْضاً صَفْعَةٌ في وَجْهِ أدعِياءِ التَّحَرُّرِ وَالْمُساواةِ، نَعَمْ دِينُكِ أَيَّتُها الْمُسلِمَةُ جَعَلَ لَكِ اخْتِيارَ زَوْجِ الْمُستَقْبَلِ حَيْثُ أعْطاكِ حَقَّ القَبُولِ أوِ الرَّفْضِ..

وَمَنْ يُزَوِّجُ وَلِيَّتَهُ مِنْ رَجُلٍ لا تُريدُهُ وَلا تَسْتريحُ إليهِ فَقَدْ عَصى اللهَ وَرَسولَهُ وَالدَّليلُ عَلى ذلكَ مَا رَواهُ البُخَارِيُّ عَنْ خَنْساءَ بِنْتِ حذام زَوَّجَها أَبُوها وَهِيَ كارِهَةٌ وَكانَتْ ثَيِّباً فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ فَرَدَّ نِكاحَها.

 يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى في حُرِّيَةِ اخْتِيارِ الْمَرأةِ لِمَنْ يَتَقَدَّمُ لها: " وَمُوجَبُ هذا الْحُكْمِ أَنَّهُ لا تُجْبَرُ الْبِكْرُ البَالغُ على النِّكاحِ، وَلا تُزَوَّجُ إلا بِرِضاها وَهذا قَوْلُ جُمهورِ السَّلَفِ وَمَذْهَبِ أبي حَنيفَةَ وَأَحْمدَ في أَحَدِ الرِّواياتِ وَهُوَ الْقَوْلُ الذِّي نُدينُ اللهَ بِهِ وَلا نَعْتَقِدُ سِواهُ وَهُوَ الْمُوافِقُ لِحُكْمِ رَسولِ اللهِ وَمَنْهَجِهِ وَقَواعِدِ شَريعَتِهِ وَمَصَالِحِ أُمَّتِهِ)

فَقَدْ جَعَلَ الإسلامُ الْمرأةَ هِي التِّي تُنشِئُ عَقْدَ الزَّواجِ، فَهِيَ طَرَفُ الإيجابِ: طَرَفُ إنشاءِ الْعَقْدِ وَإيقاعِهِ، لِيُوَضِّحَ بِشَكْلٍ مُتَمَيِّزٍ حَقَّ الْمَرأَةِ في اخْتيارِ الزَّوجِ وَدَوْرَها في بِناءِ الْحياةِ الزَّوجِيَّةِ.

وَيُمَثِّلُ الزَّوجُ طَرَفَ القَبولِ، وَصِحّةُ الْعَقْدِ بَيْنَهُما مُتَوقِّفَةٌ على رِضاهُما وَقَبُولِهِما مَعاً، فَلا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالإكْراهِ، كَما أنّ لَها وَلَهُ أنْ يُحَدِّدا مِنَ الشُّروطِ التِّي يَراها كُلٌّ مِنهُما وَيُوافِقا عَليها، إلاّ مَا حَرَّمَ حَلالاً أوْ حَلَّلَ حَراماً.

وَلكِنْ على المْرَأةِ أنْ تَتَذَكَّرَ دائِماً أنَّ أسَاسَ اخْتِيارِها لِزَوْجِها هُوَ الدِّينُ وَالْخُلُقُ الْحَسَنُ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأنْكِحُوهُ إلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأَرضِ وَفَسادٌ عَريضٌ " (رَواهُ التِّرمِذِيُّ وَالحاكِمُ وإسنادُهُ صَحيحٌ)

وَلكن هذا الْحَقُّ لا يَعْني أبداً أنْ تُزَوِّجَ الْمرأةُ نَفْسَها دُونَ إذْنِ وَلِيِّهَا، كَمَا أنَّها لا تَمْلِكُ تَوْكيلَ غَيْر وَليِّها في تَزْويجِها، فَإنْ فَعَلَتْ لَمْ يَصِحَّ نِكاحُها. فاخْتِيارُ الزَّوجِ أمْرٌ وَإِذْنُ الْوَلِيِّ أمْرٌ آخَرٌ، لأَنَّ النِّكاحَ لا يَصِحُّ إلا بِوَلِيٍّ، فَلا تَمْلِكُ الْمَرأةُ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَها، وَلا أنْ تُزَوِّجَ غَيْرَها، لِمَا رَوَى أبو مُوسى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ: «لا نِكاحَ إلا بِوَلِيٍّ»أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. وَأَمَّا كَوْنُ المرأةِ لا تَمْلِكُ تَزْويجَ نَفْسِها، وَلا غَيْرِها، وَلا تَمْلِكُ تَوْكيلَ غَيْر وَلِيِّها في تَزْويجِها فَلِمَا رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: «أَيَّما امرأةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّها فَنِكاحُها باطِلٌ، فَنِكاحُها باطِلٌ، فَنكاحُها باطِلٌ» أَخْرَجَهُ الحاكِمُ, وَلِمَا رَوَى أبو هَرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: «لا تُزَوِّجُ المرأةُ المرأةَ، وَلا تُزَوِّجُ المرأةُ نَفْسَهَا، فَإنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ التِّي تُزَوِّجُ نَفْسَها»

وَيَجِبُ على الْوَلِيِّ أيضاً أنْ يُراعِيَ خِصَالَ الزَّوْجِ وَلْيَنْظُرْ لِكَريمَتِهِِ أيْنَ يَضَعُها، فَلا يُزَوِّجُها مِمَّنْ ساءَ خُلُقُهُ أو ضَعُفَ دِينُهُ أو قَصَّرَ عَنِ الْقِيامِ بِحَقِّها قَالَ عَلَيهِ السَّلامُ: ‏"‏ النِّكاحُ رِقٌّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ أيْنَ يَضَعُ كَرِيمَتَهُ ‏"‏ وَالاحْتِياطُ في حَقِّها أَهَمُّ لأنَّها رَقِيقَةٌ بِالنِّكاحِ لا مُخَلِّصَ لها وَالزَّوْجُ قادِرٌ على الطَّلاقِ بَكُلِّ حالٍ، وَالوَلِيُّ إنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ ظالِماً أو فاسِقاً أو مُبْتَدِعاً أو شَارِبَ خَمْرٍ فَقَدْ جَنَى على دينِهِ وَتَعَرَّضَ لِسَخَطِ اللهِ لِمَا قَطَعَ مِنْ حَقِّ الرَّحِمِ وَسُوءِ الاخْتِيارِ‏.‏

وقالَ رَجُلٌ لِلْحَسَن‏:‏ قَدْ خَطَبَ ابْنَتِي جَماعَةٌ فَمَنْ أُزَوِجُها قال‏:‏ مِمَّنْ يَتَقي اللهَ فإنْ أحَبَّها أكْرَمَها وإنْ أبْغَضَها لَمْ يَظْلِمْها‏.‏

وَقالَ عَلَيهِ السَّلامُ ‏"‏ مَنْ زّوَّجَ كَريمَتَهُ مِنْ فاسِقٍ فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهَا‏"‏‏.‏

وَمِنْ حُقوقِ الزَّوجَةِ أيضاً هُوَ الْمَهْرُ. المَهْرُ في الإسلامِ حَقٌّ مِنْ حُقوقِ الزَّوجَةِ تَأخُذُهُ كامِلا حَلالا عَلَيْها لِقَوْلِهِ تعالى: (وَءاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) سورةُ النِّساء 4 . قال ابنُ عباس النِّحْلَةُ: المَهْرُ، وَقالَ ابنُ كثير رَحِمَهُ اللهُ في مَضْمُونِ كلامِ الْمُفَسِّرينَ في هذهِ الآيةِ: أنَّ الرَّجُلَ يَجِبُ عليهِ دَفُعُ الصَّداقِ إلى المرأةِ حَتْماً وأنْ يَكُونَ طَيِّبَ النَّفْسِ.

إنَّ هذهِ الآيةَ تُنْشِئُ حقًّا صَريحاً لِلْمرأةِ وَحقًّا شَخْصِياً في صَداقِها وَتُنْبِئُ أيضاً بِما كانَ واقِعاً في الْمُجتَمَعِ الجاهِلِيِّ مِنْ هَضْمِ هذا الحَقِّ في صُوَرٍ شَتى، واحدةٌ مِنْها كانَتْ في قَبْضِ الوَلِيِّ هذا الصَّداقَ وَأخْذِهِ لِنَفْسِهِ وَكَأنَّما هِيَ صَفُقَةُ بَيْعٍ هُوَ صاحِبُها!

وَواحِدَةٌ مِنْها كانَتْ في زواجِ الشِّغارِِ وَهُو أنْ يُزَوِّجَ الوَلِيُّ المرأةَ التِّي في ولايَتِهِ في مُقابِل أنْ يُزَوِّجَهُ مَنْ يَأْخُذُها امرأةً هِيَ في وَلايَةِ هذا الآخَرِ، واحِدَةٌ بواحدةٍ ، صَفْقَةٌ بَيْنَ الوَلِيَّيْنِ لا حَظَّ فيها لِلْمرأَتَيْنِ، فَجاءَ الإسلامُ وَحَرَّمَ هذا كُلَّهُ وَجَعَلَ الزَّواجَ التقاءَ نَفْسَينِ عَنْ رَغْبَةٍ وَاخْتِيارٍ، وَجَعَلَ الصَّداقَ حَقًّا لِلمَرأةِ تَأْخُذُهُ لِنَفْسِها وَلا يَأْخُذُهُ الوَلِيُّ، وَحَتَّمَ تَسْمِيَةَ هذا الصَّداقِ وَتَحْديدَهُ لِتَقْبِضَهُ المرأةُ فَريضَةً لها وَواجِباً لا تَخَلُّفَ عَنْهُ.

وَأَوْجَبَ أنْ يُؤَدِّيَهُ الزَّوْجُ ( نِحْلَةً ) أيْ هِبَةً خالِصَةً لِصاحِبَتِها وَأَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وَارتِياحِ خَاطِرٍ كَمَا يُؤَدِّي الْهِبَةَ وَالْمِنْحَةَ، وَإذا طابَتْ نَفْسُ الزَّوجَةِ بَعْدَ ذلِكَ لِزَوْجِها عَنْ شَيْءٍ مِن صَداقِها كُلِّهِ اوْ بَعْضِهِ فَهِيَ صاحِبَةُ الشَّأْنِ في هذا تَفْعَلُهُ عَنْ طيبِ نَفْسٍ وَراحَةِ خاطِرٍ، وَالزَّوْجُ في حِلٍّ مِنْ أَخْذِ ما طابَتْ نَفْسُ الزَّوْجَةِ عَنْهُ وَأَكْلِهِ حَلالاً طَيِّباً هَنيئاً مَريئاً.

وَبِذلِكَ الحقِّ اسْتَبْعَدَ الإسلامُ ذلكَ الرَّاسِبَ مِنْ رَواسِبِ الْجاهِلِيَّةِ في شَأْنِ المرأةِ وَصَداقِها وَحَقِّها في نَفْسِها وَفي مَالِها وَكَرامَتِها وَمَنْزِلَتِها وَفي الوَقْتِ ذاتِهِ لَمْ يُجَفِّفِ الصِّلاتِ بَيْنَ المرأةِ وَرَجُلِها وَلَمْ يُقِمْها على مُجَرَّدِ الصَّرامَةِ في القانونِ، بَلْ تَرَكَ للسَّماحَةِ والتَّراضي وَالْمَوَدَةِ أنْ تَأْخُذَ مَجْراها في هذهِ الحَيَاةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَأنْ تُبَلِّلَ بِنُدُوَّتِها جَوَّ هذهِ الحياةِ.

هذِهِ بَعْضُ الْحُقوقِ التِّي أَوْجَبَها الشَّرْعُ لِلزَّوجةِ، وَسَنَأْتي على بَيانِ باقي الْحُقوقِ في الحَلَقَةِ القَادِمَةِ بِإِذْنِ اللهِ، وَإَلى ذلكَ الحينِ، أَتْرُكُكُمْ في رِعايَةِ اللهِ وَحِفْظِهِ، وَالسَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتِهِ

أم سدين

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.