November 17, 2009

الحقوق الشرعية للإنسان ح2

مستمعينا الكرام: أحييكم بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد: فموضوعنا في هذه الحلقة هوالحقوق الشرعية للإنسان في الإسلام: 

جاء الإسلام بنظام شامل كامل، ينظم جميع أعمال الإنسان، اللازمة لإشباع غرائزه وحاجاته العضوية، إشباعاً صحيحاً يتفق وفطرته كفرد، ويتلاءم مع ما يجب أن يكون عليه المجتمع الإسلامي، فنظم علاقته بربه بالعقائد والعبادات وعلاقته بنفسه بأحكام المطعومات والملبوسات والأخلاق، وعلاقته بغيره بأحكام المعاملات والعقوبات، وهي تشمل علاقة الحاكم بالمحكومين، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول، وبذلك لم يترك الإسلام حكم أي فعل أو أي شيء إلا وبينه، وطلب من العقل أن يأخذ هذا الحكم أو يستنبطه مما جاء به الوحي الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

وباستقراء الأدلة الشرعية وما نتج عنها من أحكام، وجد الفقهاء المسلمون أن الإسلام كفل للإنسان حقوقاً شرعية، تحقق له ثلاثة أنواع من المصالح وهي: الضروريات، و الحاجيات، والتحسينات.

أما الضروريات، فيقصد بها تلك المصالح التي تتوقف عليها حياة الفرد الكريمة، وقيام المجتمع الصالح المستقر، بحيث إذا لم تتحقق اختل نظام حياة الإنسان، وساد الناس الفوضى والفساد، ولحق بهم الشقاء والتعاسة في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة، وهذه الضروريات ثمانية، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، والكرامة، والأمن، والدولة.

أولاً: حفظ الدين :

الإسلام لا يكره أحداً على الدخول فيه، قال تعالى: (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي...) وهذا لا يعني حرية العقيدة المستمدة من الحق الطبيعي الذي نادت به الرأسمالية، لأن غريزة التدين لا تكفي وحدها للوصول إلى العقيدة الصحيحة، فالإنسان بحاجة إلى رسل من الله تعالى لتبليغه هذه العقيدة، فإن اعتنقها فلا يجوز له أن يرتد عنها، فالمسلم الذي يرتد عن الإسلام بعد أن آمن به، يناقش، ويستتاب، فإن أصر على ارتداده كانت عقوبته الشرعية القتل، قال صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)) وذلك لأن العقيدة الإسلامية التي اعتنقها، تلائم فطرة الإنسان ومبنية على عقله، فارتداده عنها مخالف لفطرة الإسلام ولعقله، وهو ظاهرة مرَضية يجب اجتثاثها لئلا تنتقل العدوى بها إلى سائر المجتمع، وذلك حفظاً لدين الله الذي ارتضاه للإنسان وكرمه به.

وقد شرع الإسلام أحكاماً لحفظ الدين كحمل الدعوة إليه ورد الاعتداء عنه، ووجوب الجهاد ضد الكيانات الكافرة به لنشره، قال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله... )

فحفظ دين المسلم حق من حقوقه الشرعية، يدافع عنه بنفسه وماله، وتدافع عنه الدولة بنظامها وقوتها.

ثانياً: حفظ النفس:

وقد شرع الإسلام ما فيه بقاء لها، فحرم قتلها والاعتداء عليها، وسن القصاص للمحافظة على حياتها، قال تعالى: (ولكم في القصاص حياة) وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يعذب الذين يعذبون النفس في الدنيا))، وقد أباح للإنسان بعض ما حرم عليه من أجل أن يحافظ على نفسه من الهلاك قال تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه.. )

وأعطى الله الحق للإنسان أن يقاتل دون نفسه، قال صلى الله عليه وسلم: (ومن مات دون دمه فهو شهيد... )

ثالثاً: حفظ العقل

أنزل الإسلام العقل منزلته المرموقة التي تليق به، فجعله مناط التكليف، وحث على استعماله، فطلب التدبر والتفكر للوصول إلى العقيدة الصحيحة التي يقتنع بها، وطلب منه الاجتهاد للوصول إلى الحكم الشرعي، ورفع الإسلام من منزلة العلماء، قال تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) وحرم كل ما من شأنه أن يؤثر على عمل العقل، كشرب الخمر، وتناول المخدر، وامتهان السحر، وشرع عقوبات على من يتعاطى ذلك حفظاً للعقول.

رابعاً: حفظ النسل

ندب الإسلام إلى تكثير النسل، فحث على تزوج الودود الولود، وحرم الخصاء. وحافظ على النسب، فحرم الزنى، ورتب عليه عقوبة زاجرة، وأوجب النفقة على المولود له، وحث على تربية الأبناء التربية الصالحة، ولا سيما البنات لكونهن سيصبحن زوجات، والزوجة ركن أساسي في بناء الأسرة وتربية الأطفال، قال صلى الله عليه وسلم: (من كانت له ابنة فأدبها وأحسن تأديبها، وعلمها وأحسن تعليمها، كانت له ستراً من النار يوم القيامة) .

فالإسلام أعطى المسلم الحق في اختيار زوجته، وتربية أطفاله والمحافظة على نسله ضمن أحكام الإسلام.

خامساً: حفظ المال :

أباح الإسلام للإنسان حيازة المال، وشرع له أسباباً للتملك، وحث على تنمية المال بالطرق الشرعية، وفي نفس الوقت جعل للفقراء حقاً في أموال الأغنياء، وحرم أخذ مال الآخرين إلا عن طيب نفس، وشرع أحكاماً لحفظ المال، ولحفظ الملكية الفردية، فحرم السرقة ورتب عليها عقوبة زاجرة، وهي قطع يد السارق، وحرم إتلاف المال، وشرع الحجر على السفيه والمجنون والقاصر للمحافظة على أموالهم، ووضع أحكاماً خاصة لكل من الملكية العامة وملكية الدولة، والملكية الفردية، ليصل لكل إنسان من رعايا الدولة الإسلامية حقه من المال.

سادساً: حفظ الكرامة :

كرم الله الإنسان منذ خلقه، فطلب من الملائكة أن يسجدوا لآدم، قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (70/ الإسراء)، وسخر له كثيراً مما خلق، قال تعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض...) (20 / لقمان)، ثم أكد الإسلام حرمة العرض والكرامة للإنسان، مع حرمة الدماء والأموال، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم عليكم دماءكم وأعراضكم وأموالكم)، فحرم أن يضرب الإنسان بغير حق، وأنذر باللعنة من ضرب إنساناً ظلماً، وحرم الإيذاء المعنوي للإنسان، فحرم السخرية منه، واغتيابه، وحرم الهمز واللمز والتنابز بالألقاب، وشرع حد الجلد ثمانين جلدة للذين يقذفون المحصنات بالزنى، وشرع عقوبات تعزيرية لمن طعن بكرامة الناس أو شهد عليهم زوراً .

ولم يكتف الإسلام بحماية كرامة الإنسان في حياته، بل كفل له الاحترام بعد مماته، فشرع غسله وتكفينه ودفنه، والنهي عن الاعتداء على جثته، قال صلى الله عليه وسلم: (كسر عظم الميت ككسره حياً) رواه أبو داود.

سابعاً: حفظ الأمن :

شرع الإسلام حد الحرابة على الذين يخلون بالأمن، فيقطعون الطريق ويعتدون على الأموال أو الأنفس، ويخيفون الناس، قال تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً، أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض...) وقد شرع عقوبات تعزيرية رادعة على الذين بخلون بالأمن عن طريق الفتن أو الشائعات المرعبة، قال صلى الله عليه وسلم: (المرعبون في النار) وقال: (من أشار إلى أخيه بحديدة لعنته الملائكة)، فمن حق المسلم في النظام الإسلامي أن يعيش آمناً على نفسه وماله وعرضه.

ثامناً: حفظ الدولة:

أوجب الإسلام على المسلمين أن تكون لهم دولة تحكمهم بما أنزل الله، وتحمل رسالة الإسلام إلى الناس كافة، وأوجب عليهم أن ينصبوا عليهم خليفة واحداً، يبايعونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وحرم عليهم أن يظلوا أكثر من ثلاثة أيام دون خليفة ودون دولة إسلامية، ورتب على كل مقصر في ذلك عقوبة شديدة، قال صلى الله عليه وسلم: (ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) وقد أخر الصحابة دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظاً لهذه الدولة، فبايعوا أبا بكر الصديق خليفة له قبل دفنه، تقديراً لهم لأهمية هذه الدولة التي ترعى شؤون المسلمين بالإسلام، فتحمي الثغور، وتنفذ الحدود، وتحافظ على النفوس

فمن حق المسلم أن تكون له دولة ترعى شؤونه بالإسلام الذي آمن به عقيدة ونظام حياة، وقد ضمن له الإسلام هذا الحق فجعل إقامة الدولة فرضاً على الكفاية وهو من أجلّ الفروض وأعظمها كما دلت على ذلك النصوص الشرعية.

هذا بالنسبة للضروريات أما الحاجيات: فهي الأمور التي يحتاجها الناس لرفع الحرج عنهم، ولتخفيف أعباء التكاليف عليهم، ففي العبادات كلفهم بما يستطيعون، وشرع لهم الرخص تخفيفاً عليهم إذا كان تنفيذ الحكم في ظرف من الظروف، أو في حالة من الحالات مشقة لهم،

ففي العبادات أباح للمسافر أو المريض أن يفطر في رمضان، وأباح للعاجز عن القيام أن يصلي قاعداً وهكذا ..

وفي المطعومات أحل لهم الطيبات، وحرم عليهم الخبائث ورخص للمضطر أن يأكل ما حرم عليه حفظاً لحياته من الهلاك، قال تعالى: (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم).

وفي العقوبات وضع لهم قواعد: (تدرأ الحدود بالشبهات) وشرع الدية على العاقلة في القتل الخطأ تخفيفاً عن القاتل.

وأما النوع الثالث من المصالح فهو التحسينات: والتحسينات هي الأمور التي تحسن حال الناس، وتجعلها على وفاق ما تقتضيه الحياة الكريمة، من مروءة ومكارم أخلاق.

ففي العبادات شرع الطهارة للبدن والثوب والمكان وندب أخذ الزينة عند كل مسجد أي كل صلاة.

وفي المعاملات حرم الغش والتدليس والخداع، وحث على السماحة والأمانة

وفي الحرب حرم قتل الرهبان والصبيان والنساء غير المحاربات، ونهى عن المثلة والغدر وقتل الرسل، وقتل غير المحاربين كالمزارعين والأجراء.

وفي العقوبات حرم التعذيب لإثبات التهمة، وأمر بإحسان تطبيق العقوبات.

وفي الأخلاق طلب الاتصاف بالصدق والعفة والأمانة، ونهى عن الكذب والفحش والخيانة، مما يوجد الود والاحترام والثقة بين أفراد المجتمع.

والجاجيات والتحسينات تكمل الضروريات وتعززها، مما يساعد المسلم أن يعيش حياة آمنة كريمة عزيزة.

فلا بد للمسلمين إذا أرادوا النهوض والرقي، والعيش بطمأنينة وكرامة أن يعودوا إلى دينهم الحق، يستنطقون مصادره ونصوصه، في كل ما يعترضهم من مشكلات، وفي كل ما يستجد من أحداث ومصطلحات، ليجدوا فيه العلاج الشافي لها، والقول الفصل فيها، وعليهم أن لا يخدعوا بالشعارات الزائفة، وبالمصطلحات الغربية البراقة، فالفكر الإسلامي، فكر سامٍ، منبعه الوحي الإلهي، بينما الفكر الغربي الرأسمالي، فكر وضعي بناه البشر على عقيدة كفر، وشتان ما بين الفكرين، قال تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) .

إخوة الإيمان أشكر لكم حسن استماعكم وتواصلكم معنا وإلى أن ألتقي بكم في موضوع جديد أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمد حسين عبدالله

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.