علم ينتفع به- عناصر قوة الدولة ج2
January 02, 2010

علم ينتفع به- عناصر قوة الدولة ج2

كنا قد تحدثنا في الحلقة السابقة حول موضوع: ((عناصر قوة الدولة)). وفصلنا الحديث عن العناصر الثلاثة الأولى وهي:
1. وجهة النظر عن الحياة.
2. العامل الاقتصادي والتكنولوجي.
3. العامل الديمغرافي.
واليوم سنكمل باقي الحديث عن العناصر الثلاث الأخيرة ألا وهي:
4. القوة العسكرية.
5. العامل الجغرافي.
6. الدبلوماسية.

4. القوة العسكرية: القوة العسكرية هي القدرة القتالية للدولة, وهي تشمل جميع الموارد البشرية والمادية التي تستطيع الدولة حشدها للمعركة, ومقوماتها العامل الديمغرافي والعامل الاقتصادي والتكنولوجي.
ومجرَّد وجود القوة العسكرية يعني احتمال استعمالها, ولذلك فهي تلوح دائماً وراء جميع تصرفات الدولة الخارجية, وتتصدر الأعمال عند انهيار الدبلوماسية. والقوة العسكرية لا تنفصل عن إرادة استعمالها, فقوة الإرادة في استعمالها من قوتها, أي قوة لها, وضعف الإرادة ضعف لها. والقوة العسكرية هي إحدى أدوات السياسة, بها تفرض الدولة إرادتها على الخصم في صراع الإرادات في الميدان, إذ الحرب استمرار للسياسة ولكن بوسائل أخرى. وبها تلوِّح الدولة لإجبار الخصم على تقديم التنازلات المُرضية, وبها تردع الخصم عن القيام بعمل مُعادٍ. لذلك فإن القوة العسكرية هي عنوان قوة الدولة وأبرز عناصرها, تعطيها الدولة جلَّ عنايتها, فتقدم المدفع على الرغيف, فبالمدفع تصان الكرامة وتصان الحقوق.
والقوة العسكرية ليست غاية في حدِّ ذاتها, وإنما هي وسيلة من أجل غاية, فهي وسيلة لتحقيق المصالح والدفاع عنها. وحتى لا تبقى العلاقات الدولية علاقات حرب دائمة, تقوم كل دولة عادة برسم الخطوط بين ما تحتمله, وما هي مستعدة للدفاع عنه بالقوة, فتنذر الخصم بعدم الاقتراب من نقطة اللاعودة. وقد أدت التكنولوجيا إلى قفزة نوعية في الأسلحة مما جعل التحضير للحرب لا يأخذ وقتاً مكشوفاً, فالهجوم المباغت, وحرب الإجهاض, والحرب الوقائية تبقى ماثلة, مما يستدعي أن تبقى القوات العسكرية لأية دولة في يقظة تامة. وفي العادة لا تُبقي الدول جميع قواتها تحت السلاح, وإنما تكتفي بقوة كافية لردع الخصم. ولكنها تحتفظ في الوقت نفسه بأنجح السيل وأسرعها للتعبئة العامة.
ويشكل الاستعمال الفعلي للقوة العسكرية في العادة الملجأ الأخير للدولة, فتلجأ الدولة لاستعمال قوتها العسكرية بعد أن تفشل أدواتها الأخرى كالدبلوماسية, والضغوط الاقتصادية, والمناورات, والتهديد باستعمال القوة.
وقد مثلت الأسلحة النووية ووسائل حملها من صواريخ وطائرات بعيدة المدى فتحاً جديداً في القوة العسكرية. والأسلحة النووية أسلحة هجومية أوجدت تغييراً في التفكير العسكري, كما أوجدت مأزقاً عسكرياً لعدم التوصل إلى أسلحة مضادة لها, أي عدم القدرة على الدفاع الفعال أمام استعمالها. والحل الوحيد المتوفر للدول يكمن في الردع, فتحاول كل دولة الحصول على سلاح نووي, إن لم يكن من أجل الهجوم, فمن أجل الردع. وكما يشكل استعمال القوة العسكرية الملجأ الأخير, فإن استعمال الأسلحة النووية يبقى الملجأ الأخير في حال استعمال القوة العسكرية, وهذا من شأنه أن يُبقي للأسلحة التقليدية هامشاً واسعاً, بل يُبقي استعمال القوة التقليدية هو الخيار الوحيد إذا تساوت قوة الخصمين النووية, أو إذا تحقق لكل منهما القدرة على إصابة الآخر بالدمار الشامل, أو بأذى لا يمكن احتماله.
وسيبقى سباق التسلح في العالم, وتطوير الأسلحة, واكتشاف أسلحة جديدة, يندفع على جميع المستويات. وما يقال عن تفكير في نزع شامل للأسلحة النووية لا يزيد عن دغدغة لعواطف الرأي العام العالمي, ولإبقائه حكراً على بعض الدول الكبرى, فالسلام العالمي بين الدول الكبرى يقوم على الرادع النووي.
5. العامل الجغرافي: ويشمل اتساع البلد وموقعه الجغرافي, والطبيعة الجغرافية لأرضه ومناخه, فصعوبة العيش في الجزيرة العربية أثرت قديماً في بناء الإنسان من حيث قوة التحمل والقدرة على القتال, كما قللت رمالها وصحاريها من إمكانية غزوها. واتساع روسيا وكثرة الدول المجاورة لها مكن روسيا من التوسع في جهات متعددة, فكانت تتوسع في أوروبا, فإن أعياها ذلك توسعت في الشرق وفي الجنوب. وقد ساهمت ثلوج روسيا في هزيمة كل من نابليون وهتلر. وكان لبحر المانش (القنال الإنجليزي) الذي يفصل بريطانيا عن أوروبا الأثر الأكبر في حماية بريطانيا من غزوات الدول الأوروبية. كما أن الدول موقع أمريكا الحصين المحاط بالمحيطات أكسبها قوة, وحماها من غزو الدول الكبرى في أوروبا وفي آسيا بعد استقلالها عن الدول الأوروبية. أما موقع بولندة بين جارين قويين: ألمانيا وروسيا, فقد أدى لاقتسامها أربع مرات من قبل جيرانها, فسبب الموقع تسلط أمم على أمم, وشعوب على شعوب. ومن هنا فقد احتلت سياسة المناطق العازلة مكاناً واضحاً في العلاقات الدولية. وقد ضعف هذا العامل أمام الأسلحة المتطورة, فأصبحت الحدود الآمنة من أفكار الماضي, كما ضعفت سياسة الدول والمناطق العازلة في السياسة الدولية.
6. الدبلوماسية: تتكون المؤسسة الدبلوماسية في الدولة من قسمين:
1. الدائرة الحكومية التي تعهد إليها الدولة بتنفيذ السياسة الخارجية, مثل وزارة الخارجية.
2. البعثات الدبلوماسية في الخارج المتمثلة بالسفارات وما يقوم مقامها, أي الرسل بين الدول بجميع أنواعهم.
وعمل الدبلوماسيين هو تنفيذ السياسة الخارجية, وإدارة العلاقات السياسية وليس صنعها. كما أن من عملها تقديم المعلومات والمشورة لصانعي السياسة الخارجية لتساعدهم في رسم السياسة الصحيحة. وحتى يتسنى لهم ذلك فلا بدَّ لهم من أن يخترقوا البلد الذي يعيشون فيه, وأن يوجدوا لأنفسهم صلات قوية بصانعي القرار, وراسمي السياسة في ذلك البلد, وبأركانه المؤثرين فيه حتى يكونوا على دراية بكل ما يجري فيه, فيعرفون مصالحه الحيوية, وتوجهاته السياسية وصلاته. لذلك يختار الدبلوماسيون من نوعية معينة, ويخضعون لثقافة خاصة. وعمل الدبلوماسية الرئيسي هو المفاوضات, والمفاوضات تعني المساومات, والمساومات تعني التسويات, والتسويات نعني تقديم تنازلات للآخرين والحصول على تنازلات من الآخرين, فهي عملية ربح وخسارة, والدبلوماسي الناجح هو الذي لا يدفع أكثر مما يريد, ولا يحصل على أقل مما يريد.
والمساومة السياسية كالمساومة التجارية, فيعرض البائع السلعة بأكثر مما يريد بيعها به حقيقة, ويدفع فيها المشترى أقل مما يريد دفعه فيها فعلاً, وأمهرهما من يستطيع تغطية موقفه أكثر. وعلى المفاوض أن يتصف بالصبر والمصابرة وطول النفس, إذ قد تمتد المفاوضات شهوراً, وقد تمتد سنين لأن كلا الطرفين يريد أكثر مما يكون الطرف الآخر مستعداً للتنازل عنه.
ونكون المساومات في المصالح الثانوية, ولا تكون في المصالح الحيوية, لأن المصالح الحيوية ليست موضع مساومة, وإنما تحارب الدولة من أجلها. لذلك ليس على المفاوض أن بعرف فقط موقع المسألة المتفاوض عليها من مصالح بلده, وإنما أيضاً موقعها من مصالح المفاوض الآخر. وقد يكون في نية المفاوض الآخر العدوان, وأنه لا يريد تسوية عند نقطة في الوسط يلتقيان عندها, وإنما يريد فرض ما يريد, فإذا قدمتَ له تنازلات طالب بمزيد منها, فهو رسول حرب يريد خلق الظروف لتـلك الحرب أو استسلاماً كاملاً للخصم دون حرب, أي أن المفاوضات تكون معادلة للحرب, كما فعل هتلر في مفاوضات النمسا قبل ضمها, وفي مفاوضاته مع تشيكوسلوفاكيا.
وكثيراً ما تكون الدبلوماسية دبلوماسية القوة, أي أن الدولة تدعم الدبلوماسيين المفاوضين بالقوة العسكرية, فتستنفر قوتها العسكرية وتنشرها وتلوَّح باستعمالها في حال فشل المفاوضات وإذا لم يتنازل الخصم عن أمور معينة, كما لوحَّت أمريكا باستعمال قوتها النووية إذا لم يجر الإسراع في المفاوضات حول كورية, وإذا لم تؤدِّ المفاوضات إلى نتائج مرضية.
والحكمة في الدبلوماسية تشكل أحد مصادر قوة الدولة لأنها أداة للحصول على المغانم ودرء المفاسد والخسائر, بها تستطيع الدولة تجميع الأصدقاء, وتفريق الخصوم, وإيجاد الظروف المواتية لتحقيق الأهداف, فهي تعادل القوة العسكرية, وقد تعوِّض الدولة عن ضعف قوتها العسكرية كما فعلت دبلوماسية مترنيخ لإمبراطورية النمسا في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
وقد عانت الدبلوماسية التقليدية مؤخراً من الضعف بسبب تقليص الدول لدورها, واعتمادها عوضاً عنهم على المبعوثين الخاصين وبلقاءات القمة, ويكاد ينحصر دورها في الوقت الراهن في الشؤون القنصلية ونقل الرسائل وجمع المعلومات والتجسس والدسائس وإثارة الفتن, وإثارة الفتن تقتضي اتصالات السفارات بمراكز التوتر وفصائل الرفض في الدول التي تعمل فيها.

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.