المعلم الرابع: إثبات وجود الخالق (ح5)
July 29, 2012

المعلم الرابع: إثبات وجود الخالق (ح5)

أيها المسلمون:
مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:
ثانيا: إثبات وجود الخالق بالطريقة التي يحتاج فهمها إلى تركيز وإعمال عقل:

أيها المؤمنون:
من خلال خبرتي المتواضعة في التدريس, والتي استغرقت أكثر من خمسة وعشـرين عاما وجدت أن أفضل الطرق, وأرقى الأساليب لإيصال الأفكار والمعلومات هي طريقة السؤال والجواب؛ لذا فإني سأسلك هذه الطريقة وسأتبع هذا الأسلوب في إثبات وجود الخالق بالطريقة العقلية المفصلة لمن لا يقتنع بالطريقة السهلة الميسرة, وهو يمر في مرحلتين:

المرحلة الأولى: مرحلة إثبات العجز والنقص والاحتياج للأشياء المدركة المحسوسة.
المرحلة الثانية: مرحلة إثبات المحدودية للأشياء المدركة المحسوسة.
فإذا أثبتنا هذه الصفات للأشياء المدركة المحسوسة, فإننا نكون قد توصلنا إلى أنها مخلوقة لخالق خلقها وهو الله تعالى الذي يتصف بصفات تناقض صفات هذه الأشياء المخلوقة, فهي تتصف بالعجز والنقص والاحتياج والمحدودية, وهو سبحانه يتصف بالقدرة والكمال والغنى, وعدم المحدودية.

أولا: مرحلة إثبات العجز والنقص والاحتياج للأشياء المدركة المحسوسة:
أيها المؤمنون: وللسير في هذه المرحلة أوجه سؤالي لمن أريد إقناعه بموضوع حلقتنا, وأتركه يجيب, وإن عجز عن الإجابة أساعده في الوصول إليها, ولا أنتقل معه في النقاش من نقطة إلى أخرى حتى أشبع الأولى بحثا وأتفق وإياه عليها.
السؤال الأول: عدد مدركات العقل التي يستطيع العقل إدراكها عن طريق الحواس الخمسة المعروفة, واحصرها في أشياء ثلاثة أساسية.
الجواب: الأشياء التي يدركها العقل, وتقع تحت الحواس تنحصر في ثلاثة لا غير هي: الكون والإنسان والحياة. فالشمس والقمر والنجوم وسائر الكواكب التي تسبح في الفضاء, والسماء والأرض والسهول والجبال والصحارى الشاسعة والبحار الزاخرة والمحيطات العميقة, كلها تندرج تحت مسمى الكون. والإنسان هو ذلك الكائن الحي المعروف الذي يعيش على سطح الأرض, وقد أفرد وفصل عن سائر الكائنات الحية لتميزه بالعقل. والحياة هي ما نشاهده في الكائنات الحية من الحركة والنمو والتكاثر, وهي موجودة في الإنسان والحيوان والنبات, وسائر الكائنات الحية, صغيرها وكبيرها, ذكرها وأنثاها. ومظهرها فردي, تبدأ في الفرد, وتنتهي فيه.

السؤال الثاني: هل هذه المدركات موجودة قطعا؟
الجواب: كون هذه المدركات المحسوسة موجودة أمر قطعي لأنها مشاهدة بالحس.
السؤال الثالث: هل الأشياء المدركة المحسوسة عاجزة وناقصة ومحتاجة إلى غيرها؟
الجواب: كون هذه الأشياء المدركة المحسوسة عاجزة وناقصة ومحتاجة إلى غيرها أمر قطعي لأنها بالمشاهدة لا تستطيع التصرف والانتقال من حال إلى حال إلا بغيرها.
السؤال الرابع: أعط أمثلة على احتياج الأشياء المدركة إلى غيرها.

الجواب: الأمثلة على احتياج الأشياء المدركة المحسوسة إلى غيرها كثيرة نذكر منها ثلاثة:
مثال (1) النار تحرق إذا كانت المادة الأخرى فيها قابلية الاحتراق, فهي محتاجة إلى المادة القابلة للاحتراق.
مثال (2) وبعض الأحماض تذيب بعض العناصر ولا تذيب غيرها, فهي محتاجة إلى العناصر التي فيها قابلية الذوبان.
مثال (3) وبعض العناصر تتحد مع عناصر أخرى وتتفاعل معها ولا تتفاعل مع غيرها, فهي محتاجة إلى العناصر التي فيها قابلية الاتحاد والتفاعل.
السؤال الخامس: هل يقال: إن الأشياء المدركة المحسوسة احتاجت لبعضها, ولكنها في مجموعها مستغنية عن غيرها؟
الجواب: لا يقال ذلك؛ لأن الحاجة إنما تبين وتوضح للشـيء الواحد, وتلمس لمسا, ولا تفترض افتراضا لشـيء غير موجود, فالأشياء التي من الكون لا يحصل من اجتماعها شيء يحصل منه الاستغناء أو الحاجة. فالحاجة والاستغناء متمثلة في الجسم الواحد, ولا يوجد شيء من مجموع ما في الكون حتى يوصف بأنه مستغن أو محتاج, فإنه يكون وصفا لشـيء متخيل الوجود, لا لشيء موجود, ولذلك يرد هذا السؤال, لأنه سؤال فرضي تخيلي لا يجاب عنه.

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.