August 21, 2012

الرسائل الفقهية للثورة الإسلامية

إن الفقه يمثل الحد الفاصل بين النجاح والفشل في أي مجتمع ما ، ويمثل صمام الأمان وحجر الزاوية بالنسبة للأمة الإسلامية التي تتطلع نحو النهضة . وفي ظل الحراك السياسي الراهن أو ما سمي بالربيع العربي يتساءل الجادون من أبناء الأمة والراغبون في الثورة الإسلامية يتساءل كل هؤلاء عن جدوى التظاهرات والانتفاضات وإلى أي مدى يمكن أن يتحقق مضمون شعار الثوار ( الشعب يريد إسقاط النظام ) .. وقد انقسم المهتمون بهذا الأمر إلى عدة مذاهب فمنهم من قال إن تغيير الإدارات الحاكمة الحالية لهو مطلب شرعي يزكيه الإسلام ويباركه ، ومنهم من يرى عكس ذلك تماماً فيقول بحرمة الخروج على الحكام وضرورة الصبر على أذاهم وإن ضربوا ظهر الشعوب وأكلوا أموالهم ، وهناك أصحاب المذهب الصامت وهم الأغلبية والأكثرية التي تجلس على مدرجات المشاهدة والمتابعة عن بعد .


وكما اختلف الناس في نظرتهم لهذه التظاهرات كذلك اختلف المتظاهرون أنفسهم في الغايات والأهداف التي يسعون نحوها فظهر من بينهم المذهب الديمقراطي الذي يرى أن الإشكالية الحقيقة هي عدم وجود حكم ديمقراطي في البلاد الثائرة ولذلك جعلوا من المطالبة بالديمقراطية غاية عليا وهدفاً نبيلاً يسعون لتحقيقه من خلال التظاهرات والضغط على الحكام . وكذلك وجد من يطرح الشعارات التحريرية التي تدعو لتحرير البلاد من كل أشكال الاستعمار والتسلط الأجنبي على مقدرات وثروات الأمة ، وأصحاب هذا الرأي يقولون إن الأزمة الحقيقة والمشكلة الجوهرية تكمن في وجود دساتير وأنظمة وقوانين تخالف عقيدة الأمة فهي أس الداء وسبب البلاء لذلك تراهم يدعون إلى اجتثاث هذه الأنظمة من جذورها باعتبار أن هذا هو طريق الصلاح والنجاح للثورة . وفوق كل هذا وذاك تنشأ الحاجة الملحة لوجود فقه يفسر تلك الممارسات التي يقوم بها بعض الثوار من إتلاف للممتلكات والمنشآت. فالحكام يعتبرون من يقوم بهذه الأعمال ما هم إلا جرذان يجب إبادتهم والضرب على ظهورهم بيد من حديد ولذلك تطلق العنان لأصحاب شرطتها وأجهزة أمنها لتقول كلمتها عبر البنيان وأسوار القضبان وكل أشكال التنكيل والتهديد والترويع . ولما كنا نعاني من الانحطاط والانحدار الشديدين كان تطلعنا نحو النهضة أمراً مشروعاً بل هو مطلب واجب .. فكيف السبيل إلى النهضة ؟ وما هو الفقه الذي يجب أن يلازم الثوار لتحقيق هذه الغاية ؟


وقبل أن ندلف إلى تفصيلات الموضوع دعونا نعرف الثورة مناط البحث فهناك عدة تعريفات للثورة منها ذلك التعريف الذي ظهر مع الثورة الفرنسية وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة، وقد طور الماركسيون هذا المفهوم بتعريفهم للنخب والطلائع المثقفة بطبقة قيادات العمال التي أسموها البرولتاريا، ومن خلال استقراء أحكام الإسلام نستطيع أن نعرف الثورة الإسلامية التعريف التالي : ( الانتفاض على الواقع الفاسد وفقاً لما تمليه عقيدة الإسلام من فقه في ممارسة التغيير بالحجة والموعظة الحسنة والبرهان المبين لإفهام الناس أحكام الإسلام من أجل أن يتبنوها لتطبق عليهم في معترك الحياة) وبهذا المعنى للثورة نستطيع أن نقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول الثائرين وإمام المنتفضين على الشرائع الأرضية من أجل سيادة الشرعة السماوية الإسلامية يقول الحق تبارك وتعالى (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) فقد خرج رسولنا الكريم في أول تظاهرة له في تاريخ هذه الأمة يوم أن خرج بمكة وصحابته الكرام في صفيين على رأس احدهما الصحابي الجليل حمزة بن عبد المطلب وعلى الصف الثاني الصحابي الجليل الفاروق عمر بن الخطاب في سياق دقيق ومنظم لم تعهده جزيرة العرب من قبل فكان أن طاف بهم الكعبة الشريفة معلناً الثورة الإسلامية الكبرى على كل الأديان الوضعية والكهنوتية.


وهنا يجب التفريق بين الثورة الإسلامية - التغيير الجذري للواقع - والأساليب والوسائل التي تخدم تلك الثورة ، فالتظاهرات والمسيرات وغيرها تعتبر من الأساليب التي تخدم الثورة فتحقق من خلالها مكاسب سياسية لكنها ليست هي الثورة المرجوة .


وهنا نورد بعض الأهداف التي يمكن للثوار تحقيقها من خلال هذه التظاهرات:


أولاً : إشاعة ثقافة النضال والكفاح والمواجهة ضد الظلم والقهر لدى جماهير الأمة مما يشيع فيها أجواء النضال العقدي والكفاح السياسي وهذا مطلب شرعي .


ثانياً : تدرك الأغلبية الصامتة من أبناء الأمة أن فكرة هؤلاء الثوار فكرة عملية يمكن المطالبة بتطبيقها والإصرار على تنفيذها مما يجعلهم يلتحقون بالركب الثائر وبهذا تنمو الثورة نمواً مطرداً من علٍ إلى أعلى .


ثالثاً : إن خروج الثائرين للمطالبة بتطبيق الإسلام تجعل إمكانية تواصلهم مع العسكر وأصحاب القوة أمراً في متناول اليد وتحرك إرادة العسكر في اتجاه نصرة الثائرين .


رابعاً : يرسل الثوار لشريحة العلمانيين الرافضين لتحكيم الدين في العمل السياسي رسالة شديدة اللهجة مما يجعلهم يدخلون جحورهم ولا يجاهرون بعداوتهم ورفضهم لتطبيق الإسلام .


خامساً: يدرك الحكام أنهم يحكمون أمة حية فاعلة مما يجعلهم يتراجعون عن الكثير من سياساتهم الخرقاء انصياعاً لرغبات الجماهير الثائرة وسعياً منهم للمحافظة على الاستمرار في الحكم وعدم إغضاب الجماهير .


سادساً : من خلال التظاهرات الجماهيرية تكون الأجواء مهيأة لمخاطبة الجماهير وتغذيتها بالأحكام الشرعية العملية .


سابعاً : تتيح التظاهرات لحملة الدعوة من أبناء الأمة الظهور بمظهر القادة الواعين المدركين دقائق الأمور وبواطنها وتبرزهم كقيادات بديلة للأوساط السياسية المتحكمة في مجريات الأحداث في بلدانهم .


تلك سبعة كاملة أردنا من خلالها أن نشير إلى بعض الأوجه الحسنة التي يمكن أن تصاحب التظاهرات والانتفاضات في بلاد المسلمين.


أما المخالفات الشرعية التي يمكن أن تحدث في هذه التظاهرات فنشير إليها كالآتي :


أولاً : أعمال التخريب للممتلكات والمنشآت التي عادة ما تبدر من بعض المتحمسين والناقمين على النظام القائم .


ثانياً : قد تحاول بعض الجماعات الطفيلية الرأسمالية اعتلاء أكتاف الجماهير ومحاولة توجيه الثورة في الاتجاه الديمقراطي العلماني .


ثالثاً : رفع المتظاهرين لبعض الشعارات التي تناقض عقيدة الأمة بجهل أو عدم وعي منهم .


رابعاً: ردة الفعل العنيفة من الدولة حيث تطلق أيدي جلاوزتها وشرطتها لتتفنن في ضرب وقهر وإيذاء المسلمين.


إن من أخطر القضايا التي يمكن أن تواجه مسار الثورة وتجعل منها حركة لولبية تنتهي بالخمود واليأس هي قضية ( شخصنة الأزمات ) ونعني بها أن يتبادر إلى أذهان الثوار أن المشكلة تكمن في وجود أشخاص فاسدين، ومن ثَمَّ هم يحاولون الإتيان بمن يظنون أنهم شرفاء لعلاج المشكلة ..ومن هنا كان لزاماً على مريدي النهضة أن يبينوا للثوار أن المشكلة ليست وجود أشخاص فاسدين - وإن كان هذا واقعاً - وإنما المشكلة الحقيقية وسبب الأزمات المتلاحقة هي وجود فساد بنيوي في النظام المطبق. ولتوضيح هذا الأمر يحتاج حامل الدعوة لأن يتناول نماذج من السياسات المبنية على وجهة النظر الرأسمالية ليبين للناس فسادها وأوجه الظلم فيها ، وعلى سبيل المثال عندما يتحدث الناس عن الضائقة المعيشية ويعتقدون أن الحل يكمن في إقالة وزير المالية باعتباره شخصاً فاسداً نقول لهم إن المشكلة في الضائقة المعيشية ليس سببها وجود وزير فاسد في وزارة المالية، وإنما المشكلة أن هذه الوزارة تتبنى مجموعة من السياسات مبنية على أساس قوانين وأنظمة تعتبر مخالفات شرعية في المقام الأول وهي تفرخ الظلم بشكل طبيعي، وهي في ذاتها تعتبر ظلماً باعتبارها شرعة أرضية وحكماً بغير ما أنزل الله ..ولا نكتفي بذلك بل نوضح كيف أن الإسلام عالج هذه المشكلة علاجاً جذرياً فمثلاً:


* حرم الإسلام الضرائب والجمارك وضريبة القيمة المضافة وأكل أموال الناس بالباطل وهذه كلها تساهم في غلاء السلع والخدمات وضنك المعيشة التي يعاني منها الناس. يقول صلي الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة صاحب مكس).


* لا يجوز في النظام الاقتصادي في الإسلام التعاملاتُ الربويةُ القائمةُ اليوم كالاقتراض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مما يجعل الدول عرضة لفقدان إرادتها والتبعية العمياء للدول الدائنة والدخول مع رب العالمين في حرب لا طاقة لنا بها .( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .. ).


* عالج الإسلام مشكلة الفقر بأن أوجب على الدولة توفير المأكل والملبس والمسكن لكل من لا يستطيع ذلك من رعاياها بقطع النظر عن دينهم أو لونهم ..حتى إنه شرع قوانين في حالة عدم مقدرة الدولة القيام بهذا الفرض، فتفرض الدولة على فضول أموال الأغنياء ضريبة - غير دائمية - لسد العجز حتى توفر التطبيب والتعليم والأمن لمجموع الناس من رعاياها.


* جعل الإسلام الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار، ولذلك تعتبر المعادن التي لا تنقطع من ذهب وفضة وبترول ويورانيوم وغيرها جعلها الإسلام ملكية عامة فأوجب على الدولة توزيع ناتج هذه المعادن على أبناء الأمة توزيعاً عادلاً بغض النظر عن حاجتهم لهذا المال أو عدم حاجتهم له باعتبارها ملكاً لهم فليس للدولة من عائداتها سوى تكلفة التنقيب والتكرير والتعدين وما إلى ذلك .


* إن النظام الاقتصادي في الإسلام يهتم بالحيوان والطير والنبات والجماد، فضلاً عن اهتمامه بالإنسان، فهو نظام يقوم على أساس رعاية شئون الناس وتمكينهم من إشباع حاجاتهم الأساسية والكمالية من خلال مجموعة من الأحكام الشرعية التي فرضها لذلك .. وهذا يشمل بيئتهم المحيطة بهم، والتي هي مسخرة للإنسان، والأمثلة تطول في هذا السياق.


وهكذا يتفقه الثوار بالأحكام الشرعية العملية التي فرضها الله تبارك وتعالى لعلاج مشكلاتهم التي ثاروا من أجلها كما يتضح لهم فساد وبطلان الأنظمة المطبقة عليهم اليوم باعتبارها مخالفات شرعية ونبين ذلك من خلال توضيح حرمتها ومناقضتها للشريعة الإسلامية .


ويجب أن يعلم الثوار أن التظاهرات والانتفاضات والاعتصامات ما هي إلا أساليب يتبناها الثوار لتحقيق مكاسب سياسية، وهي ليست مطلباً في حد ذاتها ولا غاية، وإنما المطلب هو الأهداف التي قامت من أجلها الثورة وبعثت من أجلها الأمة تلك التي لخصها ربعي بن عامر عندما وقف مخاطباً رستم قائلاً له: (نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) . ولما كانت هذه هي غاية التظاهرات كان طبيعياً أن يلتزم المتظاهرون بأحكام الإسلام الذي حرم الضرر والإيذاء وأعمال التخريب فكل هذه مخالفات شرعية يحرم القيام بها من قبل الثوار أو غيرهم .


عصام أحمد أتيم

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.