April 22, 2010

الشباب ماهيتهم ودورهم

 هي المرحلة التي ينمو فيها الفتى او الفتاة ليصبح مكتمل الجسم والعقل ,حيث ينمو جسمه فتقوى عظامه وتشتد عضلاته وتكتمل القوة العقلية لديه ,ويمتلئ بالطاقة والحيوية .
وتتميز مرحلة الشباب بالاندفاع والتحدي والجرأة والثقة ,والسبب يعود الى احساس الشاب بالقوة البدنية الكبيرة والمفاجئة التي تعتريه وبالطاقة الهائلة التي تجتاحه فتشعره بان لا شيء يمكن ان يقف امامه او يحد من اندفاعه ,وانه قادر على تحقيق كل ما يريد .
ولعل هاتين الميزتين هما سبب تسمية هذه المرحلة من عمر الانسان بمرحلة الشباب .
اذ الشباب في اللغة جمع شاب وذلك هو النماء والزيادة بقوة الجسم وحرارته
وهي مشتقة من الاصل شَبَّ الذي يدل على نماء الشيء وقوته في حرارة تعتريه .
ومن ذلك شَبَبْتُ النار اَشُبُّها شَبَّا وشُبُوبَا وهو مصدر شبَّ
وكذلك شببتُ الحربَ اذا اوقدتُها
فالاصل هو شَبَّ ثم اشْتُقَّ منه الشباب الذي هو خلاف المشيب
حيث يقال :شبَّ الغلامُ شبيبا وشبابا
فتسمية هذه المرحلة من عمر الانسان بهذا الاسم ناتج عن ما يتمتع به الشباب من قوة جسمية وطاقة متوقدة دافعة للحياة والحركة والطموح......
فلا عجب والحال كذلك ان نرى من تجمع حول الرسول صلى الله عليه وسلم في بداية دعوته هم الشباب فهم الذين يتوقع منهم النظر والبحث والتفكير في هذه الحياة ليستطيع ان يعيشها بكل ما فيها من متع وبكل ما لديه من طاقات.فهو لم تتركز فيه مفاهيم الجاهلية بعد بحيث يصعب عليه اقتلاعها ,وهو في ذات الوقت يشعر بطاقة تدفعه للبحث عن اجابات عن الحياة التي يحياها والكون الذي يعيش فيه والانسان الذي ينتمي اليه ,فلما جاءته الاجابات الوافية المقنعة للعقل والموافقة للفطرة تلقفها وانهمك يتفهمها وينضبط بضوابطها ولم يستغرق وقتا طويلا حتى اصبح صاحبُ دعوة وحاملٌ لها .
وان دور الشباب في حمل الدعوة الاسلامية مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يعرفه كل من اطلع على سيرته عليه الصلاة والسلام سواء في مرحلة ما قبل الهجرة او ما بعد الهجرة وبناء الدولة الاسلامية .
فمن ذا الذي قرأ السيرة النبوية ولم تنطبع في ذاكرته قصة مصعب الخير وعلى بن ابي طالب والموقف الشامخ الذي وقفه جعفر بن ابي طالب امام النجاشي,اما بعد الهجرة فلا احد ينسى القائد المقدام ابن السابعة عشر اسامة بن زيد ,ولا حبر الامة عبد الله بن عباس ,او عبد الله بن الزبير وغيرهم الكثير لو تركت المجال لقلمي لما توقف لكن المقام لا يتسع .
فالشباب الذي يعني الحيوية والقوة والاقدام كما يعني الصفاء والنقاء يجب ان يكون هو الهدف لحملة الدعوة لتستمر روافدها من الكوادر المقدامة المعطاءة تتدفق وينتشر ويتوسع نشاطها وحركتها لتصل الى الامة في كل ميادينها وتحافظ على تواصلها وعلاقتها معها قوية متبنة .
وهنا يجدر بي ان الفت الانتباه الى مسألة هامة بل هي الدافع لي لكتابة هذا الموضوع
انها محاولة الاجابة عن سؤال لعله عرض لبعضكم كما عرض لي هذا السؤال وهو: لم سمى الجزب افراده ب الشباب رغم ان منهم الشباب والكهول والشيب الا انه يطلق عليهم جميعا اسم الشباب
اترى لان الاعم الاغلب منهم هم من صغار السن ؟
ربما لكنني ارى السبب اعمق من ذلك
وعندما تبحث في ميزات افراد الحزب او الميزات التي يتطلبها الحزب في افراده نجد انها هي هي الميزات التي يتمتع بها الشباب طبيعيا
الطاقة القوة الجرأة الاقدام
فتسمية افراد الحزب بالشباب تبين المسؤوليةَ الهائلةَ المطلوبةَ منهم
فهي وصف يجب ان يتصفوا به حتى يكونوا حقا من الحزب
والحزب يبذل جهده ليجعل من افراده شبابا دائمي الحيوية والنشاط
فهو ما ان يضم احدا للدراسة في صفوفه حتى يبدأ بتركيز العقيدة لديه حتى تصبح عنده الطاقة المتوقدة الدائمة فتدفعه الى الاقبال على الثقافة الحزبية والاسلامية ليتم بناء نَفْسِهِ عقليةً ونفسيةً ليصبح شخصية اسلامية قادرة على حمل الاسلام واخذ مكانها بين شباب الحزب تعمل معهم دون كلل او ملل للوصول الى الغاية التي ينشدون والتي عينها لهم رب العزة جل وعلى حين قال {ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واؤلئك هم المفلحون}.

نعم هذا هو سر تسمية الحزب لشبابه بالشباب لانه يريد منهم ان يكونوا دائمي الشباب طاقة وحيوية واندفاعا ولقد كان للثقافة الحزبية الاسلامية الاثر العظيم لتحقيق هذا الهدف:
فها هو الشيخ المؤسس تقي الدين النبهاني رحمه الله يستمر في حمله للدعوة حتى اخر ايامه دون ان تفتر له عزيمه او يعتريه يأس او كلل او ملل رغم ما لاقاه في طريقه من مصاعب واهوال ,ثم ما كان من خليفته الشيخ عبد القديم الذي استمر في حمله للامانة رغم مرضه الشديد ولم يترك مسوؤلياته الا عندما افقده المرض القدرة على توليها
والامثلة بين الشباب كثيرة وملموسة فهي لم تقتصر على القادة فالرعيل الاول من شباب الجزب ومن تبعهم حافظواعلى صفة الشباب فيهم ولم يزدهم تقدم العمر الا شبابا مطعما بالخبرة والتجربة التي تزيد العطاء وتعزز النجاح في السعي ولننظر الى الشيخ فتحي سليم رحمه الله فقد بقي شعلة من النشاط يتحدى الشيخوخة فيجري اللقاءات ويلقي المحاضرات ويكتب حتى اواخر ايامه .
واما الاخ علي عبد العال الذي قضى حياته في حمل الدعوة ومكابدة اعبائها حتى في اشد حالات المرض لديه فساكتفي بذكر بعض كلماته لنعرف مدى القوة والحيوية التى كان يتمتع بها وهو الشيخ الكبير في السن المريض الجسم ولكنه العالي الهمة فبدل ان يشتكي الالم والمرض كان يقول "يا هم ان لي ربا كبيرا " ولم يكن يقول "يا رب ان لي هم كبير "
وكان يقول ايضا "اللهم اني لا اشكو اليك ثقل الحمل بل اسألك ظهرا قادرا على الحمل"
واخيرا قوله لمن كان يأتي لعيادته في مرضه "لا عليكم ايها الاحباب فانا بخير وما يحزنني فقط ان هذا الداء يعيقني عن اداء رسالة السماء ونشر الحق والنور بين الناس "
الا ترون في هذين الهرمين واخوة لهما من حملة الدعوة الافذاذ الا ترون فيهم عمار بن ياسر يصول ويجول في مقاتلة الخارجين على الخليفة ليصوب اوضاع الامة والمجتمع ويحافظ على الاسلام سليما قويا مهيب الجانب .
غير ان عمارا كان يقاتل بسيفه لانه كان يقاتل وراء خليفة اما هؤلاء فيقاتلون بكلمتهم لانهم يعملون لاعادة الخليفة .
وهنا لا بد من التذكير على ان الشباب لا يقتصر على الرجال فنساء الحزب لا يَقِلُّنَ شبابا عن رجاله
فقوتهن وارادتهن لا تقف عند حد
ولنتذكر تلك الاخت الكريمة من اندونيسيا التي كانت تريد المشاركة في فعاليات الحزب سنة 2007 ولما كانت قلة المال هي مما ابتليت به تلك الاخت سافرت للمؤتمر بين ركوب وسير على الاقدام حتى تتمكن من تكثير السواد والمشاركة في الخير ونيل الثواب ,فكان ان فاضت روحها الى بارئها اثناء الرحلة ولم تتمكن من الوصول لكن ثوابها باذن الله قد وصلها فالله تعالى لا يضيع عنده عمل عامل من ذكر او انثى

واختنا في الله "عصمت السيد "من حملة الدعوة في لبنان يعتقل زوجها فلم يضعف ذلك من عزيمتها وتصاب بمرض عضال فلا يؤخرها ذلك عن حمل الدعوة ومواصلة العطاء كما كانت وهي في كامل عافيتها مستغلة كل ما لديها من ايجابيات لتعينها على الاستمرار في هذا العمل العظيم فلم تترفع عن الاستعانة بالاهل من والدين واخوة واعمام واحماء ,واستمر عطاؤها حتى وافاها الاجل وهي على ذلك .ومما أُُثِرَ عنها في ايامها الاخيرة انها كانت تكثر من حمد الله ولا تشتكي مصابها .
وعندما كان والدها يشجعها للتجاوب مع تعليمات الطبيب ويريد ان يوجد لديها الرغبة في الحياة فيذكرها باولادها وحاجتهم اليها كانت تقول له "انا اريد ان اعيش من اجل الدعوة يا والدي " فشدة الابتلاء لم تضعف عزيمتها ولم تنسها رسالتها .
وامثال اختنا عصمت كثيرات ممن ابتلين بالمرض في انفسهن او ابنائهن او ازواجهن ولكنهن وجدن الوسيلة التي تمكنهن من مواصلة حمل الدعوة في تلك الظروف البالغة الشدة والقسوة .فمنهن من لجأت للكتابة ,ومنهن من استغلت الانترنت وخاصة غرفة النساء في قاعة البث الحي وربما هناك من استغلت وسائل اخرى لكنني ذكرت تجارب من اعرفهن خير المعرفة .
اما من ابتلي بالسجن او القتل من شباب الحزب فقد ضرب اروع الامثلة في الثبات والقوة والصبر فقد علقوا على المشانق وقضوا تحت التعذيب دون ان ينال منهم الظلمةُ بل لقد حيروا الظلمة وجعلوهم يكلمون انفسهم لما رأوا من قوة احتمالهم وثباتهم اما الباقين الذين لا زالوا في اقبية الجلادين فلا زالوا يسطرون كل يوم قصة اروع من سابقاتها في الثبات القوة لا فرق بين الشباب والشابات فلله درهم وانعم بهم من حملةٍ لاعظم دعوة ,ومن ورثة لاعظم رسالة .
هؤلاء هم شباب حزب التحرير ولهذا سماهم الحزب شبابا فهي صفة فيهم ولكنها ليست طبيعية كما هي حال الشباب التي هي مرحلة من مراحل حياة الانسان بل هي صفة مكتسبة تصطنع اصطناعا وتحتاج الى بذل الجهد الكبير والى المتابعة والمراقبة للذات حتى نصل اليها ونحافظ عليها في كل مراحل حياتنا وتحت كل الظروف التي تعترينا صحية او اسرية او اجتماعية او مجتمعية
فهذا الاسم لشباب الحزب فوق انه اسم على مسمى الا انه مسؤولية كبرى تقع على كل فرد من افراد الحزب مهما كان موقعه في الحزب اوموقعه في المجتمع.

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.