October 21, 2010

ان في هذا لبلاغا لقوم عابدين

إنّ الناظر اليوم لحال الأمة الإسلامية يجد أنها ممزقة مفرقة ذليلة مستعبدة من قبل الكافر, يجد أنها مقهورة تابعة تداعى عليها أمم الكفر كما تداعى الأكلة إلى قصعتها, غثاء كغثاء السيل, يجد أنْ لا حرمة لها لا في دينها ولا عرضها ولا دمها ولا ثرواتها, قال رسول الله :يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينـزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم). وهذا الأمر كان نتاج أن فقدت الأمة مفاهيمها ومقاييسها وقناعاتها التي كانت تشكل البوصلة لها, وسمحت للحضارة الأجنبية أن تدخل ديارها, وللمفاهيم والمقاييس والقناعات الغربية أن تحتل ذهنها. قال رسول الله ) : لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبّ تبعتموهم . قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال : فمن). فلذلك إذا أرادت الأمة أن ترجع إلى سابق عهدها أمة وسطاً أي صاحبة الصدارة بين الأمم وشاهدة على العالم كما وصفها وجعلها الله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً). فإنه لا بد للأمة أن تزيل المفاهيم والمقاييس والقناعات الغربية من ذهنها, وتخرج الحضارة الأجنبيه من ديارها, وتتمسك بالحضارة الإسلاميه, وتتوحد على المفاهيم والمقاييس والقناعات التي ارتضاها الله ورسوله لها, وأن تحملها رأياً عاماً لها منبثقاً عن وعي عام عليها. ومن هذه المفاهيم والمقاييس والقناعات نذكر لكم:

  • 1 - غاية الغايات نيل رضوان الله. قال تعالى : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين* يهدي به من اتبع رضوانه سبل السلام,وقال رسول الله : من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله , ومن أسخط الله برضا الناس وكلّه الله إلى الناس ).
  • 2- الاعتقاد الجازم بأن الرزق بيد الله وحده. قال تعالى : إنّ الله هو الرّزاق ذو القوة المتين) , وقال تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
  • 3 - الاعتقاد الجازم بأن الأجل بيد الله وحده. قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قُتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصيروقال تعالى:لا إله إلا هو يحيي ويميت.
  • 4 -التوكل على الله وحده. قال تعالى : ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون), وقال تعالى : ( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم, وقال رسول الله :لو أنّكم تتوكلون على الله حق توكله , لرزقكم كما يرزق الطير, تغدو خماصاً , وتروح بطاناً.
  • 5- العقيدة الإسلامية عقيدة سياسية و روحية. قال رسول الله :كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي , وأنه لا نبي بعدي , وستكون خلفاء فتكثر. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا بيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم, وقال رسول الله (من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم).
  • 6- العقيدة الإسلامية عقيدة نضال وكفاح. قال تعالى :يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون, و قال رسول الله:فما تظن قريش فو الله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة, وقال رسول الله:أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله , وأنّ محمداً رسول الله.
  • 7-الإسلام مبدأ عالمي ونشره إلى العالم بالدعوة والجهاد واجب , ولا يكون إلا بالدولة. قال تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون), و قال رسول الله (إنما الإمام جنة يُقاتَل من ورائه ويُتّقى به).
  • 8-لا حياة للأمة ولا عزة لها ولا نهضة إلا بالإسلام كمبدأ عقيدة ونظاماً. قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم), و قال تعالى : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين), و قال تعالى : ( ومن أعرض عن ذكري فانّ له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى), وقال رسول الله (بشّر هذه الأمة بالسنا والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض).
  • 9-الوحدة للأمة لا تكون إلا بدولة واحدة وحاكم واحد أي بالخلافة الإسلامية.قال تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا), وقال رسول الله (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما), وقال رسول الله (: ( من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه).
  • 10-المسلم أخو المسلم هو الرابط الوحيد الذي يجب أن يربط بين أفراد الأمة الإسلامية فتكون أحزان المسلمين ومصابهم واحد وأفراحهم واحده. قال تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة), و قال رسول الله (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره).
  • 11-وجوب أخذ الإسلام وتطبيقه كاملاً. قال تعالى : ( وأن احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك), وقال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون).
  • 12-الإسلام يحوي جميع المعالجات لحل مشاكل البشرية حلاً صحيحاً.قال تعالى : ( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء), وقال تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً).
  • 13-ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان, فحلال الله ورسوله حلال إلى يوم القيامة وحرام الله ورسوله حرام إلى يوم القيامة. قال رسول الله (فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة, وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة).
  • 14-الولاء لله ورسوله وللمؤمنين ومن والاهم , والبراءة من الكافرين والطاغوت ومن والاهم. قال تعالى : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء), و قال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء , بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين), و قال تعالى : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون).
  • 15-جعل السبيل للكفار على المسلمين حرام وجريمة وخيانة لله ورسوله. قال تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً), وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وانتم تعلمون).
  • 16-وجوب الالتزام بقاعدة السببية للوصول إلى الأهداف والغايات أي أخذ الأسباب الكاملة بحسب سنن الكون للوصول إلى تحقيق المسببات. عن أنس بن مالك يقول: قال رجل: يا رسول الله, أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل. قال رسول الله (اعقلها وتوكل).
  • 17-الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي. قال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً), و قال رسول الله (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).

مقياس الأعمال في الإسلام الحلال والحرام ويشمل ثلاثة أمور وهي :

1. مقياس الذوق الحسن والقبح, تحسين ما يحسنه الله ورسوله , وتقبيح ما يقبحه الله ورسوله. قال تعالى : ( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث).

2. مقياس الأفعال الخير والشر, الخير ما يرضي الله فيقدم عليه, والشر ما يسخط الله فيحجم عنه. قال تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شرّاً يره).

3. مراعاة القصد من القيام بالأعمال. قال رسول الله ( : ( إنما الأعمال بالنية, وإنما لامرىء ما نوى, فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته لله ورسوله, ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه).

  • وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمحاسبة للفرد والأمة والدولة. قال تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر), و قال رسول الله (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر, أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده , ثم لتدعنّه فلا يستجاب لكم ), وقال رسول الله ( ألا إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).
  • وجوب وجود حزب سياسي في الأمة الإسلامية على أساس الإسلام يقوم بأعمال الدعوة إلى الإسلام والمحاسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحمل الدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية بإيجاد الخلافة. قال تعالى : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون), و قال رسول الله ( لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).

أيها المسلمون:

هذه هي بعض المفاهيم والمقاييس والقناعات التي ارتضاها الله ورسوله لهذه الأمة الكريمة, والأدلة عليها مستفيضة من كتاب الله وسنة رسوله, بينة كالشمس في رابعة النهار , لا تحتاج إلى خصام أو جدال, والتي يجب أن تحافظوا عليها, وتتمسكوا بها, وتعضوا عليها بالنواجذ, وتسقونها لأولادكم كما تسقونهم اللبن, واحملوها رأياً عاماً لكم منبثقاً عن وعي عام, لإعلاء كلمة الله , واستئناف الحياة الاسلاميه بإيجاد دولة الخلافة , ولا تيأسوا من رحمة الله ومغفرته وقرب نصره , فأنتم خير أمة أخرجت للناس.

قال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتّبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ) .

أبو بكر عبد الرحمن الغماري

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.